جدلية الانتماء بين الوفاء والخيانة واستبداد الجماعة
بمناسبة عام على مجزرة السويداء
١- مقدمة: ما هو الوطن
الوطن ليس مجرد مساحة جغرافية تحدها خطوط على الخريطة، بل هو مفهوم مركّب يتقاطع فيه الوجدان والزمان والمكان، وهو عقد اجتماعي وأخلاقي، وحيز للعيش الإنساني، وفضاء للممارسة الاجتماعية والسياسية.
والتفكير في الوطن يعني بالضرورة التفكير في شروط وجوده واستمراره، وفي طبيعة الرابطة التي تجعل الأفراد، على اختلاف مشاربهم الدينية والعرقية والفكرية، يرتضون العيش تحت مظلة واحدة فيه، ملتزمين بمصير مشترك يعلو على حساباتهم وانتماءاتهم الشخصية والفئوية الضيقة.
غير أن هذه الرابطة، حين تُخان أو تُصادَر لصالح فئة بعينها تظن نفسها صاحبة الحق الحصري في الوطن، تتكشف عن هشاشتها الكامنة، وتطرح على بساط البحث سؤالا أعمق من مجرد الخلاف السياسي العابر: ما الذي يبقى من الوطن حين ينقلب أحد أطرافه على ميثاقه؟ وهل يظل الانتماء واجبا أخلاقيا حين يتحول الوطن، في يد فئة مستأثرة، إلى أداة إقصاء بحق فئات أخرى شاركتها الأرض والتاريخ والمصير؟
هذه الأسئلة ليست ترفا فكريا، بل هي مدخل ضروري لفهم كيف تنهار الأوطان من الداخل، لا بفعل عدو خارجي فحسب، بل بفعل خيانة الميثاق الذي يُفترض أن يجمع أبناءه.
٢- الوطنية الحقيقية: بين الوجدان والالتزام الأخلاقي
الوطنية هي الرابطة الشعورية التي تشدّ الفرد إلى وطنه؛ فهي حالة وجدانية والتزام أخلاقي يتجاوز الإطار التعاقدي القانوني الصرف؛ إنها ليست شعارات تُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تضع المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية أو الفئوية؛ والوطنيّ الحقيقي هو من يرى في وطنه مساحة للارتقاء الإنساني المشترك، وهو من يملك شجاعة مواجهة كل يؤذي هذا الوطن أيا كانت الذرائع والأسباب والغايات، منطلقا في ذلك من انتمائه للشعب والارض والتاريخ، ومتحملا مسؤوليته الكاملة تجاه هذا الكيان الجامع.
٣- المواطنة: الوجه المؤسسي للانتماء
إذا كانت الوطنية هي الشعور والعاطفة الإنتمائيين، فإن المواطنة هي الآلية السياسية والقانونية لممارسة هذا الانتماء، فالدولة الوطنية في مفهومها الحديث كيان ذو سيادة، لا يقوم على الولاءات الشخصية أو العصبية الضيقة، بل على القانون والمؤسسات، والعلاقة فيها تقوم بشكلٍ عمودي ومباشر بين الفرد المواطن والدولة، بحيث تُساوي بين الجميع أمام القانون، بصرف النظر عن انتمائهم الديني أو العرقي أو الطبقي أو سواه من الانتماءات؛ وهذه المساواة ليست تفصيلا شكليا، بل هي جوهر ما يميّز الدولة الوطنية عن أي تجمّع آخر قائم على الغلبة أو العصبية؛ وحين تغيب هذه المساواة المؤسسية، أو تُفرَّغ من مضمونها الفعلي رغم بقائها نصا قانونيا تتحول المواطنة إلى قشرة شكلية تُخفي تحتها علاقات هيمنة حقيقية بين فئة مسيطرة وأخرى مُهمَّشة؛ وهنا يصبح الفارق جوهريا بين وطن تحكمه مؤسسات فعلية تُحاسب الجميع بمعيار واحد، ووطنٍ تُدار فيه المؤسسات بمنطق الولاء الفئوي، بحيث يغدو القانون أداة في يد المتغلّب، لا حكما عادلا بين الأطراف كافة.
٤- بنية الوطن: البيت المشترك في مواجهة التجمّع الفئوي
الوطن الحقيقي بنية اجتماعية سياسية ذات منطق ذاتي خاص، قائمة على مبدأ بناء البيت الإنساني المشترك، وهو بيت يضمن الحقوق المتساوية لجميع المنتمين إليه دون استثناء؛ والخطر المحدق بهذا البناء يكمن في تحويله من بيت جامع إلى مجرّد منتدى أو تجمع للفرق والجماعات المتنافسة؛ فعندما تغدو الهويات الطائفية أو العرقية هي الأعمدة التي يقوم عليها الوطن بدل أن تكون مكوّنا سكانيا من مكوّناته، تفقد الوطنية ذاتيّتها الجامعة، وتتحول إلى بنية هشّة قابلة للانهيار عند أول تناقض في مصالح هذه الجماعات.
٥- الاستقلالية دون إلغاء: جدلية الهوية الجامعة والهويات الفرعية
تقتضي الوطنية الحقيقية استقلالية إزاء الهويات الجماعوية الفرعية، لكن هذا الاستقلال لا يعني بحال من الأحوال إلغاء تلك الهويات، فالمرء يمكنه في وطنه أن يحافظ على خصوصيته الثقافية أو الدينية أو الإثنية، مع الإبقاء على تعالق إيجابي بينها وبين المصلحة الوطنية العليا؛ فالوطنية هنا هي الرابطة الأعلى التي تتجاوز الفئويات دون أن تمحوها، وهي الضمانة الوحيدة لحرية الفرد في التعبير عن جماعته وخصوصيته، دون أن يعتدي بذلك على حق الآخرين، أو يمزّق نسيج الوطن الجامع.
٦- الخيانة: حين يسقط الميثاق الوطني
في سياق هذا التفكيك، تبرز الخيانة بوصفها كسرا لهذا الميثاق الذي يُفترض أن يكون أساسا للالتزام المتبادل؛ والخيانة هنا ليست مجرد رأي مخالف أو اختلاف في وجهات النظر، بل هي غدر بالثقة الجماعية التي يقوم عليها العيش المشترك؛ إنها فعل يعيد تعريف الحقيقة، ويقوّض القدرة على الثقة المتبادلة، سواء تعلّق الأمر بخيانة أمانة فردية، أو بخيانة عظمى للوطن عبر العمل ضد مصلحته العليا لحساب جهات خارجية أو مصالح فئوية ضيقة.
٧- الاستبداد بالوطن: حين تتحول الجماعة إلى مالك وحيد
تحدث الكارثة الوطنية حين تظن جماعة ما أنها الجماعة الأساسية في وطنها، بحكم قوتها العددية أو سيطرتها الفعلية أو أي سبب آخر، فتتصرف في الوطن وكأنه غنيمة خاصة بها، متجاهلة مواقف الجماعات الأخرى وحقوقها المشروعة؛ وهنا تكون هذه الجماعة قد حطّمت فعليا الحالة الوطنية الجامعة، واستبدلتها بحالة فرقية إقصائية، تُعيد تعريف الوطن بوصفه ملكا لفئة بعينها، وتحوّل بقية المواطنين إلى ضيوف مشروطين، أو رعايا من الدرجة الثانية، أو مكونات سكانية هامشية.
وهذا السلوك هو في جوهره خيانة للمبدأ الجامع ذاته، حتى لو تدثّر بخطاب الوطنية والولاء الرسمي؛ فمن يمارس هذا الإقصاء لا يملك أدنى حق أخلاقي في اتهام غيره بالخيانة، بل هو، من حيث الجوهر، الخائن الأول للميثاق الذي يُفترض أن يجمع كل المواطنين على قدم المساواة؛ والمفارقة أن هذا النوع من الاستبداد الفئوي كثيرا ما يستخدم لغة الوطن والانتماء ذاتها لتبرير إقصائه، فيُصبح الخطاب الوطني قناعا يُخفي وراءه احتكارا فعليا للسلطة والموارد والقرار.
٨- بربرية العنف وتهديد الوجود
عندما تتجاوز هذه الجماعة منطق الإقصاء السياسي إلى العنف المفرط، وجرائم الحرب، والتحريض العنصري، والافتخار بجرائم الإبادة، فإنها تدخل مرحلة "البربرية"؛ وفي هذه الحالة، تتحول هذه الجماعة إلى تهديد مصيري لوجود الآخرين، وحينها، تسقط كل التزامات "الوطنية" تجاه من استباحوا الوطن، وتصبح هذه الجماعات الضحية في حالة "دفاع شرعي" عن الوجود، ويحق لها اتخاذ كافة التدابير المشروعة إنسانيا ودوليا لحماية نفسها من هذا الكيان الذي جعل من نفسه "عدوا لدودا" لمن شاركهم الأرض والتاريخ.
٩- خاتمة: نحو استعادة مفهوم الوطن
إن الوصول إلى وطنية حقيقية يتطلب وعيا مركّبا يدرك أن المصلحة الوطنية ليست وجهة نظر قابلة للتفاوض، بل هي شرط وجود.
واستعادة مفهوم الوطن تبدأ بالاعتراف بالتساوي المطلق بين جميع المواطنين، وبأن الاستقلالية الوطنية عن منطق الغلبة الفئوية هي حصن للجميع لا لطرف دون آخر؛ والطريق نحو بناء وطنٍ حقيقي طريق شاق، لكنه الطريق الوحيد لتجنّب جحيم الحروب الهوياتية، ولضمان مستقبلٍ يليق بكرامة الإنسان؛ فالوطن، وبامتياز، هو المكان الذي يُحترم فيه حقك في أن تكون مختلفا، بينما تلتزم فيه بواجبك في أن تكون شريكا؛ وهو، في النهاية، مسؤولية مشتركة قبل أن يكون امتيازا لأحد.
أما الذين يريدون استملاك الوطن وتحويله إلى مدجنتهم الخاصة، ولا يتورعون عن ارتكاب أية جرائم لتحقيق هدفهم المتوحش الخبيث هذا ؛ والذين يرون أنفسهم دون سواهم أصحاب الوطن، ويرفضون التساوي في الوطنية مع المختلفين، ويستعلون ويتنمرون ويتغطرسون على هؤلاء المختلفين، ويكفرونهم ويخونونهم ويحقرونهم، ويحرضون عليهم إن هم- أي أولئك المختلفين- رفضوا الرضوخ لهذا المنطق المعتوه؛ فكل أولئك وهؤلاء لا وطن لهم ولا وطن معهم، وهؤلاء هم الخونة والأعداء الألد للوطن، ويجب تحرير وتخليص وتطهير الوطن منهم؛ وكل مجرم منهم.
وكل مجرم منهم يجب أن ينال العقاب الحقيقي العادل والقصاص الصارم المستحق.
---
السويداء
١٣ / تموز- يوليو / ٢٠٢٦
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق