فهرس المحتويات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مترجمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مترجمة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 8 فبراير 2024

المستقبل (ليس) وقت فراغ ‫‬

المستقبل (ليس) وقت فراغ

هل يأتي عصر العبودية الجديدة في ظل الرأسمالية الرقمية؟

تأليف:سيلينا مارينا فلاديميروفنا وأوليغ نيستيروف([1])

ترجمة: رسلان عامر

 

 

 

إن أشكال وظروف العمل في العالم الحديث تتغير بشكل كبير وربما لن تبقى هي نفسها أبدا، وعلى نحو متزايد، يتم سماع أفكار حول آفاق ما يسمى بمجتمع ما بعد العمل، حيث سيتم تخفيض العمل البشري إلى الحد الأدنى؛ ولكن حتى في عالم ما بعد العمل المرقمن، قد يكون اكتساب الحرية الشخصية والحفاظ عليها أمرا مستحيلا. موقع "البوابة العلمية والتعليمية"([2]) وبمساعدة بحث طالب الدراسات العليا في الصحة والسلامة والبيئة أوليغ نيستيروف، يكشف كيف يمكن أن يؤدي فرْض الترفيه الرقمي المدفوع الأجر إلى تحوله إلى عمل رقمي كامل وشكل جديد من أشكال العبودية.

 

رأسمالية المنصات ومشكلة وقت الفراغ

اقتصاد المستقبل هو الرأسمالية الرقمية المتأخرة، وتسمى أيضا رأسمالية المنصات أو رأسمالية البيانات الضخمة؛ ولطالما اهتم الباحثون بمسألة وقت فراغ الإنسان في هذا الواقع الاقتصادي الجديد، وكذلك بآفاق مجتمع ما بعد العمل بشكل عام.

كيف سيقضي إنسان المستقبل، الذي يعمل من أجله الذكاء الاصطناعي، والمنصات التي تبسط شؤونه اليومية، وقت فراغه؟ يحدد طالب الدراسات العليا أوليغ نيستيروف، في مقالته "مشكلة وقت الفراغ في رأسمالية المنصات"، المنشورة في مجلة "الفلسفة" التي تصدرها "المدرسة العليا للاقتصاد" في "جامعة الأبحاث الوطنية" الروسية، أربع مجموعات من النظريات في مناهج حل مشكلة وقت الفراغ:

1- وقت الفراغ كفرصة لممارسة أنشطة أخرى (على سبيل المثال، الإبداع والهوايات والألعاب والتعلم وما إلى ذلك) وتحقيق الذات؛

2- وقت الفراغ كعبء (الشخص لا يعرف بماذا يفعل يشغل نفسه، وبالتالي يقضي وقته دون فعل شيء مثمر)؛

3- وقت الفراغ كعمل رقمي (العمل، أثناء تعرضه للتحول، لا يختفي، بل يصبح رقميا ووقت الفراغ لا يصبح أكبر)؛

4- الفراغ كنشاط رقمي (التحرير الشكلي لوقت العمل لا يحرر الشخص، حيث أن هذا الوقت يتم الاستحواذ عليه بواسطة رأس المال ويُملأ ليس فقط بالعمل الرقمي بمعنى أنشطة الإنتاج المباشر للمنتج، لكن أيضا بالانشغال الرقمي، الذي يستهدف أيضا الربح).

وفي تحليله لآفاق وقت الفراغ الرقمي في مجتمع ما بعد العمل، يركز الباحث على تطوير أفكار المجموعة الأخيرة من النظريات المخصصة لوقت الفراغ كنشاط رقمي؛ وينظر أوليغ نيستيروف إلى آفاق وقت الفراغ الرقمي في إطار مفهوم مجتمع ما بعد العمل الذي وضعه نيك سرنيسك وأليكس ويليامز، والذي يفترض أن تحول المجتمع ممكن من خلال تغيير العلاقة بين العمل ورأس المال؛ والنقاط الرئيسة في هذا "البرنامج" هي: الأتمتة الكاملة للعمل، وتقليص ساعات العمل، وإدخال مفهوم الدخل الأساسي اللامشروط (UBI) ورفض أخلاقيات العمل.

 

دعونا نوضح بعض المفاهيم:

طلب تخفيض ساعات العمل مقابل زيادة التركيز على الأرباح

في الظروف الحقيقية لعمل الدولة والمجتمع، وكذلك مع الأخذ في الاعتبار الإمكانيات المحدودة للأتمتة، كما يلاحظ أوليغ نيستيروف، يجب أن تبقى حصة كبيرة من العمل اللازم في المجتمع، الذي يتمثل بدعم العمليات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية، وكذلك العمل في قطاع الخدمات والشركات الرقمية؛ وربما تتمثل الحصة السوقية الرئيسة في المستقبل، وفقا للمنظرين الاجتماعيين، في شبكة من الشركات الاحتكارية الرقمية؛ وستصبح البيانات هي المصدر الرئيس للمواد الخام لتحقيق الربح؛ وفي هذه الحالة، سيتم تقسيم الناس إلى أولئك الذين يضطرون إلى العمل، وهم في الأساس في خدمة المجتمع، وأولئك الذين سيبقون دون عمل.

إن الفرق بين الأفراد في الدخل، ومقدار وقت الفراغ، وخصائص التعليم يجب أن يخلق عوامل جديدة لعدم المساواة الاجتماعية، وبالتالي، فإن مسألة ملء الوقت المحرر سوف تتعلق بشكل رئيس بالجزء الثاني من المجتمع.

وعلاوة على ذلك، كما يشير الباحث، سيتم طرح السؤال بشكل مختلف في رأسمالية المنصات: هل سيكون هناك بالفعل المزيد من وقت الفراغ؟

وبالنظر إلى التوقعات المتعلقة بخفض العمالة وإدخال الدخل الأساسي غير المشروط، فمن ناحية، ستتاح لشركات المنصات الفرصة للحصول على أرباح إضافية على حساب الحكومة، فضلا عن المكاسب في توفير تكاليف العمالة؛ وستتمكن المؤسسات من العمل بعدد أقل من الموظفين الرسميين، بالإضافة إلى خفض رواتب أولئك الذين ظلوا يعملون، حيث لا يمكن تخفيض عدد أمكانهم.

«وهذا (التخفيض للأجور) يمكن أن يحدث بناء على اعتبارين؛ فأولا، أولئك الذين مايزالون يحتفظون بوظيفة سيقدرون هذه الوظيفة كثيرا، لأن البديل هو البطالة القسرية ودخل أساسي لامشروط متواضع إلى حد كبير؛ ولكن في الوقت نفسه، سيحصل الموظفون أيضا على دخل أساسي لامشروط، وهذا يعني أن الرأسماليين، الذين يحاولون توفير المال، يمكنهم خفض الرواتب بمقدار الدخل الأساسي اللامشروط»، كما يعلق أوليغ نيستيروف، وبالتالي، ستحتفظ الشركات بالمال المدخر داخل نظامها، وفي المحصلة ستكون الدولة هي بشكل أساسي من "يدفع" الأرباح للشركات.

ومن ناحية أخرى، فإن عدم اليقين بشأن حجم الدخل الأساسي اللامشروط، فضلا عن أسسه الأخلاقية، يلقي بظلال من الشك على مضمونية النمو الاقتصادي، وبالتالي قد تصبح الشركات، من أجل الحفاظ على القوة الشرائية، مهتمة أيضا بدفع جزء من الدخل مقابل النشاط عبر الإنترنت.

ويلفت الباحث الانتباه إلى أن أحد القيود على ربح شركات المنصات هو إجمالي وقت الفراغ للمشاركين في الشبكة، والذي يصبح مصدرا وشرطًا لتوليد الدخل؛ فيما يفترض عدم المساواة الاجتماعية في مجتمع ما بعد العمل أن يكون جزء من هذا المجتمع في الخدمة (العمل الإلزامي الضروري) ويتلقى دخلاً إضافيا مقابل ذلك، في حين أن الجزء الآخر لديه الفرصة لألا يعمل أو ليس لديه الفرصة ليعمل، ولكن في نفس الوقت لديه قدر كبير من وقت الفراغ، وهنا حتى بوجود الدخل الأساسي اللامشروط، قد يسعى هذا الجزء الثاني من المجتمع للحصول على دخل إضافي.

وبالتوازي، يحدث تحول جذري في التوازن بين العمل والراحة والحياة الشخصية، ويركز أوليغ نيستيروف على ما يسمى باستراتيجيات تخصيص الوقت.

وعلى سبيل المثال، تشير إحدى الأوراق البحثية إلى جاذبية مهنة عامل النظافة للشباب في جنوب إسبانيا،إذ يبدأ يوم العمل في الساعة الخامسة صباحا وينتهي في الساعة التاسعة؛ واليوم كله تقريبا مجاني؛ وهذه، كما يشرح العلماء، هي إستراتيجية عدم التزامن- التحول في "المعايير الزمنية" للفرد مقارنة بالمعايير العامة.

وهكذا، برأي المؤلف، ينعكس الطلب في المجتمع على تخفيض ساعات العمل وإمكانية تنظيمها بشكل مستقل؛ وعلاوة على ذلك، في ظل ظروف الرأسمالية الرقمية المتأخرة، قد يصبح النشاط عبر الإنترنت هو القاعدة أو حتى مصدر الدخل الوحيد لنسبة كبيرة من السكان..

 يمكن لشركات المنصات أن تعمل كمصادر للدخل الإضافي والرئيس للمستخدمين، وإذا مر اليوم قدر كبير من الوقت بين العمل والدفع، فيمكن تجميع الدفع مقابل النشاط في المستقبل على الفور تقريبا، وهذا بدوره، على الرغم من المطالبة بتخفيض ساعات العمل، يمكن أن يعزز توجه الناس نحو كسب المال، فإذا "عملوا" بجدية أكبر ولفترة أطول، يمكنهم بشكل أسرع استبدال الأموال بالاستهلاك؛ ومثل هذه الظروف ستشكل الأساس لازدهار جديد للرأسمالية، حيث أن هناك تكثيف ليس فقط العمل، ولكن أيضا للاستهلاك، حيث يتم تقليل الوقت اللازم لتلبية الاحتياجات.

«هل يمكننا أن نصدق أن المجتمع سيكون راضيا بقدر صغير أو حد أدنى أو حتى كاف، ولكن محدود عن الدخل الأساسي اللامشروط في ظروف يحصل فيها جزء منه على دخل إضافي من العمل الضروري والمفيد للمجتمع؟ وعندما يكون هناك في الوقت نفسه "منجم" من الأموال متاح للجميع، حيث لا يُطلب من الشخص سوى القليل جدا، بحيث يتم الاتصال بالشبكة وتنفيذ إجراءات معينة، مثل عرض الأخبار، ووضع الإعجابات، والتوصية بمنتج أو خدمة للأصدقاء، أو مجرد الدردشة، وما إلى ذلك؟»، كما يناقش أوليغ نيستيروف.

 

هل العطلة مدفوعة الأجر هي عرض لا يمكنك رفضه؟

إن النوع الجديد من النشاط المدفوع الأجر والذي يمكن للجميع الوصول إليه هو شيء يمكن أن يحل محل العمل المأجور في مجتمع ما بعد العمل، ويمكن أن يصبح وقت الفراغ مورداً جديداً للعمل الرقمي.

يشير الباحث إلى أنه سيكون من الأصح تسمية مثل هذه الأنشطة بأوقات فراغ مدفوعة الأجر، بناء على كيفية إدراك الشخص لها ("أنا أقضي وقتا على الإنترنت والعب ألعاب الكمبيوتر، وأحصل على أجر مقابل ذلك")، وبالإضافة إلى تمرير موجز الأخبار، والتواصل على الشبكات الاجتماعية، ومشاركة المحتوى، قد يشمل الترفيه المدفوع ألعاب الكمبيوتر عبر الإنترنت، ومشاهدة المحتوى مع الإعلانات المدمجة، وما إلى ذلك؛ وهذا النشاط في معظمه لا يتطلب معرفة مهنية أو مهارات خاصة أو قدرات فكرية أو مجهودا بدنيا، وحتى الطفل يمكنه كسب المال بهذه الطريقة إذا كانت بصمته الرقمية ذات أهمية تجارية للمنصات.

عبر أوقات الفراغ المدفوعة الأجر، لا يتم الدفع مقابل الإجراءات الرئيسة فحسب، بل يمكن ببساطة الدفع مقابل الوقت الذي يتم قضاؤه على الإنترنت؛ و«في الأعمال العلمية يُطلق على مثل هذا النشاط على الشبكة أحيانا اسم العمل غير المرئي، ويعني هذا المشاركة في إنتاج البيانات أو "الآثار الرقمية"، غير الملحوظة للمستخدم» ، كما يشير الباحث؛ وفي الوقت نفسه، ستضطر شركات المنصات إلى التنافس على المستخدمين، وتحفيزهم بكل الطرق الممكنة، ودفعهم اقتصاديا لقضاء أوقات فراغهم في فضاءها الافتراضي.

أصبح تكتيك الدفع، أو الضغط النفسي غير المباشر الذي يهدف إلى تحفيز وحث النشاط نحو هدف محدد في الاقتصاد الحديث، مشهورا بفضل كتاب "الدفع (Nudge). الهندسة المعمارية للاختيار. كيفية تحسين قراراتنا بشأن الصحة والثروة والسعادة" من تأليف ريتشارد ثالر وكاس سنشتاين، ومن هنا تم تسميته بـ "الدفع" (Nudging)؛ ويوضح أوليغ نيستيروف أن الدفع يمكن أن يكون له أكثر من مجرد بعد اقتصادي؛ وقد لاحظ بعض المؤلفين التحول إلى الدفع عند حديثهم عن الفرْض الاجتماعي والمهني لقضاء وقت الفراغ في أيامنا هذه.

نظرية الدفع (Nudge Theory بالإنكليزية) هي مفهوم في البحوث متعددة التخصصات، يفترض القدرة على التأثير على عملية اتخاذ القرارات الجماعية والفردية من خلال التعزيز الإيجابي والتعليمات التي تبدو غير مباشرة، ووفقا لهذا المفهوم، فإن التحفيز على العمل لا يقل فعالية عن الإكراه بالقوة على العمل أو التوجيهات المباشرة.

و"الدفع" كمبدأ، برأي الباحث، سيصبح أحد المبادئ الأساسية في تحديد ملء أوقات فراغ الناس في ثقافة مجتمع ما بعد العمل في ظل الرأسمالية الرقمية المتأخرة، وعلى أية حال، فأساسياته تعمل بالفعل بفعالية كبيرة.

 

مخاطر مجتمع ما بعد العمل

على الرغم من أن الترفيه الرقمي يعتبر اليوم وقتا للإرجاء والاسترخاء، إلا أنه غالبا ما يكون بعيدا عن كونه عديم الفائدة، كما يشير الباحث؛ فقراءة الكتب والأخبار، ومشاهدة الأفلام ومقاطع الفيديو، والألعاب عبر الإنترنت، والمراسلات، والتسوق، تعني، بالإضافة إلى التعبير الاستهلاكي الواضح، التواصل الذي يعمل كوسيلة لتكوين الهوية.

وبالإضافة إلى التواصل المباشر، فإن اختيار نوع معين من الترفيه الرقمي يتيح للشخص أن يشعر بأنه جزء من مجتمع معين، على سبيل المثال، مشاهدة الأفلام تفتح الباب أمام مجتمع من عشاق الأفلام، والألعاب عبر الإنترنت أمام مجتمع اللاعبين، والتسوق أمام مجتمع المتسوقين، أي أن الناس يتحدون بالتفضيلات.

لكن المرمى الاقتصادي في شكل الدفع (nudge)-الفرْض يمكن أن يسهم ليس فقط في استبعاد أنواع الأنشطة الإيجابية الأخرى، بل وأيضاً في "محو القيمة الجوهرية لقضاء وقت الفراغ المدفوع الأجر بالنسبة للفرد، وتحويله إلى عمل رقمي فارغ لا معنى له".

إن وقت الفراغ، المتحرر تماما من العمل المأجور والأعباء الأخرى، والذي يشكل الأساس لإعادة التفكير الوجودي في وجود الفرد، يمكن أن يصبح مرة أخرى وقت عمل لغالبية المجتمع؛ كما ويلفت أوليغ نيستيروف الانتباه إلى المخاطر الأخرى لرأسمالية المنصات، وبالتالي، قد تكون المشكلة هي هيمنة منصات المقامرة الرقمية كأحد أنواع المنصات التي تغدو مصدر دخل غير مضمون وإفقار محتمل.

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن اعتبار الدفع الإلزامي مقابل نشاط المستخدم على الشبكة بمثابة إجراء بديل لمكافحة عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي سيجعل الشخص يعتمد على الشبكة، لأن العطلة المدفوعة الأجر قد تصبح السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة، وفي هذه الحالة، وفقا للباحث، قد يصبح المجتمع أقل حرية اقتصاديا مما هو عليه الآن.

ويشير أوليغ نيستيروف أيضا إلى مشكلة أخرى، وهي العلاقة بين تعريفات الدفع وأسعار السلع والخدمات، ومن الممكن أن تؤدي الفجوة الحرجة بينهما إلى ظهور شكل آخر من أشكال العبودية الاقتصادية؛ وسيتعين على المستخدمين قضاء الحد الأقصى من وقت الفراغ على الإنترنت لكسب الحد الأدنى من الأرباح؛ وبالإضافة إلى ذلك، فإن إمكانية التحكم بأسعار السلع والخدمات من قبل الدولة وقطاع الأعمال، وكذلك إمكانية  التحكم بتعرفة الدفع مقابل النشاط الرقمي، يمكن أن تؤدي في الواقع إلى انحطاط الرأسمالية الرقمية وانغلاقها على نفسها، مما سيساهم في اغتراب الناس ليس فقط عن الأنشطة، ولكن أيضا عن بعضهم البعض.

ويعتقد الباحث أن تحديد أسعار مرتفعة للسلع والخدمات، بوجود حد أدنى من الدخل الأساسي اللامشروط ومعدلات تعريفة منخفضة لنشاط المستخدم، فضلا عن استخدام قوات الأمن لقمع الاحتجاجات المحتملة، يمكن أن يؤدي إلى التوتاليتارية الرقمية..

وقد توصل الباحث إلى استنتاج مفاده أنه في المجتمعات الرأسمالية المتأخرة، بما في ذلك مجتمعات ما بعد العمل، يمكن للشخص أن يفقد المزيد من الحرية، وينخرط في أشكال جديدة من التبعية، وهذا بدوره يعني شكلا جديدا من أشكال العبودية العملوية والاقتصادية.



[1] - أوليغ نيستيروف (Oleg Nesterov) هو صاحب البحث، وهو طالب دراسات عليا في قسم الفلسفة والدراسات الثقافية في كلية العلوم الإنسانية في المدرسة العليا للاقتصاد في الجامعة الوطنية للأبحاث في روسيا؛ سيلينا مارينا فلاديميروفنا (Selina Marina Vladimirovna) هي كاتبة المقالة، وهي محللة ومعدة مواد في موقع (IQ.HSE)، و تحمل ماجستير في علم النفس من المدرسة العليا للاقتصاد الآنفة الذكر؛ والمقالة أعلاه منشورة في6 يوليو 2023.

[2] - IQ.HSE (IQ Research and Education Website – HSE University), https://iq.hse.ru/

 

*

المقالة منشورة على مجلة "الرافد"

 المستقبل (ليس) وقت فراغ 

 
 

الثلاثاء، 12 ديسمبر 2023

تراجيديا (7 تشرين الأول- أكتوبر) ستقسم تاريخ إسرائيل إلى ما قبل وما بعد


 تراجيديا (7 تشرين الأول- أكتوبر) ستقسم تاريخ إسرائيل إلى ما قبل وما بعد 

مقابلة بين رسلان بوخوف وفيدور لوكيانوف             

ترجمة رسلان عامر


 

- رسلان بوخوف (Ruslan Pukhov):

 عضو المجلس العام التابع لوزارة الدفاع في الاتحاد الروسي، ومدير "مركز تحليل الاستراتيجيات والتقنيات (CAST)".

- فيودور لوكيانوف (Feodor Lukyanov):

 رئيس تحرير مجلة "روسيا في الشؤون الدولية" منذ تأسيسها عام 2002؛ رئيس هيئة رئاسة مجلس السياسة الخارجية والدفاعية لروسيا منذ عام 2012؛ مدير العمل العلمي في نادي فالداي الدولي للمناقشة؛ وأستاذ باحث في "المدرسة العليا للاقتصاد" في "الجامعة الوطنية للأبحاث".

- المقابلة أُعدت خصيصاً لبرنامج “المراجعة الدولية” في قناة روسيا 24.

 

*

لقد رأى العالم كله ليس ضعف أجهزة المخابرات الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي فحسب، بل رأى أيضا أن دولة إسرائيل لا تستطيع حماية مواطنيها. عن أسباب فشل المخابرات الإسرائيلية، وعدم استعداد الجيوش الحديثة لهجمات مفاجئة، ولماذا، من الناحية الأخلاقية والأخلاقية، يخسر الإسرائيليون هذه الحرب، يتحدّث رسلان بوخوف مع مدير "مركز تحليل الاستراتيجيات والتقنيات" فيودور لوكيانوف في مقابلة لبرنامج "المراجعة الدولية".

لوكيانوف - للأزمة في الشرق الأوسط جانب سياسي ولكن هناك أيضا جانب عسكري؛ فهل هناك فهم ما لكيف يمكن أن يحدث ذلك، وأن يتم تفويت عملية جيدة التحضير بوضوح من تحت أنف الإسرائيليين؟

بوخوف - في الواقع، على الرغم من جميع الانتقادات المثيرة للجدل حول هذا الفشل في مجال الاستخبارات، هناك العديد من الأمثلة في التاريخ؛ والأمر يتعلق بأن النشاط الاستخباراتي هو ليس فقط جمع المعلومات، حيث كانت الاستخبارات العسكرية الأمريكية والسوفيتية دائما قوية في هذا الجانب مثلا، ولكنه أيضا يتعلق بتفسير ونقل هذه المعلومات إلى القيادة السياسية العليا، وهنا تنشأ المشاكل في كثير من الأحيان، سواء على مستوى استيعاب القيادة السياسية العليا (يمكننا أن نتذكر ستالين في عام 1941، الذي كان يرفض ببساطة المعلومات الاستخبارية التي لم تعجبه)، أو وعلى مستوى كيفية قيام قيادة الاستخبارات بتعبئة هذه البيانات للقيادة السياسية العليا.

في العمل الكلاسيكي للعالم السياسي الأمريكي المشهور روبرت جيرفيس "لماذا تفشل الاستخبارات: دروس من الثورة في إيران وحرب العراق"، هناك هذه الجمل: "إذا كان توقع دقة المعلومات الاستخبارية يجبر السياسيين على البحث عن تقديرات تعزز مواقفهم وتمنحهم الثقة، فإن معرفة أن المعلومات الاستخبارية تخطئ في كثير من الأحيان تسمح لهم برفض أو تجاهل التقارير غير المريحة"؛ أي أنه يمكنك تحويل الأمر بالطريقة التي تريدها.

الإسرائيليون كانوا يركزون بشدة على حزب الله والضفة الغربية وإيران، وبدا لهم أن حماس هي الحلقة الضعيفة، وأنهم يعرفون كل شيء في غزة، ومن المؤكد أن غزة كانت مليئة بعملائهم، لذلك كانوا متأكدين تماما من أنهم لا ينبغي أن يتوقعوا هجوما من هناك.

 

لوكيانوف - هل كان هناك شيء آخر بالإضافة إلى المفاجأة؟ هل كان هناك أي ابتكار من جانب حماس؟

 

بوخوف - المدهش ليس حقيقة أن حماس تصرفت بشكل إبداعي، رغم أن المرء لا يستطيع أن ينكر وجود قدر معين من البراعة وسعة الحيلة لديها، لكن المدهش هو كم كان الإسرائيليون ضعفاء، ومن الواضح أن حماس وأولئك الذين قدموا لها الاستشارة درسوا عيوب النظام في الدفاع الإسرائيلي على مدى عدة أشهر، إن لم يكن سنوات. لو كان الإسرائيليون صلبين مثل الصخرة فعلا، لما تمكن أحد من مس هذه الصخرة، ولكن الماء سيجد الثقوب، وهذا بالضبط ما حدث في هذه الشقوق حيث تسرب الماء، وتمزقت "الصخرة" المزعومة، ولذا فإن الجميع ذهل من ضعف الإسرائيليين، على الرغم من أن أولى علامات ضعفهم ظهرت في عام 2006، عندما لم تسر العملية ضد لبنان وفقًا للسيناريو المرسوم في تل أبيب.

 

لوكيانوف - الضعف هنا ليس تكنولوجيا، وليس من حيث المعدات، بل هو عقلي، على ما يبدو؟

 

بوخوف - اعتقد أن الضعف الرئيس يكمن في عدم تقدير الإسرائيليين لحقيقة أن العرب الذين كانوا يهزمونهم منذ عام 1948 وحتى عام 1982 لم يعدوا هم نفسهم الذين يحاربونهم الآن؛ المجتمع العربي تطور بشكل كبير، خاصة العرب الذين يعيشون بالقرب من إسرائيل، وهم اليوم إلى حد كبير مجتمعات صناعية وما بعد الصناعية، ولم يعودوا تلك التجمعات من الفلاحين التي كان من السهل تفريقها بواسطة الجيش الإسرائيلي والقوات الخاصة الإسرائيلية الأكثر تنظيما؛ فتخيلوا للحظة أنه بعد عشر سنوات في غزة، كل ثاني ساكن يمتلك طائرة مروحية مسيرة مزودة بقنبلة، ماذا سيفعل الإسرائيليون في ذلك الوقت؟

 

لوكيانوف - بخصوص الطائرات الرباعية المزودة بقنابل، والطائرات الشراعية، والدراجات النارية، وكل ما رأينا هنا، أنا لست خبيرا ولا أستطيع الحكم، ولكن لدي الشعور بأن التطور العسكري والتقنيات المكلفة بشكل مجنون التي تستخدم، والأسلحة قد تجاوزت مرحلة ما، بحيث لم يعد لها أي دور، عندما يكون هناك في جهة مئات الملايين من الدولارات لإطلاق طلقة واحدة، وفي الجهة الأخرى هناك دراجة نارية؛ هل هذا صحيح حقًا؟ أم أنه مجرد وهم؟

بوخوف - أي جيش، وأي قوة مسلحة، حتى القوة الانتفاضية، يجب أن تعمل، بشكل مبدئي، على مستويين من الحركة، فيجب عليك بالتأكيد أن تمتلك كمية معينة (ويفضل أن تكون بأكبر قدر ممكن) من الأسلحة التكنولوجية العالية التكلفة، ولكن هذا لا يلغي حقيقة أنه يجب عليك أيضا أن تمتلك كمية هائلة من الأسلحة التكنولوجية المنخفضة التكلفة التي يمكنك استخدامها دون النظر إلى تكلفتها؛ من وجهة نظر التكلفة الفعلية، كم كلفت هذه العملية لحركة حماس؟ 20-25 مليون دولار؛ وأعتقد أن العمل الواحد يكلف إسرائيل أكثر بكثير، ويصل إلى مئات الملايين من الدولارات، وإذا أرادوا احتلال غزة، التي أصبحت الآن ليست قرية بل مدينة كبيرة تضم مليوني شخص، فستكون هذه عملية مكلفة بشكل هائل، وأنا بعد لا أتحدث بالفعل عن الإصلاحات التي ستلي هذا الفشل في الخدمات الاستخباراتية والقوات المسلحة، والتي ستتطلب أيضا استثمارات كبيرة وزيادة في الميزانية العسكرية.

لوكيانوف - القرن الحادي والعشرين قد عرض علينا عددا كبيرا من الحروب بالفعل؛ لكن بشكل غير ملحوظ ما، الخبرة قد تراكمت بشكل كبير، فهل يمكن القول، بناء على ما حدث الآن وسابقا (سواء في أوكرانيا أو سوريا أو اليمن وغيرها)، أن هناك اتجاهات عامة لتطور فن الحرب؟

بوخوف - نعم ولا.

فمن جهة، كانت الطائرات بدون طيار تُصنع بالأساس قبل عشر سنوات فقط في مصانع عسكرية، وحصراً بأمر من وزارات الدفاع أو مؤسسات أمنية أخرى؛ لكن الآن الأمور مختلفة تماماً، وجميع المقاتلون يفعلون الشيء نفسه، حيث يمكنك تأخذ طائرة بدون طيار لمصور زفاف من شركة دي جي (DJI)، أو يمكنك أن تأخذ شيئا أرخص أو أشبه به وتربط عليه قنبلة وها هو السلاح القاذف؛ ولاحظ أنه ليس الأوكرانيون هم الأوائل الذين فعلوا ذلك، بل قام به مقاتلو تنظيم "الدولة الإسلامية" (المحظور في روسيا)؛ وهكذا يمكن لقنبلة تكلف عدة مئات من الدولارات أن تدمر دبابة "ميركافا "التي تبلغ تكلفتها عدة ملايين من الدولارات؛ وفي مجال التجسس، يتيح التكبير بمعدل عشرة أو عشرين مرة متابعة ساحة المعركة في الوقت الفعلي وإزالة ضبابية الحرب، لذلك هناك ثورة معينة.

ومن ناحية أخرى، لا يوجد شيء جديد تحت القمر، وهذا النجاح غير المتوقع الذي حققته حماس هو، مع بعض التعديل، مماثل للانتفاضة البولندية في وارسو عام 1944، التي تم تنظيمها وفقًا لنفس الأنماط تقريبا؛ لقد رأينا ذلك مرات عديدة: هجوم مفاجئ يهدف إلى إضعاف معنويات العدو؛ وأيضا دعونا نتذكر على الأقل الهجوم المسلح على غروزني في آب\أغسطس 1996، عندما دخل المهاجمون بشكل غير متوقع المدينة التي كانت تسيطر عليها القوات الحكومية؛ إن مثل هذا الهجوم، خاصة إذا رافقه تغطية إعلامية جيدة، يهدف إما إلى كسر معنويات العدو وإسقاطه، أو إلى إلحاق ضرر لا يمكن إصلاحه بصورته، وهو ما حدث بالفعل مع إسرائيل؛ لقد رأى العالم كله ليس ضعف أجهزة المخابرات الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي فحسب، بل رأى أيضا أن دولة إسرائيل لا تستطيع حماية مواطنيها، وأعتقد أن مأساة السبت هذه ستقسم تاريخ إسرائيل إلى ما قبل وما بعد.

 

لوكيانوف - هناك أيضا نقطة هامة مفادها أن حجم رد الفعل ونقص معين في الفرامل قد يكون أيضا حافزا لمزيد من التطور الكارثي إلى حد ما.

 

بوخوف - من المدهش أن نقتبس من أردوغان، لكنه أشار بشكل مناسب للغاية إلى أنه إذا كانت دولة إسرائيل تتصرف الآن كمنظمة، على غرار حماس، فيجب أن نتعامل معها كمنظمة، وليس كدولة. إن الهياكل غير الحكومية، التي، بشكل عام، لا تطالب بأية قيم عالية، يمكنها أن تسمح بشيء كهذا، لكن آلة العنف التابعة للدولة لا يمكنها أن تنحدر إلى هذا المستوى, ويبدو أن الإسرائيليين يخسرون من الناحيتين الأخلاقية والمعنوية.

 

*

20\10\2023

مجلة "روسيا في السياسة الدولية"

(Russia in Global Affairs)

https://globalaffairs.ru/articles/tragediya-7-oktyabrya/

*

المقالة منشورة أيضا على منصة "الحرية أولا" وعلى "مدونة بلوغر"

*


 

الجمعة، 8 ديسمبر 2023

إثنان من كارل ماركس

 إثنان من كارل ماركس

  إعداد سيرجي غليزيروف

 ترجمة رسلان عامر


 

قالت عنه الموسوعة السوفيتية الكبرى: «هو مؤسس الشيوعية العلمية، ومعلم وقائد البروليتاريا العالمية. كشفت تعاليم ماركس عن قوانين التطور الاجتماعي وأظهرت للإنسانية الطريق إلى التجديد الشيوعي للعالم».

في أوائل شهر مايو 2018،  مرت مئتا سنة على ميلاد كارل ماركس. ما مدى أهمية هذا الرقم اليوم؟ وهل أصبحت تعاليم ماركس ملكية للتاريخ فقط، أم أنها لا تزال محافظة على فاعليتها حتى اليوم؟ محاورنا هو باحث أول في متحف التاريخ السياسي لروسيا، مرشح (candidate) العلوم التاريخية ألكسندر سميرنوف (Alexander Smirnov).

 

- الكسندر بافلوفيتش، الشخصيات التاريخية التي شكلت الأجندة السياسية للقرن العشرين في روسيا ليبست كثيرة، ولا شك في أن كارل ماركس ينتمي إليهم...

-وهذه مفارقة كبيرة، فعلى الرغم من أنه تحدث باستحسان عن الثوار الروس، إلا أنه على العموم كان يعامل بلدنا بشكل سلبي للغاية، وبعض مقالاته عن التاريخ الروسي لم تُنشر حتى في الاتحاد السوفيتي، إذ أن حجج المفكر حول هذا الموضوع، إذا ما تحدثنا بمصطلحات حديثة، كانت ضد روسية إلى حد كبير، لدرجة أنها لم تكن مناسبة حتى للحكام السوفييت.

على سبيل المثال، عملُ ماركس "الكشف عن التاريخ الدبلوماسي للقرن الثامن عشر" لم يتم تضمينه في بلدنا في أي من مجموعات أعماله، ولم يتم نشره لأول مرة إلا في عام 1989، وقد  أشار ماركس إلى أن «موسكوفيا (Moscovia - دولة موسكو) قد نشأت وترعرعت في مدرسة رهيبة ومشينة من العبودية المغولية، وقد أصبحت أقوى فقط عندما أصبحت بارعة في فن العبودية، وحتى بعد تحريرها، استمرت موسكوفيا في لعب دوره العبد التقليدي الذي تحول إلى سيد، وفي وقت لاحق، جمع بطرس الأكبر بين الفن السياسي للعبد المغولي مع التطلعات الكِبرية للسلطان المغولي، الذي أوصاه جنكيز خان بتنفيذ خطته لغزو العالم... »

لم يكن ماركس وحده في مثل هذه التقييمات، فلفترة طويلة، نقلت الحركة العمالية اليسارية الأوروبية كراهيتها للقيصرية الروسية وللاستبداد إلى روسيا والروس بشكل عام، وكانت روسيا بالنسبة لماركس مصدر للرجيعة، والناس فيها يطيعون القيصر، ما يعني أنهم رجعيون أيضا، كما أن فريدريك إنجلز زميل ماركس في عمله "الديمقراطية السلافية" الصادر عام 1849 لم يعترف بشكل عام لبعض الشعوب السلافية بحقها في إقامة دولتها، على سبيل المثال، التشيك، السلوفاك، الأوكرانيون والبيلاروسيون.

لذا اندهش ماركس بوجود اهتمام خاص في روسيا بتعاليمه، فقد كانت اللغة الأجنبية الأولى التي تُرجم إليها رأس المال هي الروسية.

بعد الثورة، تحول ماركس في بلادنا تقريبا إلى إله، إلى أحد "القديسين السوفييت" على قدم المساواة مع لينين وستالين، وفي  أصغر البلدات الريفية، كان هناك دائما شارع باسم كارل ماركس ونصب تذكاري له، وباسمه تمت تسمية المكتبات والمصانع ومزارع الدولة والمسارح والمعاهد ... وتم تعليق صوره أو إقامة تماثيل نصفية له في معظم المؤسسات.

صحيح أن هذه كانت صورة بعيدة كل البعد عن حياة الإنسان العادي برغباته وعيوبه وشكوكه، وكما يقول الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي: «ماركس! يرتفع الشعر الأشيب في إطار الصورة إلى العينين، كم هي حياته بعيدة عن التصور! ويرى الناس رجلا شائخا باردا محاطًا بالرخام والجص».

 

- في المدرسة في العهد السوفيتي، درس الجميع "بيان ماركس للحزب الشيوعي" بتصريحاته حول الصراع الطبقي وحتمية الثورة الاشتراكية، فماذا نتذكر؟ ربما فقط العبارة الشهيرة عن شبح "يتجول في أوروبا" ...

- نعم، للوهلة الأولى، وحينها كانوا يحاولون الترويج لأعماله بأكبر قدر ممكن، ومع ذلك، ففي الوقت نفسه، تم حظر طبقة كاملة من آراء ماركس المبكرة في الاتحاد السوفيتي. على سبيل المثال، تلك الواردة في "مخطوطاته الاقتصادية والفلسفية لعام 1844"، التي في عام 1932 فقط تم نشرها بالكامل لأول مرة في أوروبا والاتحاد السوفيتي باللغة الألمانية، وقد تسبب هذا في حدوث انعطاف معين في تقييم ماركس وآرائه في أوروبا، وظهرت "الماركسية الجديدة"، ومنها نمت "الشيوعية الأوروبية" التي انتشرت في أوروبا الغربية في الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

باللغة الروسية، نُشرت "المخطوطات" لأول مرة فقط في عصر ذوبان الجليد في عهد خروشّوف، وقد استخدمت الطروحات الواردة في هذا العمل في النضال الأيديولوجي ضد "القفزات الصينية" لماو تسي تونغ، ثم صارت أعمال ماركس الأولى مطلوبة بشدة في أواخر الثمانينيات في موجة التغيرات السياسية، عندما كان المجتمع يبحث عن مخرج من مأزق نظام الحكم والإدارة، وأنا بدوري أيضا قرأتها في ذلك الحين، وبدا لي أن بعض الآفاق غير المسبوقة قد انفتحت ومنفذا إلى بُعد آخر قد انوجد.

لماذا كان ماركس الأول مثيرا لانطباع مدهش؟ هذا لأنه يقدم نفسه كإنساني وليس كمدافع عن الصراع الطبقي.

إن نظريته في أربعينيات القرن التاسع عشر يمكن صياغتها على النحو التالي: جوهر الملكية الخاصة هو العمل المغترب، حيث يُجبر الإنسان على العمل لسبب واحد فقط، وهو كسب المال من أجل معيشته هو وعائلته، وليس من أجل تنميته الذاتية، وليس من أجل الإبداع، وليس من أجل المتعة، ولكن لتلبية احتياجاته البدائية، وبهذا المعنى، يكون الإنسان عبدا للقوى الاقتصادية الخارجية. لقد اعتقد ماركس أنه من الضروري تحرير الإنسان من اضطهاد علاقات الإنتاج.

كيف يتم فعل ذلك؟ بإخراجه من عملية الإنتاج، عندما يتم استبدال العمل البشري بآليات، لكنها لن تكون في ملكية خاصة، بل ستكون تحت تصرف المجتمع، ولن تكون هناك ملكية خاصة على الإطلاق، بل ستختفي من تلقاء نفسها، ولكن من أجل هذا، يجب أن تأتي اللحظة التي تصنع فيها القوى الاقتصادية الوفرة والازدهار في المجتمع ولن يحتاج الإنسان إلى العمل من أجل الكسب.

وعندئذ، ليس بالإكراه، ولكن بمحض إرادته، سوف يشارك الإنسان في تلك الأنشطة حيث يمكنه إظهار قدراته الإبداعية لصالح المجتمع، ويُستبدل عالم الضرورة بعصر الحرية. لقد اعتقد ماركس أن الناس لديهم العقل الكافي إلى درجة أنهم سيستخدمون هذه الحرية لصالح المجتمع، وسيكون تطور كل منهم شرطًا للتطور الحر للجميع.

لن يكون هناك مال، ولن يكون هناك ممتلكات، ولن يكون هناك تبادل للسلع، وسيوفر المجتمع للإنسان كل ما يحتاجه.

 

- أليست هذه يوتوبيا؟

-  ماركس لم يعتبرها يوتوبيا، لقد كان على يقين من أن لدى الإنسان حدود لاحتياجاته، كما كان يعتقد أن القيود الخارجية فقط هي التي تعرقل سعادة الإنسان، وهذا ما كان هذا نقصا خطيرا في تعاليمه. لقد أشار سيغموند فرويد، على سبيل المثال، إلى أن سلوك الإنسان تتحكم فيه رغباته الداخلية، وشهواته، ومخاوفه المكبوتة، وغرائزه الجنسية، لكن بالنسبة لماركس، مثل هذه المشكلة لم تكن موجودة على الإطلاق...

لنفترض أن حقبة تحل فيها الآليات محل الناس ستأتي فعلا، فهل سيتمكن الإنسان من استخدام وقت فراغه ووفرة المواد لديه بشكل لائق؟ تشهد حياة الريعيين المعاصرين، وسلوك "الشباب الذهبي"، أن الكسل يؤدي غالبا إلى التدهور، وللأسف، قلة من الناس في ظروف الوفرة قادرون على تحسين الذات والإبداع والبحث العلمي، ولذا يعتقد إريك فروم أن ماركس كان مخطئا في اعتقاده أن الإنسان كائن عقلاني.

 

- وماذا كانت الفكرة الأساسية لـ "رأس المال"، العمل الرئيس لكارل ماركس؟

 - ببساطة، أن يظهر للعمال أن الرأسمالي ليس فاعل خير، بل مستغل يأخذ ما ينتجه العامل، ونتيجة لذلك، يكون هناك توزيع متفاوت وغير عادل للدخل.

وفي الحقيقة، "رأس المال"عمل صعب للغاية، وقليل من الناس يستطيعون التغلب على صعوبته وفهمه، وكان هذا الكتاب مخصصا في المقام الأول للمفكرين، وقد انطلق ماركس من فرضية أنهم هم الذين يجب أن يقودوا العمال، فالعمال أنفسهم لا يدركون مصالحهم واحتياجاتهم، وبالمناسبة، أخذ لينين هذه الفكرة بوضوح شديد على أنها تعني أنه يجب رئاستهم!

إن أكثر ما يثير في الأمر هو أن كتاب رأس المال، الذي نُشر في ألمانيا عام 1867، لم يُحظر في روسيا القيصرية، حيث نُشر لأول مرة باللغة الروسية بعد ذلك بخمس سنوات، ولم تدرك السلطات لفترة طويلة خطورة هذا الكتاب، وبالمناسبة، هناك مفارقة: في مكتبة متحفنا إصدارات ما قبل الثورة الموجودة من رأس المال هي أكثر من إصدارات ما بعد الثورة، وفي العهد السوفيتي، ظهر الإصدار الأول فقط في عام 1929.

أما لماذا أثار الكتاب في روسيا بالضبط هذا الاهتمام بين الجمهور القارئ؟ فهناك سببان:

بالنسبة لأولئك غير الراضين، بدرجة ما، عن البقايا الإقطاعية التي كانت موجودة في روسيا، تحدثت أفكار ماركس عن المجيء الحتمي للمجتمع الرأسمالي، وليس غريبا أن الماركسيين القانونيين أكدوا أن الرأسمالية الغربية هي حضارة يجب أن تتطلع إليها روسيا، وأشاروا إلى أنهم بفضل ماركس بالضبط اكتسبوا الثقة بأن روسيا سوف تتعلم من الغرب وتتغلب على التخلف.

وبالنسبة للثوار، برهنت تعاليم ماركس بشكل علمي أن البلاد ستتغلب على الرأسمالية وستصل إلى مجتمع أكثر كمالا، ولهذا كان من الضروري تطبيق الأساليب الثورية.

 

- يمكننا أن نسمع في كثير من الأحيان أنه في الاتحاد السوفياتي لم يكن هناك اشتراكية حقيقية وفقًا لماركس، وأن تعاليمه كانت محرفة، وأن أفكاره كانت مشوهة...

 -  في إحدى رسائل ماركس إلى إنجلز، هناك عبارة بخصوص تفسير تعاليمه خلال حياته تقول: «إنني أعرف شيئا واحدا فقط، وهو أنني لست ماركسيا»! وهنا مفارقة أخرى، فهناك "اثنان من ماركس"، أحدهما فيلسوف يشرح العالم، وإنساني يحتج على استعباد الإنسان بالظروف الاقتصادية الخارجية، أما الآخر فهو ثوري يريد تغيير العالم.

كفيلسوف، أدرك ماركس، أن العالم يقوم بشكل غير عادل، ولكن كيف يمكنه الانتظار حتى تستنفد الرأسمالية نفسها؟ بالطبع، أراد ماركس أن يفعل شيئا في الوقت الحالي، وفكر أين توجد الرافعة التي يمكنها أن تغير المجتمع، ورأى مخرجا في الثورة وفي الطبقة العاملة التي ستنفذها، ولماذا العمال؟ هذا لأنهم الجزء الأكثر حرمانا من السكان، وقد رفض ماركس الفلاحين، فهم برأيه "رجعيون" لأنهم لديهم ملكية.

بالنسبة لتفسير لينين للماركسية... لم يعجب لينين بفكرة ماركس أن الرأسمالية يجب أن تبلغ ذروتها، ولينين لم يرغب في الانتظار أيضا، فطرح مفهوم الوضع الثوري، الذي تستولي فيه طليعة الطبقة العاملة، أي الحزب الثوري، على السلطة، فيما لم يكن لدى ماركس مثل هذا الموقف.

من وجهة نظر ماركس، من المستحيل بناء الاشتراكية في بلد متخلف اقتصاديا، والرأسمالية نفسها هي من يصنع المتطلبات المسبقة الموضوعية للانتقال إلى التشكيل الجديد، لكن لينين فكر بشكل مختلف: سوف نستولي على السلطة، وبعد ذلك سننشئ المتطلبات الأساسية.

بالنسبة لماركس، كانت الثورة في بلد واحد مستحيلة، وفكرة مثل هذه الثورة روجها ونفذها لينين، فيما انطلق ماركس وبليخانوف من فرضية أن الثورات ستنتصر في وقت واحد في البلدان المتقدمة والمتطورة اقتصاديا، وصحيح أن لينين آمن أيضا بثورة عالمية، لكنه آمن بأن روسيا ستصبح "حطبا" لنيران العالم.

لقد فهم لينين ورفاقه بشكل حرفي كلمات ماركس حول القضاء على الملكية الخاصة، وأن ذلك يعني انتزاعها من "البرجوازية" وإعطاءها للدولة، أما ماركس فقد كان متأكدا من أن الملكية الخاصة لن تختفي نتيجة لأعمال العنف، ولكن نتيجة للتطور الاقتصادي الطبيعي، وحذر من أنه إذا تم انتزاعها من البرجوازية وتسليمها إلى الدولة، فلن يختفي الاستغلال، وفي نفس "المخطوطات الاقتصادية الفلسفية"، حذر من أن القضاء المبكر على الملكية الخاصة سيؤدي إلى شيوعية الثكنات ذات المساواة الفظة.

 

- إذن، وعلى أية حال، صمدت تعاليم ماركس بطريقة ما أمام اختبار الزمن، ولكن فقط أصبحت الرأسمالية عنيدة...

- كانت تعاليم ماركس نتاج العصر الصناعي، وفي البداية جذبت الكثيرين بانتقادها للرأسمالية وإجاباتها، التي بدت للوهلة الأولى أنها المفتاح لحل جميع مشاكل ذلك المجتمع.

انطلق ماركس من فكرة أنه من المستحيل تحسين الوضع المادي في ظل الظروف الرأسمالية، لكن في الواقع، نجحت في ألمانيا في ثمانينيات القرن التاسع عشر إصلاحات بسمارك، التي أطلقوا عليها اسم "اشتراكية الدولة وقد قدم بسمارك لأول مرة معاشا عاما للشيخوخة لجميع العمال، أي أن الدول، بغض النظر عن تعاليم ماركس، ذهبت إلى الإصلاحات الاجتماعية.

وبالمناسبة، بعد وفاة ماركس، لاحظ إنجلز أنهما ربما كانا مخطئين في توقع الانهيار الوشيك للرأسمالية وقيام الثورة، وأنه من المحتمل أن الطبقة العاملة، في الوضع الحالي، يمكنها تحسين حياتها بشكل كبير، فيما كان ماركس نفسه يؤمن بالثورة حتى نهاية أيامه، وبالنسبة له، كانت كومونة باريس هي نذير المستقبل.

بعد وقت قصير من وفاة ماركس، بدأ أتباعه في التخلي عن أفكاره غير المبررة، وهكذا، في نهاية القرن التاسع عشر، دعا العضو النشط في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الألماني، إدوارد برنشتاين، وهو، بالمناسبة، صديق فريدريك إنجلز، إلى مراجعة الافتراضات الأساسية لماركس، وكان أول من شكك في علمية تعاليم ماركس.

وقد رفض برنشتاين تأكيد ماركس أن الرأسمالية غير قادرة على التطور والتحسن وأنها ستواجه حتما انقلابا عنيفًا، وأكد أن انهيار الرأسمالية ليس حقيقة مثبتة علميا، ولكنه موضوع إيمان، ولذلك، فالاشتراكية هي مجرد مثال أخلاقي تم اختياره بشكل عقلاني وفقًا لـ "الضرورة الأخلاقية" لكانط، وليست مجتمعا مستقبليا قائما على أسس علمية وحتميا تاريخيا.

وابتداء من برنشتاين بدأت عملية تخلي الاشتراكيين الغربيين عن هذا البعض أو غيره من أحكام تعاليم ماركس ...

وفي روسيا، "استوعب" العديد ممن كانوا مفتونين في البداية بالجانب الثوري لماركس تعاليمه ومضوا قدما، ومنهم على سبيل المثال، الفلاسفة الدينيون الروس نيكولاي بيردياييف، وسيرجي بولجاكوف، وسيميون فرانك.

في وقت لاحق، كشف التطبيق العملي للعديد من وصفات ماركس عن فشلها، على سبيل المثال، فرضية التضامن الدولي للعمال، فقد أثبتت الحربان العالميتان في القرن العشرين أن شعار "البروليتاريون ليس لديهم وطنهم"، أي فكرة أن لديهم مصالح مشتركة، هو شعار لا يمكن الدفاع عنه، وعندما بدأت الحرب الوطنية العظمى، كان سوفيتيون كثيرون يتوهمون أن العمال الألمان لن يقفوا ضد إخوانهم الطبقيين من الاتحاد السوفيتي، وسوف ينتفضون ضد هتلر، لكن هذا لم يحدث.

وثمة مثال آخر، حيث اعتقد ماركس أن الثورات هي قاطرة التاريخ، وقد اتضح عكس ذلك، فغالبا ما تعيد الثورات المجتمع إلى الوراء، ويتم استبدال بعض الظالمين بآخرين ...

 

- هل ما يزال الاهتمام بالماركسية اليوم قائما؟

- إنه موجود ولكنه نسبي للغاية. نعم، يدرس طلاب الاقتصاد رأس المال، ولكن ليس على الإطلاق لتطبيق أحكامه في الممارسة، بل لأن ماركس احتل مكانا معينا في تاريخ الفلسفة والاقتصاد، وعدم معرفة آرائه هو ببساطة أمر غير احترافي ...

والماركسيون عمليا ليس لديهم في أي مكان أي تأثير جاد ليؤثروا على سياسة الدولة، فالاشتراكيون الديمقراطيون الألمان  ليس لديهم علاقة بماركس، وفي في فرنسا، حدث "اندفاعة" الماركسية الأخيرة في عهد الرئيس فرانسوا ميتران، عندما دخل الشيوعيون الحكومة، والآن، يغازل الاشتراكيون الديموقراطيون الفرنسيون تعاليم ماركس، لكن ليس أكثر من ذلك، وحتى الصين لا علاقة لها بالماركسية، سواء من وجهة نظر الشيوعيين الأصوليين أو معارضيهم.

ولا تزال أنواع مختلفة من الماركسية تحظى بشعبية لدى جماهير محددة نوعا ما، كالتروتسكيين والماويين وغيرهم من الراديكاليين اليساريين، ولكنهم ليس لديهم أي تأثير جدي على التطور السياسي.

وبرأيي، اليوم، في عصر ما بعد المعلومات، تعتبر تعاليم ماركس "مفارقة تاريخية" (anachronism صحيح أن المعجبين به يؤكدون بأن التناقضات بين العمل ورأس المال لا تزال قائمة في روسيا الرأسمالية ما بعد السوفييتية، ومع ذلك، هذا تأكيد تخميني، ففي المجتمع الحديث، هناك من الموظفين المكتبيين والمبرمجين والعاملين لحسابهم الخاص أكثر من العمال الكادحين بمرات عديدة؛ ومن مثلا يستغل عامل متحف وكيف يحسب فائض القيمة في راتبه؟ ولمْ تصبح وسائل الإنتاج هي القيمة الرئيسة في الإنتاج، بل هذا ما أصبحته الملكية الفكرية، التقنيات التي لا يمكن ببساطة إضفاء الطابع الاجتماعي عليها.

 

- في العهد السوفياتي، كان ماركس، من بين أمور أخرى، مثالاً يحتذى به كشخص يتمتع بصفات أخلاقية عالية...

-  وماذا إذن عن قوله الشهير: "كل ما هو بشري ليس غريبا عني"؟ هكذا قال، مجيبا عن أحد أسئلة استبيان الاعتراف في عام 1865، عندما كان يبلغ من العمر سبعة وأربعين عاما.

في الواقع، حياته كلها هي تأكيد لهذه المقولة، فقد كان شخصا شغوفا، ولعب في البورصة، وكان غير متسامح مع الرأي المختلف، ولا يمكن التوفيق بينه وبين معارضيه، ولا يضبط نفسه حتى مع مؤيديه، وقد تجاوز الحدود الأخلاقية، فعلى سبيل المثال، اتهم باكونين بأنه عميل للاستبداد القيصري، وتهكم على غيرتسين؛ وقد أطلق عليه الناقد الأدبي بافيل أنينكوف في مذكراته "عقد رائع، 1838-1848" لقب" ديكتاتور ديمقراطي."

وبشكل عام، لكي نكون صادقين، فقد اعترف كارل ماركس في استبيانه بأنه كان رجلا يعاني من العديد من نقاط الضعف، وقد كان كذلك، فعلى سبيل المثال، لم يعتبر أنه من المعيب العيش على حساب الآخرين، وهناك رسائل منشورة من والده موجهة إلى ماركس الطالب يرِد فيها: يقولون إنك تتلقى مني أموالا لا يتلقاها حتى أبناء الآباء الأغنياء؛ ولم يكن الأب يعلم أن ماركس الشاب يحب الحانات واللهو، ثم عاش هذا المفكر على ميراث زوجته ووالديه. نعم، هو حصل على عائدات، لكن آرائه في ذلك الوقت كانت هامشية، ولم يتم نشرها بشكل مميز، ولم يتقاض أجرا كبيرا، وكان من المستحيل العيش على هذا المال ...

هناك فكرة أن ماركس كان دائما فقيرا. لا شيء من هذا القبيل! فلفترة طويلة عاش في رخاء، وقد بدأت الصعوبات عام 1848، بعد هزيمة الثورات في أوروبا، لكن ماركس نفسه كان هو المسؤول عن وضعه المالي الصعب، وقد تبين أنه من السهل جدا عليه صرف الأموال التي كانت لديه، وقد تعجب أصدقاؤه من إسرافه.

وفيما يلي بعض الاقتباسات الأكثر إثارة للاهتمام من استبيان اعتراف ماركس: "السمة التي تقدرها أكثر في الناس: البساطة. السمة التي تقدرها أكثر في الرجل: القوة. السمة التي تقدرها أكثر في المرأة: الضعف. فكرتك عن السعادة: الكفاح. فكرتك عن التعاسة: الاستسلام.عيب من المرجح أن تبرره: السذاجة. شعارك المفضل:"شك في كل شيء"، أما بالنسبة للأطروحة الأخيرة، فقد اعتقد ماركس نفسه أن تعاليمه لم تكن الحقيقة المطلقة.

كيف تقيم شخصيته اليوم؟ عبقري؟ لكن أفكاره، على الرغم من أنها أثرت في تطور البشرية، فهي لم تحقق هدفها. عملاق فكر؟ نعم، يمكننا أن نتفق مع هذا، لكن على الرغم من أن ملايين المواطنين في الاتحاد السوفيتي قرأوا أعماله، فمن الذي فهم ماركس حقًا؟ إنهم أفراد! وهنا من الممكن أن نتذكر سطور سيرجي يسينين، في النسخة المسودة من قصيدته "عاصفة ثلجية" حيث كتب: "أديري أيتها الأيام غزلك القديم، فلا يمكنك إعادة بناء روح حية إلى الأبد. أفتعرفين، لهذا السبب لا يمكنني التوافق مع ماركس، إنه غريب بالنسبة لي، وشخص ممل ."...

*

سيرجي غليزيروف (Sergei Glezerov) هو كاتب وصحفي روسي، ولد في لينينغراد عام 1974، وتخرج  كمتخصص في التاريخ في عام 1996 من أكاديمية سانت بطرسبرغ للثقافة، وحصل فيها على الدكتوراه عام 2001؛ ألف العديد من الكتب، وحصلت أعماله على العديد من الجوائز؛ وهو عضو في مجلس إدارة اتحاد سان بطرسبرج للمؤرخين المحليين، وعضو في المجلس العام في متحف الدولة التذكاري لدفاع وحصار لينينغراد؛ وقد نشر هذه المقابلة في 16 مايو 2018 على موقع "بيانات سان بطرسبرج" بمناسبة الذكرى 200 لميلاد كارل ماركس، وعنوانها بالروسية هو "إثنان من كارل ماركس.. في ذكرى ملهم الاشتراكية".

*

المقال منشور أيضا على "الحوار المتمدن" وعلى "موقع تلغراف"

*