فهرس المحتويات

الجمعة، 18 نوفمبر 2022

الديمقراطية والتكنوقراطية بين التكامل والتناقض

 الديمقراطية والتكنوقراطية بين التكامل والتناقض

 رسلان عامر

 

 

1- مقدمة:

مصطلح "تكنوقراطية" هو من المصطلحات التي بتنا نسمعها أو نصادفها كثيرا في الآونة الأخيرة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي العربية المختلفة، وهذا يرتبط بدرجة كبيرة بحراكات الربيع العربي التي حركت بقوة عجلات النشاط السياسي وفتحت بشكل واسع أبواب التغيير في المنطقة العربية، وإن كانت لم تحقق بعد الغايات المأمولة منها، ولكن انتشار هذا المصطلح لا يرتبط عربيا بعوامل عربية محلية بشكل حصري، فهو أيضا ينتشر على نطاق عالمي، وهناك أسباب جوهرية وراء هذا الانتشار، وهي تتعلق بشكل رئيس بوضع الديمقراطية في معاقلها الرئيسة في الغرب المعاصر، وبالعلاقة بينها وبين التكنوقراطية فيه اليوم.

وعلى الصعيد العربي، حيث تطرح اليوم بشكل جدي مشاريع التغيير السياسي الاجتماعي وبناء الدولة العربية الحديثة، وتتصدر الديمقراطية قائمة الخيارات المطروحة، يصبح من الهام جدا توضيح مفهوم التكنوقراطية وتحديد العلاقة بين الديمقراطية والتكنوقراطية، ولاسيما أن التكنوقراطية باتت تطرح اليوم بشكل جدي كبديل للديمقراطية حتى في الغرب الديمقراطي نفسه.

 

2- ماذا تعني "التكنوقراطية"؟

مصطلح "تكنوقراطية" (Technocracy) هو كلمة حديثة مركبة ومشتقة من كلمتين يونانيتين قديمتين، هما  "tekhne" وتعني "مهارة"، و"kratos" وتعني "سلطة"([1])، وتعود بدايات استخدام هذا المصطلح إلى المهندس الأمريكي فريديريك تايلور(Fredrick Taylor)، الذي عاش بين عامي 1856-1915م.، والذي استعمل هذا المصطلح عند طرح مقدمته لمفهوم علم الإدارة العلميّة([2])، وقد أخذ هذا المصطلح بالانتشار بعد أن استخدمه المهندس الأمريكي هنري سميث (Henry Smyth) في مقاله المعنون بـ"الطرق والوسائل لكسب الديمقراطية الصناعية"، الذي نشر في عام 1919، وتحدث فيه عن إمكانية دمج العمال في عملية صنع القرار عبر الشركات القائمة التي يعملون فيها([3]).

أما معنى مصطلح "تكنوقراطية" فهو يعني أن تتم عملية الحكم في المجتمعات على أساس الكفاءة أو المهارة الحرفيتين التخصصيتين، وأن يقوم بالحكم الأشخاص المختصين المحترفين، وبذلك يصبح معنى "تكنوقراطية" هو "حكم المختصين"، وبدقة أكثر "حكم الخبراء المختصين"، وعن ذلك تقول"الموسوعة السياسية": «الحكومة التكنوقراطية مختلفة عن الحكومة الديمقراطية التقليدية في اختيار الأفراد المنتخبين لدور قيادي من خلال عملية تؤكد على مهاراتهم ذات الصلة وأدائهم المثبت، في مقابل ما إذا كانوا يملكون أصوات الأغلبية للسكان أم لا»([4]).

 

3-التباس مفهوم التكنوقراطية:

في كثير من الأحيان قد يُعتقد أن التكنوقراطية هي فقط ذلك الحل الذي يتم اللجوء إليه في الأزمات السياسية، التي تفشل فيها الأحزاب والكتل السياسية في الاتفاق على تشكيل حكومة تتناسب مع نسبة تمثيل هذه الأحزاب في البرلمانات، فيتم عندها تشكيل حكومة محايدة حزبيا وعلى أسس تخصصية محضة لتجاوز حالة الخلاف المستعصية بين الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة، وهذا ما يحدث عادة في الأنظمة الديمقراطية المتقدمة المعاصرة، والتي تحذو حذوها التجارب الديمقراطية الأخرى في العالم.

لكن هذا فعليا مجرد آلية تكنوقراطية يتم استخدامها في الديمقراطية، وتوكل إلى التكنوقراط فيها مهمة الحكم بموجب النظام الديمقراطي القائم وعلى أساس الدستور الديمقراطي النافذ.

أما التكنوقراطية ككل، فهي ليست مجرد مخرج لحالة الخلاف الحاد بين القوى السياسية، بل هي فعليا حالة استبدال لنظام القوى السياسية ككل، أي للديمقراطية نفسها، وبدلا من أن يقوم الشعب بنفسه بالحكم كما هو الحال وفقا لمبدأ الديمقراطية في الحكم، يصبح مبدأ الحكم هنا هو الكفاءة التخصصية، فيحكم من لديه مثل هذه الكفاءة، وليس من يريده الناس لأنهم يرونه الأنسب للحكم أو للعمل من أجل مصالحهم.

وبالتالي فخلاصة الكلام هنا هي أن التكنوقراطية تعتبر بديلا كليا وجذريا للديمقراطية، وليس أسلوبا من أسلوبها.

 

4-لماذا التكنوقراطية؟

هذا السؤال يشبه السؤال "لماذا الديمقراطية؟"، ومن حيث المبدأ، وبما أن الجواب على سؤال "لماذا الديمقراطية؟" هو لأن الديمقراطية هي أفضل الأنظمة، كما هو مفترض بها أن تكون، فالطرح التكنوقراطي يقوم على فكرة دحض الطرح الديمقراطي، واعتبار أن الديمقراطية ليست أفضل الأنظمة الممكنة، وأنها ليست نظاما ناجحا بما يكفي، ولذا يجب استبدالها بنظام أفضل منها هو "التكنوقراطية"، وهذا الطرح التكنوقراطي بالطبع ليس مجرد طرح نظري أو تصوري، فله مقوماته ومبراراته الواقعية التي يقوم عليها.

فما هي المبررات التي يقدمها أنصار التكنوقراطية؟

المبرر الأول هو المبرر المعرفي، الذي يُرى فيه أن عملية الحكم مثل أية مسألة حساسة أخرى يجب أن يقوم بها أشخاص ذوو معرفة تخصصية كافية وعلى أسس تخصصية بحتة، وبالتالي فهي تحتاج إلى أناس تخصصيين يعرفون جيدا ما يفعلون، وليس إلى سياسيين يفتقرون إلى مثل هذه المعرفة، فإدارة اقتصاد البلاد مثلا تحتاج إلى اقتصاديين كفوئين، وليس إلى سياسيين ليس لديهم المعرفة الاقتصادية الكافية، وهكذا دواليك، وبهذا الشأن تقول موسوعة "المعرفة" عن التكنوقراطية: «على وجه التخصيص، يشير المصطلح إلى مذهب معين من المذاهب الاقتصادية ـ الاجتماعية يقول إنَّ النظام الصالح للعصر الذي انتشرت فيه التقنية، هو نظام الحكم التكنوقراطي الذي يجب أن يقوم عليه فنّيون من علماء ومهندسين، واقتصاديين وصناعيين، وما شابه ذلك من ذوي المعرفة والخبرة والاختصاص»([5]).

أما المبرر الثاني فهو المبرر السياسي، وهو يقوم على فكرة أن الديمقراطية فشلت على أرض الواقع في أن تكون الأسلوب الناجح الذي ينتج نظام الحكم الأفضل الذي يضمن حقوق الناس ويلبي حاجاتهم، ومن الأدلة على فشل الديمقراطية، وهي بصورتها الحديثة ديمقراطية تمثيلية، يلعب فيها الانتخاب واختيار ممثلي الشعب دورا أساسيا، قلة نسب المشاركين في الانتخابات حتى في الدول المتقدمة، وانخفاض دعم وتأييد المواطنين بشكل كبير للمؤسسات والشخصيات السياسية([6])، وفقدان الثقة بالأحزاب والشخصيات السياسية([7])، ويمكن أن يضاف إلى ذلك أيضا سطحية وجهوية وسائط الإعلام التي تلعب دورا كبيرا في تكوين الرأي العام، والتي يسيطر عليها رأس المال ويوجهها بما يخدم مصالحه من جهة، وانغماس هذه الوسائط - من جهة ثانية- في ثقافة الاستهلاك التي تهيمن على المجتمعات، وتخلق حالة من التسطح المعرفي، الذي يفقد الناس القدرة على المساهمة الفاعلة في العملية الديمقراطية، هذا إضافة إلى التفاوت الطبقي الحاد واتساع نطاق سوء الوضع المعيشى، وبقاء الكثير من المسائل المتعلقة بالهوية والانتماء بدون حل صحي، وعودة العنصرية والتطرف إلى التنامي، وسوى ذلك من المشاكل المأزومة الجدية.

 وبالطبع هناك أنصار للديمقراطية يدافعون عنها ويؤمنون بإمكانية إصلاحها عبر إصلاح عملية التمثيل والانتخاب نفسها وجعلها أكثر فاعلية وكفاءة، ولكن بالمقابل هناك من يريد استبدال الديمقراطية ككل ببدائل يراها أفضل، والتكنوقراطية هي اليوم أكثر البدائل طرحا، ولكنها ليست الطرح الوحيد، ففي الغرب مثلا هناك أيضا أطروحة "الإبستقراطية" (Epistocracy) أي "حكم العارفين" والتي يمكن القول أنها بخلاف التكنوقراطية تركز على المعرفة والكفاءة السياسية العامتين عند الناخبين وصانعي القرار والمختارين للحكم، وليس على الكفاءة التخصصية المحددة الميدان وحسب كما تفعل التكنوقراطية، وفي دول أخرى، ومن بينها بعض بلدان شرق أوروبا، تطرح بدائل أخرى مثل "الديمقراطية اللاليبرالية" (Illiberal Democracy، التي لا تشترط المطابقة بين الديمقراطية والليبرالية كما هو الحال في الديمقراطية الغربية التي لا تنفصل فيها الديمقراطية عن الليبرالية، وتندمجان في منظومة واحدة متكاملة يطلق عليها تسمية "الديمقراطية الليبرالية"، فيما تقبل الديمقراطية اللاليبرالية بشكل من أشكال السلطة الشعبية التي يوضع فيها القرار بيد الشعب حتى وإن اقترن ذلك بوجود قدر من القيود على الحريات؛ وهناك "الأوتوقراطية الليبرالية" (Liberal Autocracy)، وهي بعكس سابقتها تقبل بوجود حكم فردي أو حكم زمروي، وتتنازل عن حكم الشعب، ولكنها لا تتنازل عن الحريات؛ وهناك أيضا "السلطوية الانتخابية" (Electoral Authoritarianism)، التي تقبل بحاكم منتخب وتعطيه صلاحيات واسعة يستطيع فيها وضع القيود التي يراها مناسبة على نطاق الحريات، وهي تشبه بذلك الديمقراطية اللاليبرالية؛ وهناك بدائل غير ذلك أيضا.

 

5-اعتراضات على أطروحة التكنوقراطية:

التكنوقراطية التي ينتقد أصحابها الديمقراطية، ويعتبرونها نظام حكم غير ناجح، أو لم يعد ناجحا بما يكفي، هي بدورها تتعرض للانتقادات مختلفة، سواء من قبل المدافعين عن الديمقراطية، أو من قبل أصحاب المشاريع الأخرى كالأبستقراطيين وسواهم.

ومن أشد الانتقادات التي يتعرض لها التكنوقراط، هو أنه كادر ذو طبيعة وظيفية، ويعمل وفقا لمنهجية عملية محضة، ولا يعطي اعتبارات للعوامل الإنسانية، فمثلا الحل التكنوقراطي في مؤسسة تعاني من مشاكل اقتصادية، يمكن أن يكون تسريح عدد كبير من العمال، أو تقليص الرواتب أو تقليص الضمانات الاجتماعية، فالتركيز هنا يتم على العائد الاقتصادي وتحقيق وفر في مالية المؤسسة عبر اختصار النفقات، حتى وإن تسبب ذلك بإفقاد عدد كبير من العمال لمصدر دخلهم، أو تسبب بتراجع مستويات معيشتهم، أما في الديمقراطية فيفترض أن القرارات يتخذها السياسي المنتخب من قبل الشعب والمسؤول أمام الشعب، والذي يفترض في قرارته أن تستجيب لإرادات الناس وتلبي حاجاتهم الإنسانية.

وعن هذه المشكلة تقول موسوعة المعرفة: «يؤخذ على التكنوقراطيين أنهم قد يصبحون مع العادة مجرد موظفين تحركهم الأرقام، ولكن يفتقرون إلى الواقعية، وينساقون وراء المعطيات الرياضية، فيتحاشون المسؤولية، وبذلك ينقلبون من رواد للسلطة إلى مجرد مأمورين للسلطة القائمة. لهذا كثر ما سيقت صفة "تكنوقراط" في معرض الكتابة أو الكلام في سياق اللمز»([8]).

ومن الاعتراضات الأخرى التي يمكننا إضافتها ضد التكنوقراطية، هي أن النجاح على مستوى قطاع تخصصي محدد، لا يعني حكما النجاح على مستوى المجتمع ككل، الذي يشكل بنية فضفاضة شديدة التعقيد، تتداخل فيها جميع الميادين التخصصية وتؤثر ببعضها البعض، وهي بنفس الوقت لا تتأطر فقط في حدود هذه الميادين التخصصية، وبذلك تنشأ الحاجة إلى أشخاص يمتلكون المعرفة الكافية ذات الطابع المجتمعي الإنساني الشامل الذي لا يتأطر بحدود تخصصية محضة محددة كما هو الحال في التكنوقراطية، وهذا ما يلتقي مع وجهة نظر الأبستقراطية، الذي يعبر عنها بإيجاز، ديفيد رونسيمان (David Runciman)   أستاذ السياسة في جامعة كامبريدج، الذي يقول: «إن التكنوقراطية ليست في الحقيقة بديلاً للديمقراطية، مثل الشعبوية، وهي ليست أكثر من مجرد وظيفة إضافية. ما يجعل الإبستقراطية مختلفة هو أنها تعطي الأولوية للقرار "الصحيح" على القرار الصحيح تقنيًا. إنها تحاول معرفة ما يجب أن نذهب إليه، فيما يمكن للتكنوقراط أن يخبرنا فقط كيف يجب أن نصل إلى هناك»([9]).

 

6-التكنوقراطية في التجارب الدولية الحديثة:

لا يوجد حتى الآن في العالم كله نظام حكم يمكن القول عنه أنه "نظام تكنوقراطي تام"، كما يمكن القول عن نظام ما أنه اشتراكي أو جمهوري أو ملكي مثلا، ولكن هناك  تجارب مختلفة، بل وشديدة الاختلاف أيضا، طبقت فيها آليات تكنوقراطية بدرجات وأشكال مختلفة في دول مختلفة، ومنها سنغافورة وماليزيا والصين، وأوكرانيا، وبعض دول الاتحاد الأوروبي كايطاليا وإسبانيا واليونان، وسوى ذلك، وقد جاءت النتائج متخلفة، وتباينت فيها درجات النجاح أحيانا، فيما كانت النتيجة هي الفشل في أحيان أخرى.

في سنغافورة نظام الحكم هو جمهوري برلماني، وهي اليوم أحد المراكز المالية والتجارية الكبرى في العالم، وقد احتلت المرتبة 11 عالميا على مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة لعام 2019([10])، وهي تعتبر من أكثر الدول تطبيقا للتكنوقراطية، وعن هذا يقول الدكتور بلال ياسـين الكساسبـة أن الموظفين الحكوميين في سنغافورة «يمكنهم أن يمارسوا الإدارة العامة في شروط مثالية تشبه شروط المختبر»([11]).

التجربة الماليزية هي أيضا من التجارب الاقتصادية الرائدة آسيويا والمتميزة عالميا في العالم المعاصر، ونظام الحكم فيها ملكي دستوري فيدرالي، وهو يتميز بوجود "سلطة تكنوقراطية قوية تسمح للشعب بالمشاركة في عملية التنمية"([12]) كما يقول  الدكتور تيسير الرداوي.

الصين التي تشهد اليوم تطورات اقتصادية وصناعية كبرى تجعلها مؤهلة للمنافسة على المركز الاقتصادي الأول في عالمنا الراهن، تلعب التكنوقراطية في تجربتها دورا مهما أيضا برأي العديد من الباحثين المختلفين، ومن بينهم باحثين غربيين، رغم أن نظام الحكم فيها حزبي شمولي، والدليل على ذلك برأيهم هو أن أكثرية قيادة الحزب الشيوعي الصيني كانت حتى وقت قريب من المهندسين، وثم خلفتها قيادة متعددة الاختصاصات، وعن هذا يقول الدكتور المهندس محمد عبد الوهاب اسماعيل: «كان لجوء الحزب الشيوعى الصينى إلى اختيار قيادة متكاملة من المهندسين المتباينين في اختصاصاتهم هو العلاج السريع والحاسم لهذا البلد الضخم في عدد السكان للارتفاع بقدراته التصنيعية»([13])، وتجدر الإشارة إلى أنه حتى استلام الجيل الخامس من القادة الصينيين في عام 2012 كان ثمانية من قادة الحزب الشيوعي التسعة الكبار هم من الذين درسوا الهندسة أو العلوم الطبيعية، لكن الحال تغير مع الجيل الخامس، وقل عدد المهندسين في أعلى مستويات السلطة، وأصبح خريجوا السياسة والقانون والفلسفة التخصصات الإدارية والمالية هم من يتولى قيادة البلاد([14])([15]).

تلك هي بعض التجارب التكنوقراطية الناجحة في عالمنا المعاصر، لكن هذا لا يعني أن التكنوقراطية هي حل سحري حليفه دوما النجاح، فهناك تجارب أخرى كانت فاشلة أو كان لها عواقب سلبية، كما كان الحال في أوكرانيا، وبعض الدول الغربية.

ففي أوكرانيا -مثلا- تم في عام 2015 اعتماد حكومة تكنوقراط لإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية، لكنها فشلت في ذلك،

وسبب ذلك الفشل كما يفسره ساشا بوروفيك (Sasha Borovik)، الذي شارك في هذه الحكومة كنائب أول لوزير الاقتصاد هو عدم سماح السياسيين لخبراء كفوئين بالحكم، وقيامهم بدلا عن ذلك بتعيين خبراء ضعفاء، لكي يستمر أولئك السياسيون الذين يفتقدون الكفاءة والجرأة بالتحكم بعملية اتخاذ القرارات، فيما يتحمل مسؤوليتها أولئك الخبراء الضعاف، الذين يبدون في الواجهة  وكأنهم أصحابها([16]).

أما في الاتحاد الأوربي، فقد تم بعد وقوع أزمة عام 2008 تشكيل حكومات تكنوقراطية في كل من إيطاليا وإسبانيا واليونان للخروج من تلك الأزمة، ولكن هذا تسبب بأزمة جديدة نتجت عن سياسات التكنوقراطيين التي تسببت في محصلتها بتهميش الدور السياسي للمواطنين، كما يقول باتريك وود (Patrick M. Wood)، الباحث والخبير الاقتصادي التنموي الدولي([17]).

وكما نرى، فالتكنوقراطية  في التجارب التي تم الحديث عنها تطبق كآليات في ظل أنظمة سياسية مختلفة، منها ما هو جمهوري برلماني كسنغافورة، أو ملكي دستوري كماليزيا، أو حزبي شمولي كالصين، أو ديمقراطي ليبراليي كدول الاتحاد الأوروبي، أو جمهوري شبه رئاسي كأوكرانيا، وهذه الآليات تباينت في نتائجها بين النجاح والفشل.

 

7-القصور الذاتي في التكنوقراطية:

بناء على ما تقدم، يمكن القول أن ما تم من تجارب تكنوقراطية حتى الآن، لا تشكل بحد ذاتها نموذجا تكنوقراطيا قائما بحد ذاته، ولكنها عبارة عن إجراءات تتم في أطر أنظمة أخرى، وتقوم على أسسها، ففي الدول الغربية مثلا تتم الإجراءات التكنوقراطية وفقا لمعايير العمل السياسي المعتمدة في الديمقراطية الليبرالية الغربية، باستثناء تشكيل الحكومات على أساس التمثيل البرلماني للأحزاب والقوى السياسية، لكن حتى الحكومات التكنوقراطية في هذه الحالة تبقى ملزمة بنفس الضوابط والشروط التي تعمل بها الحكومات السياسية غير التكنوقراطية من التزام بالدستور وبالقوانين واحترام للعلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطتين الأخريين وهكذا دواليك؛ وإذا كان النظام شموليا -كما الحال في الصين-  فلن يختلف فيه وضع الحكومة التكنوقراطية عن الحكومة القائمة على معايير حزبية من حيث الخضوع لسلطة الحزب الحاكم والالتزام بمعايير الحكم والعمل السياسي والخطط والأهداف الموضوعة من قبل هذا الحزب، وهلم جرى، والأمر نفسه ينطبق على الأنظمة الأخرى التي تطبق فيها التكنوقراطية.

وهكذا تكون التكنوقراطية حتى الآن مجرد سياسة حكومية متبعة من قبل الأنظمة التي تطبق فيها، وليس نظاما قائما بحد ذاته، وهي في ذلك لا تختلف مثلا عن سياسة "اقتصاد السوق الاجتماعي" أو السياسة النيوليبرالية" من حيث كونها استراتيجية عمل سياسي في نظام سياسي وليس نظاما سياسيا بحد ذاته.

مع ذلك يبقى ممكنا نظريا القول بإمكانية وضع دستور جديد ومعايير حكم جديدة قائمة من الأساس على مفاهيم تكنوقراطية، ومختلفة عما هو الحال في الديمقراطية أو الشمولية، ولكن هنا يكمن جوهر المشكل الأساسي، فكما أن تطورات وتعقيدات المجتمعات الحديثة المعاصرة قد فرضت اللجوء أكثر إلى النخب التكنوقراطية لمواجهة مسائل معقدة تحتاج إلى خبراء مختصين، ولا يمكن لعامة الشعب أو السياسيين غير المختصين حلها، فتعقيدات المجتمعات الحديثة والحياة الإنسانية هي نفسها تضع أيضا حدودا لإمكانية عمل التكنوقراط، فالحياة الإنسانية أوسع وأعقد بكثير من أن تكون مجموعة من الميادين التخصصية، التي يمكن إيكالها إلى خبراء فيها، وهناك دوما مساحات كبيرة ومتجددة تتجاوز كل الأطر الأكاديمية والتخصصية، ولا يمكن لأي تكنوقراط أن يكون خبيرا فيها، وهنا تنشأ حاجة جوهرية إلى نوع مختلف من الكفاءة والمعرفة، ويصبح الأبستقراطيون على حق في طرحهم لمفهوم الحكم القائم على المعرفة اللازمة لحكم المجتمعات الإنسانية، وليس على الخبرات التخصصية المحددة، لكن هذا لا يعني أن الديمقراطية ليس لديها حلول في مواجهة هذه المشكلة، فالديمقراطية لديها مجالات واسعة يستطيع من خلالها الفلاسفة والمفكرين والسياسيين والمثقفين وعموم الناس المشاركة في عملية إيجاد الحلول، وهي تستطيع المكاملة بين هذه الأدوار وبين الكفاءات التكنوقراطية والأبستقراطية معا، وإنتاج نظام ديمقراطي أكثر تكاملا وتطورا وقادر دوما على تحقيق المزيد من التطور والتكامل.

 

8-ردات الفعل ضد التكنوقراطية:

في التسعينيات، وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي، بدا أن نظام "الديمقراطية الليبرالية" المطبق في الغرب والذي يقوم على أرضية رأسمالية قد أحرز نصره التاريخي النهائي، وبالأخص بعد هزيمة خصمه الأكبر المتمثل بالشيوعية، وذلك بعد أن هزم في وقت سابق منافسا كبيرا آخرا هو الفاشية، وقدر رأى العديد من المفكرين الغربيين، ومن أشهرهم عالم الاقتصاد والفيلسوف الأمريكي، البروفيسور فرانسيس فوكوياما في "كتابه نهاية التاريخ" الذي نشره عام 1992، أن هذا النظام هو أفضل ما أنتجه التطور البشري الاجتماعي، وأنه ليس بمقدور أي نظام آخر أن ينافسه، وأن العديد من الدول في مناطق مختلفة من العالم ستنتقل في المستقبل أكثر فأكثر.

لكن الواقع سرعان ما أثبت بطلان هذه النظرة المتفائلة، فبعد أقل من عقدين من كتابة فوكوياما لكتابه ذاك نشبت أزمة 2008 الخطيرة، التي هددت المنظومة الاقتصادية العالمية ككل، واستمرت تداعياتها لسنوات طويلة بعد ذلك، وما تزال بعض آثارها مستمرة حتى اليوم، وهذا ما دفع العديد من المفكرين والكتاب إلى الحديث عن سقوط الرأسمالية ، ومنهم محرر الصفحة الاقتصادية في مجلة دير شبيغل الألمانية أولريش شيفر، الذي نشر كتابا بعنوان "انهيار الرأسمالية" حول تلك الأزمة وتداعياتها.

وبالطبع لا يصعب القول أن تلك الأزمة المرتبطة بشكل جوهري بطبيعة الرأسمالية كان لها انعكاسات سيئة كبيرة على مستوى حياة العديد من الناس، في وقت لم تأت فيه الإجراءات المتخذة لمواجهة الأزمة لمصلحة عامة الناس المتضررين من هذه الأزمة، بقدر ما أتت لصالح السوق وعالم رأس المال المتسببين أصلا بهذه الأزمة، حيث صرفت الحكومات الغربية مبالغ هائلة لدعم الأسواق، في وقت كان يفترض فيه بهذه المبالغ المجموعة من جيوب دافعي الضرائب أن تصرف على مصلحة عامة الناس وتحقيق شيء من العدالة الاجتماعية في مسألة إعادة توزيع الثروة.

وفي وقت صارت فيه الحكومات، مع التعقيدات التي وصل إليها العالم الحديث بسبب التطور التكنولوجي والانفتاح العالمي،  تعتمد أكثر فأكثر على مؤسسات ونخب تخصصية عند اتخاذ القرارات، تولّـّد "شعور عام بأن الديمقراطية انتزعتها منظمات خبراء لا تنفك تستولي على عدد متزايد من السياسات العامة دون إخضاعها للمصادقة الشعبية"، وفقا لما يقوله باحث جامعة هارفارد وأستاذ العلوم السياسية ياشا مونك في كتابه "الشعب ضد الديمقراطية"، أو "الشعب في مواحهة الديمقراطية" في ترجمات أخرى([18])، وهذا ما كان أحد الأسباب الرئيسة في نمو ظاهرة "الشعبوية" في العديد من البلدان الغربية وغير الغربية، ومن بينها دول ذات تقاليد ديمقراطية عريقة.

 عن الشعبوية يقول الدكتور عادل لطفي، الباحث الأكاديمي وأستاذ تاريخ العالم العربي المعاصر: «للشعبوية وجوه متعددة لكنها تشترك جميعها في جملة من النقاط لعل من أهمها تقسيم المشهد إلى شعب نقي ومضطهد في مواجهة نخبة فاسدة تخدم مصالحها على حساب الشعب»([19])، ويدرج د. لطفي في عداد الزعماء والحركات الذين أنتجتهم الشعبوية دونالد ترامب  الأمريكي وجايير بولسونارو البرازيلي وسيلفيو برلسكوني الإيطالي ومارين لوبان وإيريك زمور الفرنسيين، وحركات الخمس نجوم الإيطالية وبوديموس الإسبانية، وسواهم([20]).

 تبدو الشعبوية وكأنها محاولة من قبل عامة الناس لاستعادة سلطة الشعب أو على الأقل دور الشعب في عملية اتخاذ القرار ووضع السياسات الحكومية بحيث تراعى وتحترم  فيها مصلحة الشعب عموما، وسعي من قبل هذه العامة لاسترجاع الميدان السياسي من يد النخب التكنوقراطية التي تعمل فعليا لصالح الأقلية الرأسمالية المسيطرة على الاقتصاد، ما يجعل هذه النخب "أوليغارشية وظيفية" تعمل بشكل رئيس لصالح أرباب المال والأعمال فقط.

الشعبوية يمكنها أن تكون يسارية أو يمينية، ولكهنا في الوقت الراهن غالبا ما تقترن بالنزعات اليمينية المتطرفة، وتتميز برؤية سطحية للمسائل الاجتماعية والسياسية الحساسة والمعقدة، كثيرا ما عليها العواطف والغرائز، ولا مانع لديها  في كثير من الأحيان من التراجع في مسألة الحريات، والنكوص إلى تعظيم الزعيم والسقوط في العنصرية، وقد كان دونالد ترامب أكبر ممثل لهذه الحالة من الشعبوية.

وفي المجتمعات المتدينة كالمجتمعات العربية، ومنها المجتمع السوري، من مخاطر الشعبوية الكبرى هي أنها تلتقي مع التطرف الديني، فنتتج حركات دينية متطرفة عنيفة، كثيرا ما تدخل المجتمعات في حالات عنف وصراعات باهظة التكاليف.

 

9-استغلال التكنوقراطية لتبرير الديكتاتورية:

كما رأينا أعلاه، التكنوقراطية يمكن أن تطرح كبديل للديمقراطية من ناحية، ومن ناحية ثانية يمكن لآلياتها بحد ذاتها أن تطبّق في أنظمة مختلفة، وهذا مسألة جد خطيرة، إذ يمكن أن يستغلها الديكتاتوريون لتبرير ديكتاتورياتهم عبر تزيينها بعض الرتوش التكنوقراطية، والادعاء أنهم يطبقون التكنوقراطية، التي تنتفي فيها الحاجة إلى الديمقراطية بزعمهم، مع التركيز الخطابي على أفضليات وحسنات التكنوقراطية وعيوب ومساوئ الديمقراطية، وبذلك تصبح التكنوقراطية غطاء وذريعة للديكتاتوريين للتهرب من الاستحقاقات الديمقراطية.

في واقع الأمر الديكتاتوريون يمكنهم فعل أي شيء لتجميل صور ديكتاتورياتهم وإعطائها الشرعية المقبولة، وهم في ذلك يحاولون حتى استغلال الديمقراطية نفسها، واكتساب شرعيتها طالما أن الديمقراطية أصبحت اليوم ذات سمعة رفيعة على نطاق عالمي، وبهذا الشأن يقول كينيث روث: «اليوم لا تستقيم الشرعية دون ديمقراطية، وحكومات قليلة تلك التي تريد أن تبدو غير ديمقراطية... فهذه الأيام حتى الطغاة يسعون للحصول على الوضع الذي يضمنه لقب ديمقراطية»([21])، وهكذا نجد الأنظمة الديكتاتورية تحاول شكليا إظهار بلدانها بمظهر البلدان الديمقراطية، فتقلد الديمقراطيات في هيكلية الدولة ومؤسساتها، وتضع دساتير وقوانين، وتجري انتخابات، وهلم جرى، ولكن كل هذا يبقى شكليا، ويبقى الديكتاتور يمارس ديكتاتورتيه تحت القناع الديمقراطي، الذي غالبا ما يكون هو نفسه مفضوحا أو ممزقا.

في التكنوقراطية يمكن أن يحدث سيء مماثل، فيلجأ الديكتاتور إلى بعض الإجراءات التكنوقراطية، التي يمكن أن تساعده آنيا على حل بعض المشاكل والظهور بمظهر المصلح أو حلال المشاكل، بل ويمكنه حتى أن يستغل ذلك في دعايته الترويجية مدعيا أنه ينتهج نهجا تكنوقراطيا يحتاج إلى دولة قوية.

عربيا ثمة محاولات من هذا القبيل، أنصار نظام السيسي في مصر هم مثال على ذلك، ومن بينهم الدكتور عبد المنعم سعيد رئيس مجلس إدارة "مؤسسة المصري اليوم" والرئيس السابق لمجلس إدارة "مؤسسة الأهرام" وعضو مجلس الشورى المصري سابقا، الذي يدافع عن نظام السيسي في مصر عبر محاولة إعطائه لبوسا تكنوقراطية، وهو لا يعترف بثورات الربيع العربي، ولا بالديمقراطية التي يرى أنها خربت ودمرت بلدانا كليبيا واليمن وسوريا، وفشلت في سواها كالعراق وتونس، وعلاوة على ذلك فهو في تبريره للسلطوية والتسلط لا يتورع حتى عن وصف نظام الطاغية السابق بينوشيه في تشيلي بالتكنوقراطية([22]).

 

10-خلاصة:

ما يمكن الوصول إليه بناء على ما تقدم من حديث، هو أن طرح "التكنوقراطية" كبديل شامل للديمقراطية هو بحد ذاته فكرة غير تكنوقراطية أو غير علمية لأن المجتمع الإنساني كبنية اجتماعية عليا، هو قطعا ليس ميدانا محددا مثل ما هي ميادين الطاقة والصحة والزراعة والصناعة وغيرها من الميادين الجزئية المحددة الواضحة المعالم والتفاصيل بشكل عام، التي يمكن أن يتميز ويبرع فيها التكنوقراط، فالمجتمع البشري أوسع وأعقد من ذلك بكثير، ولا يمكن اعتباره مجموعة من الميادين التخصصية، أو حصره في ميدان تخصصي أوسع يشمل بقية الميادين وينظم العلاقات بينها كما تنظم العلاقات وأساليب العمل داخل كل ميدان منها بحد ذاته.

لكن الديمقراطية يمكنها أن تتكامل مع التكنوقراطية ومع الأبستقراطية أو غيرهما من نماذج أنظمة الحكم الحديثة المطروحة، وبذلك يتم تجاوز القصور الذي تعاني منه الديمقراطية في مسائل المعرفة والكفاءة التخصصيتين ومسائل التمثيل والنيابة.  

وعدا عن ذلك، فمن المهم جدا إيلاء المسألة الاجتماعية العناية والاهتمام الكافيين، وإلا فستفقد معظم فئات الشعب الثقة بالديمقراطية، وتنشأ بينها وبين الديمقراطية حالة من الاغتراب والقطيعة، التي ستؤدي في النهاية إلى ردات فعل ضد الديمقراطية نفسها، وإلى نمو للشعبوية ونكوص إلى أساليب ومستويات أدنى في العمل والتنظيم السياسي.

وفي ديمقراطية متكاملة مع التكنوقراطية والأبستقراطية والعدالة الاجتماعية، تصبح الديمقراطية في منأى من أن تتحول إلى "حكم دهماء" (mobcracy) أو إلى "ديمقراطية شعبوية"، ويتم فيها وضع الكفاءات والخبرات التخصصية والمعرفية في خدمة الصالح العام، فلا تتحول التكنوقراطية إلى "أوليغارشية تكنوقراطية" ولا إلى "تكنوقراطية وظيفية" تخدم مصلحة فئة محددة في المجتمع كما هو حال التكنوقراط في النظام الرأسمالي، ولا تتحول الأبستقراطية بدورها إلى نظام نخبوي وصائي، ومع المراعاة الكافية للعدالة الاجتماعية، تحافظ الديمقراطية على جماهيريتها وشعبيتها وثقة الناس بها، وعلى هويتها كديمقراطية، الغاية منها خدمة مصلحة الشعب ككل.

وعليه، وعندما نطرح الديمقراطية كمشروع لبناء الدولة الحديثة سوريا أو عربيا، فمن المهم جدا أن ندرك ماهية شروط الديمقراطية الحقيقية، ومدى أهمية العوامل الاجتماعية والتخصصية والمعرفية فيها، وإلا فلن نحصل إلا على مسرحيات ديمقراطوية عابثة، وسنضيع الوقت والجهد ونشوه صورة وسمعة الديمقراطية نفسها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 



 - [6] د.محمد البخاري، السياسات الحكومية والصحافة والعلاقات العامة في عالمنا المعاصر، مجلة المعرفة السورية، العدد 594، آذار 2013، ص 230.

 - [7] المرجع السابق، ص231.

-[8] تكنوقراطية - المعرفة                                                              

[17] - إيهاب محارمة، مراجعة نقدية لكتابي صعود التكنوقراط، مجلة سياسات عربية، العدد 42، كانون الثاني\يناير 2020، ص220 .


 

*

المقال منشور في مركز حرمون

 الديمقراطية والتكنوقراطية بين التكامل والتناقض

*

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق