فهرس المحتويات

الجمعة، 10 أبريل 2026

هل صحيح أن عمر الكون كله لا يكفي لتكوين بروتين وظيفي واحد؟

هل صحيح أن عمر الكون كله لا يكفي لتكوين بروتين وظيفي واحد؟ 


يقول أحد الإسلامين أن علماء الملاحدة (الداروينيين) توقفوا عن الادعاء بأن الحياة نشأت بالصدفة العشوائية، لأن هذا الادعاء أصبح "مضحكًا" وغير مقبول علميًا، كما حدث مع ريتشارد دوكينز.
والحجة الرئيسية:
الكائنات الحية تتكون من: أعضاء ← أنسجة ← خلايا ← بروتينات ← أحماض أمينية.
الضربة القاصمة: احتمالية تكوّن بروتين وظيفي واحد فقط بالترتيب العشوائي (دون أي ذكاء أو توجيه) هي 1 في 10^164 (حسب حسابات البروفيسور ستيفن ماير وآخرين).
هذا الرقم أكبر بكثير من عدد الجسيمات في الكون أو عمر الكون، مما يجعله مستحيلاً رياضيًا وعلميًا.
ويضرب مثالاً على ذلك: ملء المجرة بأكملها برجال عميان يحلون مكعبات روبيك في لحظة واحدة بالضبط... ولو تأخر واحد فقط، يفشل تكوين البروتين (وبالتالي الحياة).
ثم يصعد الحجة فيقول:
فما بالك بخلية واحدة تحتوي على آلاف البروتينات؟
وما بالك بجسم الإنسان الذي يحتوي على 60 تريليون خلية؟
حتى مجرد "ترتيب الحروف" (الأحماض الأمينية) مستحيل بالصدفة... فكيف بظهور الحياة نفسها؟
ويختم كلامه بالقول:
الملاحدة يعرفون في قرارة أنفسهم وجود خالق، لكن الجحود والكبر يعميهم.
 ثم يستشهد بآية قرآنية تؤكد قوله:
(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ).

****
المعطيات العلمية التي يوظفها هذا الزاعم الإسلامي تنتمي إلى ميدان ما يسمى ب "نظرية التصميم الذكي"    (Intelligent Design)، وهي نظرية وضعها بعض العلماء، وفحواها أن الهندسة الكونية العظيمة المعقدة لا يمكن أن تتم إلا بوجود "مصمم ذكي"، ومن أشهر القائلين بها علماء كبار معروفون منهم - إضافة إلى آخرين- مايكل بيهي (Michael Behe)، ويليام ديمبسكي (William Dembski)، دوغلاس آكس (Douglas Axe)، وستيفن ماير (Stephen Meyer)، الذي طرح حجته المركزية في كتبه مثل "توقيع في الخلية" (Signature in the Cell).

هذه النظرية لاقت رواجا كبيرا في الأوساط الدينية، واعتبرها المتدينون دليلا علميا دامغا على وجود الله، ولكن في الوسط العلمي لم تحظ هذه النظرية بالقبول والاعتراف، وتعرضت لانتقادات من علماء كبار بعض منهم مؤمنون مثل فرانسيس كولينز( Francis Collins)، وغير مؤمنين مثل ريتشارد دوكينز (Richard Dawkins)، وسواهما مثل كينيث ميلر (Kenneth Miller)، نيك ماتسكي (Nick Matzke)، ستيفن جيفري لوي (Stephen Jeffrey Lowe)، وغيرهم.

ويجدر التنويه أن المعطيات العلمية المستخدمة في المنشور الإسلامي تعود بشكل رئيس إلى البروفيسور ستيفن ماير، الذي طور أطروحته هذه بناء على معطيات علمية تعود لعلماء عديدين، وبالأخص دوغلاس آكس.

 وسنكتفي ردا على ما يتضمنه ذاك الزعم من توظيف لآراء تنتمي إلى الوسط العلمي بالرد التالي:
اعتمادك على زعم أن عمر الكون لا يكفي لانتاج بروتين وظيفي هو أطروحة فيها أكثر من خطأ جوهري:
الأول: أنها تتحدث عن البروتين الوظيفي وكأن هناك شكل حصري واحد لهذا البروتين ولا شكل سواه.
الثاني: أنها ماتزال تتعامل مع هذا البروتين وكأنه ظهر من الصفر دفعة واحدة.
الثالث: أنها تفترض أن مختبِرا واحدا يقوم كل مرة بتجربة واحدة ثم يكررها بطريقة الصح والخطأ، وهكذا دواليك.
وهذا فعليا يشبه مثلا أن يكون هناك مستودع فيه ١٠ مليارات قطعة معدنية وعليها الأرقام من ١ إلى ١٠ مليار، والمطلوب مثلا إيجاد القطعة التي تحمل رقم ٥٠٠، وهناك شخص يحاول أن يجد هذه القطعة بسحوبات عشوائية تستغرق كل منها ثانية، فما هو احتمال أن يتمكن هذا الشخص من إيجاد هذه القطعة؟
الحسابات النظرية تقول أن احتمال عثور هذا الشخص على القطعة المطلوبة هو واحد على عشر مليارات، وبما أن كل محاولة تحتاج ثانية، فهذا الشخص سيحتاج إلى ٣١٧ سنة للقيام بهذه المحاولات، وهذا يتجاوز بكثير متوسط عمر الإنسان، وبالتالي يصبح العثور على هذه القطعة مستحيلا.
لكن واقعيا هناك خلل في هذه الحسابات!
ففعليا هذا لن يحتاج إلى عشر مليارات محاولة، ولا يمكن قطعا معرفة عدد المحاولات التي سيحتاجها بالضبط لأن هذا لا يمكن حسابه.
ففي كل محاولة حظوظ جميع القطع متساوية، وربما تكون (بالصدفة) محاولته رقم  مئة أو ألف أو مليون هي الناجحة، وعندها لن يحتاج إلى زمن يتجاوز حياته.
بالطبع الصدفة في هذه الحالة لا يعول عليها من ناحية. ولكن لا يمكن إغفالها من ناحية أخرى.
ولكن هناك ما أهم من ذلك بكثير.
لنفرض الآن أن هذا الشخص لا يحاول العثور على قطعة واحدة، بل واحدة من عشرة، مثلا ١٠٠، ٢٠٠، ٣٠٠، وحتى ١٠٠٠.
هذا يقلص الاحتمالات عشرة مرات، ويصبح الزمن المطلوب هو ٣٢ سنة تقريبا.
وهنا بدأنا ندخل في الواقعية.
الآن.. لنترك هذا الفرض ولنفترض أن عشرة أشخاص معا يقومون بنفس التجربة.
هذا أيضا يقلص الاحتمالات عشرة أضعاف.
والآن لنجمع الافتراضين معا، هنا سيتم اختزال الزمن مئة مرة، وسيصبح الزمن المقدر هو ٣.٢ سنة.
وهذا زمن واقعي.
بعد ذلك  لنفترض أن ألف شخص يحاولون معا، وأن المطلوب هو إيجاد قطعة تحمل الرقم من واحد إلى ١٠٠٠.
هنا الاحتمالات ستختزل مليون مرة، وسيصبح الزمن التقديري لإيجاد قطعة مقبولة هو ألف ثانية، أي أقل من ثلث ساعة.
زمن في منتهى الواقعية!
لنعد بعدها إلى حالة القطعة الواحدة ونفرض أن مليون شخص يحاولون إيجادها هنا سيصبح الزمن التقديري أيضا ١٠ آلاف ثانية يعني أقل من ثلاث ساعات، وهذا زمن واقعي جدا جدا!
ولو كان عدد من يحاولون مليار شخص، فسيصبح الزمن التقدير ١٠ ثوان، فما رأيك؟
وعلى الأرض -يا عزيزي- عندما ظهر البروتون الأول كانت الأمور تجري بهذه الطريقة.
وكان - وهذا كله كلام علمي- هناك أعداد هائلة من العمليات تجري (مليارات التريليونات)، وكان ثمة عدد كبيرة من صيغ البروتين الوظيفي مقبولة، وليس صيغة واحدة محددة، (يعني مثلا مثل الباب الإلكتروني المشفر في شركة الذي يمكن فتحه ببطاقات كل العاملين في الشركة) .
هذا إضافة إلى عامل آخر في منتهى الأهمية، وهي أننا لم نكن في لحظة الصفر، بل في لحظة متقدمة من التاريخ البيولوجي يوجد فيها تركيبات حيوية ماقبل بروتينية قادرة على دفع مسارات الحركة البيولوجية باتجاهات محددة، ما يقلص بشكل كبير جدا الاحتمالات العشوائية، ولفهم هذه النقطة لنعد إلى صندوقنا مثلا، ولنتخيل أن فيه آلية منظمة  ما تستثني مثلا كل اللوحات التي لا تنتهي بصفر، وهذا وحده سيختزل الاحتمالات عشرة مرات؛ وإذا ما كانت هذه الآلية أكثر تنظيما وتعقيدا بحيث تستثني مثلا كل اللوحات التي تحتوي على أرقام غير الصفر والخمسة، فهنا مثلا يصبح احتمال الحصول على لوحة تحمل الرقم ٥٠١ صفرا، فيما يحتزل احتمال العثور  على اللوحة رقم  ٥٠٠ إلى ١١ فقط.
والجسيمات البيولوجية ما قبل البروتينية تعمل بطريقة مشابهة، وكل ما كانت أكثر تعقيدا، يتسع نطاق الاستثناء الذي تفرضه، بحيث يتقلص نطاق احتمال التركيبات الممكنة عند الانتقال من خطوة إلى خطوة.
وهنا يمكن أن نقول بأن القفز فورا إلى مستوى بيولوجي عالي مثل مستوى البروتين الوظيفي وحساب إمكانية ظهوره بتمامه وبفرديته دفعة واحدة سيؤدي حتما إلى نتائج تقتضي أرقاما فوق فلكية من الزمن والكتلة.
لكن النزول إلى مستويات اللبنة البيولوجية الوظيفية الأولى الأدنى بكثير من البروتين الوظيفي في مستوى تعقيدها يقلص تلك الأرقام الوظيفية إلى مستويات واقعية.
وهنا أي تعقيد لاحق، لا يعود ينظر إليه في إطار عشوائية مطلقة، بل في إطار تطور بيولوجي موجه من الأبسط إلى الأعقد تتناسب إمكانية قيامه في كل لحظة مع مستوى العشوائية الكافي لتكوينه من ناحية، وقادر من ناحية ثانية على تقليص درجة العشوائية التي يتعامل معها بما يكفي للقيام بالخطوة التالية، وكل هذا يتم في سياق تطوري متواصل متصاعد.
 
والخلاصة..
أن هذه المعطيات الواقعية كلها تؤدي إلى نتيجة مفادها أن حسابات ماير غير صحيحة.

هذا في ما يتعلق بالجزء العلمي المستخدم في ذلك المنشور، أما الكلام عن أن علماء الملاحدة لم يعودوا يقولون أن الحياة نشأت بالصدفة كي لا يجعلوا  من أنفسهم أضحوكة على غرار ريتشارد دوكينز،  وهم يعرفون في قرارة أنفسهم وجود خالق، لكن الجحود والكبر يعميهم، فهو ليس أكثر من وهم ولغو غيبي.
فلادوكينز أصبح أضحوكة، وما هو يزال عالما له أكبر الاحترام في الأوساط العلمية، ولا العلماء مثله يقولون بأن الحياة نشأت بالصدفة، والكلام عما في قرارة نفوس الآخرين هو تكهن شبيه بالشعوذة.
أما الآية التي استشهد بها، فهي ليست في صالحه لأن إلهه فيها يقول ما معناه أن هذا الإله نفسه هو أضل الملحد وختم على قلبه وسمعه وجعل غشاوة على بصره، وهنا لا يعود ذلك الملحد ملوما قطعا على إلحاده، بل يصبح الملوم هو الإله  الذي فعل به كل الفعائل فأضله وأفسد قلبه وسمعه وبصره.

وبعد .. من المهم التوقف عند مسألة "الصدفة" التي يساء فهمها، فعلميا العلماء لا يقولون فعليا أن الحياة نشأت بالصدفة، فهذا يعني إلغاء كل القوانين الكونية، التي بلاها لا يعود هناك أي مجال لقيام العلم نفسه، حيث لا يعود هناك أساس يقوم عليه العلم ولا موضوع يبحث فيه العلم.
في واقع الأمر العلماء ينظرون إلى الحياة وكل الهندسة الكونية كنتاج لفاعلية المادة الكونية في إطار القوانين الحاكمة لهذه المادة التي تشكل جزءا جوهريا من طبيعة هذه المادة، وهذه الفاعلية المادية المقوننة هي ما تقوم عليها علمية التطور، لكن هذا لا يتم بشكل ميكانيكي حتمي على غرار سببية لابلاس، فالسببية الموجودة هنا كعامل أساسي من أركان وجود وتطور الكون هي نفسها موجودة مع عامل آخر هو اللاحتمية، ومن تكاملها يصبح الكون مصانا من فلتان الفوضى المطلقة وأقفاص الحتمية المطلقة.

نقطة أخيرة، يجدر التنويه إليها، وهي أن هذا المقال لا يتغيا الدفاع عن الإلحاد، وهذا الكلام بحد ذاته ليس تبرؤا من تهمة الإلحاد، وبنظر كاتب المقال الإلحاد والإيمان حقان متساويان تماما من حقوق الإنسان، وفي تقييم الإنسان إنسانيا لا فرق بين مؤمن وملحد إلا في مدى القيمة لكل منهما.
أما غاية هذا المقال الرئيسة فهي الدفاع عن الحقائق العلمية كي لا يتم استغلالها بشكل مشوهه من قبل بعض المغرضين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق