فهرس المحتويات

الاثنين، 2 مايو 2022

الليبرالية في سورية بين الأمس واليوم

 

 

الليبرالية في سوريا بين الأمس واليوم

رسلان عامر

 

 


1- مقدمة:

تنبع أهمية الليبرالية من ارتباطها الوثيق بقضية الحرية، التي ترتبط بدورها ارتباطا جوهريا بإنسانية الإنسان، كما ترتبط بنفس الدرجة بالديمقراطية، التي يفترض فيها أنها النظام النقيض للاستبداد والظلم، ما يجعلها بالتالي النظام الإنساني الصالح، الذي يجب أن تتحقق فيه وتضمن وتحمى الحرية الإنسانية والحقوق الإنسانية.

وبذلك تلتقي الديمقراطية والليبرالية في الغاية الإنسانية وفي قضية الحرية.

واليوم في سوريا أصبحت الديمقراطية هدفا تتبناه كل القوى الوطنية السورية الساعية إلى بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة، وهذا ما يجعل مسألة الليبرالية ملحة للطرح في موقعها من هذه الديمقراطية المتبناة وعلاقتها معها.

وهذا ما يتناوله هذا البحث الذي يدور حول مسألة العلاقة بين الديمقراطية والليبرالية ووضع وإمكانية وضرورة الليبرالية على الساحة السورية.

 

2-واقع الحال الراهن:

للوهلة الأولى.. قد يثير الحديث عن الليبرالية في سوريا الراهنة ردة فعل سلبية، وقد يبدو أن هذا الحديث يدور عن مسألة قليلة الأهمية، ويمكن اعتبارها غير ضرورية في المجتمع السوري من ناحية، ولا فرصة لها فيه بالنمو والانتشار من ناحية ثانية، والأمران مرتبطان جدليا.

وهذا ليس غريبا اليوم بسبب هيمنة الاستبداد وتفشي الفساد وتدني مستوى الثقافة العام في الواقع السوري الراهن.

عدا عن ذلك، فالقوى السياسية الموجودة على الساحة السورية اليوم، حتى وإن كان لديها استقلاليتها الخاصة، ولم تكن تابعة أو خاضعة لمنظومة الاستبداد والفساد المسيطرة، فالعديد منها ليس لديه موقف إيجابي من الليبرالية، ولاسيما القوى ذات الطابع التقليدي.

فبالنسبة لقوى الإسلام السياسي وسواها من القوى المحافظة عموما، تعتبر الليبرالية ثقافة غربية أجنبية، وبنظرها.. طرحها في المجتمع السوري المتدين المحافظ يعتبر استيرادا لثقافة غريبة تتناقض في الكثير من الجوانب الخطيرة والحساسة مع تقاليد هذا المجتمع، بل ويمكن من وجهة نظر هذه القوى أيضا اعتبار هذا الطرح شكلا من أشكال الغزو الثقافي الخطر على دين وأخلاق المجتمع السوري.

أما القوى العروبية فبدورها لديها هي الأخرى موقف مشابه، وهي أيضا تعتبر الليبرالية ثقافة أجنبية، والترويج لها ونشرها يعتبر أمرا خطيرا على الثقافة العربية الأصيلة وبالتالي على القومية والهوية العربية بحد ذاتيهما وفقا لهذه القوى.

وبالنسبة للقوى اليسارية، تقترن صورة الليبرالية عادة بالرأسمالية، ولاسيما الليبرالية الاقتصادية التي تجد فيها الرأسمالية حاضنتها الفكرية وتبريرها الإيديولوجي، ولذا ترفض هذه القوى الليبرالية، بل وتضعها في الخندق الخصم.

وهكذا قد يبدو وكأن الليبرالية في المجتمع السوري ليس لديها من حظوظ ولا من دواع حقيقية، وبالتالي لا يجب إيلاؤها أي اهتمام إيجابي إن لم يكن العكس.

مع ذلك فالأمر قطعا ليس كذلك، لا من ناحية إمكانية ولا من ناحية ضرورة الليبرالية بالنسبة للمستقبل السوري، بل أن الأمر لم يكن قطعا كذلك حتى في الماضي السوري الحديث القريب في مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث كان لليبرالية حضور واقعي فاعل في التجربة السورية السياسية، وكانت الشخصيات الوطنية الليبرالية هي من يقود سوريا إن لم تقاطعها الانقلابات العسكرية، وتلك كانت فترة ازدهار رائدة في التاريخ السوري الحديث ومتميزة على الساحة العربية وحتى على مستوى دول العالم الثالث حينها.

 

3-ما هي الليبرالية وما هي العلاقة بينها وبين الديمقراطية؟

في قاموس المورد القريب الإنكليزي- العربي نجد لكلمة "ليبرالية" liberalism)) الإنكليزية مقابلا عربيا هو "تحررية"([1]).

 وفي الفكر الفلسفي الليبرالي تعتبر الحرية الإنسانية حقا ملازما لإنسانية الإنسان وقائما عليها، فوفقا للفيلسوف الإنكليزي جون لوك (John Locke)، الذي يعتبر الأب الروحي لليبرالية([2])، البشر "موجودون بشكل طبيعي في حالة من الحرية الكاملة... لترتيب أفعالهم على النحو الذي يعتقدون أنه مناسب... دون طلب إذن، أو اعتماد على إرادة أي شخص آخر"([3])، وهذه قضية لا تحتاج إلى إثبات، أما الفيلسوف والاقتصادي الإنكليزي جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill)، فيؤكد على أن "عبء الإثبات من المفترض أن يقع على عاتق أولئك الذين يعارضون الحرية. الذين ينادون بأي تقييد أو حظر... الافتراض المسبق هو لصالح الحرية"([4])، وخلاصة هذه الفكرة، التي يمكن اعتبارها "المبدأ الذي تقوم عليه الليبرالية" تتطابق مع الكلمة العظيمة التي سبق أن قالها عمر بن الخطاب "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟".

وبالتالي يمكن القول أن "الليبرالية هي مذهب الحرية" أو "مذهب التحرر"، وأنها المذهب الفكري والعملي الذي يرى أن الحرية هي حق طبيعي للإنسان كإنسان، ويسعى إلى ترجمة ذلك في حياة الإنسان في المجتمع بحيث يحيا الإنسان حياته حرا، وهذا ما يترتب عليه الاعتراف للإنسان بالحرية وضمانها على كافة الصعد، الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والمعتقدية وسواها.

فإن كانت هذه هي الليبرالية، فما هي العلاقة بينها وبين الديمقراطية؟

في فهمنا المعاصر نضع الديمقراطية كنقيض وكبديل في مواجهة كل أنظمة الديكتاتورية والاستبداد و أشكال القمع والتسلط، وبذلك تصبح الديمقراطية مقترنة بالحرية، وتلتقي التقاء جوهريا ووثيقا بالليبرالية.

وعليه لا يمكن فعليا الفصل بين الديمقراطية والليبرالية الحقيقيتين، وأي طرح من هذا القبيل هو باطل، فأية ديمقراطية غير ليبرالية، ستكون عمليا ديمقراطية بدون حرية، أو منقوصة الحرية، وستتشابه مع أشكال القمع والتسلط الأخرى، وبفرض أن مثل هذه الديمقراطية ممكنة، وهي فعليا تضع السلطة بيد الشعب، فعندها لن تكون "سلطة الشعب" هذه سوى "ديكتاتورية جماعة ضد الفرد" أو "ديكتاتورية أغلبية ضد الأقلية أو الأقليات" أو "حكم للدهماء"، وستكون فعليا سلطة فاقدة أو منقوصة للجوهر الإنساني؛ وبالمقابل أية ليبرالية بدون ديمقراطية، أي بدون أن تكون السلطة بيد الشعب، ستكون ليبرالية تحت سلطة فرد أو مجموعة من الأفراد، بحيث يتمكن هذا الفرد أو المجموعة من الاستئثار بالسلطة، والتحكم بالدولة والمجتمع، وعندها سيكون نطاق الحرية مرهونا تماما بإرادة هذا الفرد الحاكم أو هذه المجموعة الحاكمة، ولن يكون لدى الشعب أو الفرد أية ضمانات لحرياتهما أو آليات للدفاع عنها، وستصبح هذه الحريات هشة، وشكلية في جوانب عديدة، فمن لا يملك القرار لا يمكنه فعلا أن يكون حرا، وستكون حريته منة عليه من غيره لا أكثر في أية درجة من درجات وجودها.

في الغرب الحديث الذي يعتبر المعقل الرئيس لكل من الديمقراطية والليبرالية، فعليا لا تنفصل الديمقراطية والليبرالية عن بعضهما البعض، وتشكلان وحدة متكاملة تسمى "الديمقراطية الليبرالية"، وعن هذا يقول أستاذ العلوم السياسية الأمريكي- الألماني ياشا مونك (Yascha Mounk): «تتميز النظم السياسية في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية بمكونين أساسيين. فهي في نفس الوقت ليبرالية لأنها تسعى إلى ضمان حقوق الأفراد، بما فيها حقوق الأقليات المهمشة، وأيضا ديمقراطية لأن مؤسساتها تقوم بترجمة وجهات النظر الشعبية اٍلى السياسة العامة»([5]).

لكن هذه الوحدة تتعرض اليوم لتحديات خطيرة كالشعبوية (Populism)، التي تمكنت من إيصال ترامب إلى رئاسة أمريكا وأخرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما وتواجه انتقادات شديدة وتطرح فيها أحيانا بدائل مختلفة لها كالتكنوقراطية أو الأبستقراطية وسواهما، كما ويطرح في بعض الأحيان حتى في بعض الدول المتقدمة فكرة "الديمقراطية غير الليبرالية" أو الليبرالية غير الديمقراطية".

والسبب الرئيس في كل ذلك هو تراجع مستويات المعيشة في البلدان الغربية المتقدمة، في وقت تعتمد فيه الحكومات في قرارها أكثر فأكثر على النخب المختصة، فيأتي القرار في كثير من الأحيان غير متوافق مع إرادة ومصلحة عامة الشعب، ويدفعها بالتالي إلى ردات فعل سلبية ضد المنظومة الديمقراطية الليبرالية القائمة التي تشعرها بالخذلان والاستلاب، وعندها تصبح الشعبوية بديلا، وهذا الحال في واقع الأمر لا يرتبط بخلل أو فشل ذاتيين في الديمقراطية أو الليبرالية بحد ذاتيهما، ولكنه يرتبط جوهريا بطبيعة الرأسمالية المهيمنة في الغرب، التي تمكنت من الهيمنة حتى على الديمقراطية والليبرالية فيه وتسخيرهما لمصلحتها.

 

4- إمكانية الليبرالية في سوريا:

شهدت سوريا تجربة ليبرالية، بالمفهوم الموسع للليبرالية الذي تندمج فيه مع الديمقراطية، إيجابية واعدة في مرحلة ما بعد الاستقلال، وتلك التجربة كانت ذات بعدين.

البعد الأول هو بعدها العام، أي البعد الذي تتواجد فيه الليبرالية على مستوى الديمقراطية متكاملة مع هذه الديمقراطية.

أما البعد الثاني فهو البعد الخاص، الذي تتواجد فيه قوى ليبرالية محددة تتبنى الليبرالية كعقيدة حزبية أو برنامج سياسي.

ويعود النجاح في تلك المرحلة على كلا البعدين إلى سبب واحد، وهو حالة النهوض العامة التي كان يشهدها المجتمع السوري، والمقترنة بوجود رافعة وطنية تقدمية، بالمعنى الواسع للتقدم، مرتبطة بدورها بالسعي لبناء الدولة الحديثة والإيمان القوي بإمكانية نجاح هذا السعي، وهذا ما كان يعززه الانتصار الوطني الكبير المنجز، المتمثل بتحقيق استقلال البلاد وتحريرها من الاستعمار.

من الإنجازات المميزة للتجربة الديمقراطية الليبرالية في سوريا في مرحلة ما بعد الاستقلال، أنها كانت تسير بشكل إيجابي على خطا الديمقراطيات الحديثة من حيث احترام الدستور، والتعددية السياسية، ونزاهة الانتخابات، وتداول السلطة، واستقلال الإعلام، وحرية التعبير والاعتقاد والتنظيم، واحترام حقوق الناس، وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت أكثر من مرة، شهدت النتائج تنوعا يدل على أن الحياة السياسية في سوريا في تلك الفترة كانت نشيطة وصحية، ففي انتخابات عام 1954 البرلمانية مثلا حصل  حزب الشعب على 30 مقعدا، وحزب البعث على 22 مقعدا، والحزب الوطني على 19 مقعدا، والإخوان المسلمون على 4 مقاعد، وحزب التعاون على مقعدين، والحزب السوري القومي على مقعدين، والحزب الشيوعي على مقعد، والمستقلون على 60 مقعدا([6]).

وكان حزب الشعب والحزب الوطني حزبين لبيراليين، ينتميان إلى تيار الليبرالية المحافظة (Conservative liberalism)، وقد أسس حزب الشعب ناظم القدسي ورشيد كيخيا، فيما أسس الكتلة الوطنية هاشم الأتاسي وشكري القوتلي، وهؤلاء جميعا كانوا شخصيات وطنية تحظى باحترام كبير على الساحة السورية([7])([8]).

لكن تلك التجربة بكافة أبعادها تلقت ضربة قوية على يد دولة الوحدة التي قامت عام 1958، ثم قضى عليها انقلاب البعث في عام 1963، وبقيت الحياة السياسية مشلولة عمليا في سوريا حتى انطلاقة الانتفاضة السورية عام2011، ورغم أن بعض القوى السياسية من توجهات مختلفة استمرت أو نشأت في الخارج، إلا أنها كانت قوى ضعيفة، ومعظهما تقريبا لم يكن له تأثير ونفوذ في الداخل السوري، أما القوى التي تواجدت أو نشأت في الداخل، فكان عليها أن تختار بين التبعية والخضوع للنظام الحاكم المستبد، أو مواجه القمع والملاحقة.

تمكنت انتفاضة 2011 من أن تكون مفصلا في التاريخ والحياة السوريين الراهنين رغم كل المسار المأساوي الذي دفعت فيه، وأعادت بعض النشاط والحيوية للحركة السياسية، وتم تشكيل العديد من الأحزاب والتنظيمات المختلفة، ومن بينها أحزاب وكتل ليبرالية مثل "كتلة الليبراليين المستقلين، الحزب السوري الليبرالي الديمقراطي، الحزب الليبرالي المستقل، الحزب الوطني السوري، حزب أحرار - الحزب الليبرالي السوري، الحزب العلماني الديمقراطي الليبرالي السوري - حزب عدل"، وغيرها، وقبل بداية الانتفاضة كان هناك شخصيات ليبرالية بارزة ومعروفة مثل برهان غليون ورياض سيف وكمال اللبواني ونبيل فياض والياس الحلياني وجهاد نصرة وغيرهم، وظهرت شخصيات أخرى بعد انطلاقة الانتفاضة منها ياسمين مرعي رئيسة حزب أحرار([9])، ومنيف العبدالله رئيس الحزب السوري الليبرالي الديمقراطي([10])، على سبيل المثال.

وهذه القوى نفسها لديها مقاربات ليبرالية مختلفة، لكن كل هذه القوى وغيرها من القوى السياسية الراهنة تعمل اليوم في ظروف مختلفة بشكل هائل عن الظروف التي كانت تعمل فيها قوى ما بعد الاستقلال، فتلك القوى كانت تعمل في أجواء من الشعور الوطني بالنصر والتحرير والإيمان بمستقبل البلد، وكان لها دور رئيس في قيادة البلاد، التي كانت تسير على طريق التطور، أما قوى اليوم فهي تعمل وسط كارثة جسيمة، فالبلاد تعرضت إلى دمار كبير، وتقاسمت السيطرة عليها القوى الخارجية التي بلغت تدخلاتها أقصى وأبشع الحدود، والاستبداد لم ينته بعد، وهو يحاول إعادة إنتاج نفسه، والفساد مستشر إلى حد ضخم سواء في مناطق سيطرة النظام، أو في ما تبقى من مناطق سيطرة المعارضة وحتى في أوساط المعارضة الخارجية، وهذا كله يؤثر على القوى السياسية السورية الراهنة بكافة اختلافاتها ويطبعها بطابعه إلى حد كبير، ولذا  نراها ضعيفة ومشتتة وغالبا تابعة في الخارج أو في الداخل لداعميها الخارجين، أو تعمل في الداخل تحت هيمنة النظام وبشروطه أو تحت ملاحقته وعنفه.

وبالطبع مستقبل كل هذه القوى وغيرها من القوى مرهون بمستقبل الحل السوري، الذي يبدأ بالخلاص من الديكتاتورية، وهو حل تشكل فيه القوى السورية الرافضة لهذه الديكتاتورية الطرف الأضعف، أما الأطراف الأقوى فهي التدخلات الخارجية التي تبحث عن حلولها الخاصة.

مع ذلك ليس أمام السوريين سوى مواصلة النضال للخلاص من الديكتاتورية والهيمنات الأجنبية وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، وهذا ما يقتضي الوضوح في رؤية هذه الدولة، وكيف يجب أن تكون، ومن المهم جدا في هذا إيلاء الليبرالية الأهمية الكافية.

 

5-ضرورة الليبرالية في سوريا:

بناء على توضيح العلاقة بين الديمقراطية والليبرالية، وما تم بيانه في خلاصة ذلك من تلازم وتكامل بينهما، يمكن القول أن الليبرالية بمفهومها العام في سوريا ضرورية تماما من أجل الوصول إلى ديمقراطية حقيقية تحترم فيها إنسانية وحريات وحقوق الإنسان، فالبعد الليبرالي في الديمقراطية هو بعد جوهري لأنسنة مبدأ "حكم الشعب" الذي تقوم عليه الديمقراطية، وهو الفيصل الرئيس بين أن تكون الديمقراطية نظاما تتحقق فيه وتحمى الحرية أو تتحول إلى ديكتاتورية جماعة أو ديكتاتورية أغلبية أو شبه ديمقراطية في أحسن الأحوال، كما أنه يلعب دورا مهما أيضا في منع تحول الديمقراطية إلى شعبوية أو حكم دهماء أو ديمقراطية طبقية تخدم مصلحة الطبقة الأقوى أو الفرقة الأقوى في المجتمع، وبذلك يكون للليبرالية دور فعال لا غنى عنه في مسألتي العدالة الاجتماعية والكفاءة السياسية، اللتين لا تنفصلان عن حريات وحقوق الإنسان، فضمان حقوق الإنسان في جوانب متعددة منه يرتبط بوجود العدالة الاجتماعية وكفاءة القيادة السياسية، والحرية المتاحة في المجتمع والدولة هي شرط أساسي لازم للعمل من أجل تحقيق هذه وتلك.

ولذا يجب توخي الحذر الكافي من خطر أي طرح أو فهم للديمقراطية لا يراعي أهمية الليبرالية فيها، و"الديمقراطية الانتخابية" التي تختزل فيها الديمقراطية من قبل بعض القوى، من الإسلام السياسي وسواه، هي فعليا ديمقراطية غير ليبرالية، وهي في أحسن أحوالها شبه ديمقراطية إن لم تكن ديمقراطية زائفة.

أما في ما يتعلق بالاعتراضات التي توجه ضد الليبرالية وبشكل رئيس على الصعيدين الأخلاقي والاقتصادي، فيمكن الرد عليها بأن الليبرالية ليس لديها نموذج أخلاقي محدد يجب فرضه في كل المجتمعات، وهي باعترافها بحريات وحقوق الإنسان تعترف تماما بالاختلافات الثقافية وبحق الثقافات المختلفة بالوجود والنشاط ولا تسعى لإلغائها واستبدالها والدليل البسيط على ذلك هو أن المجتمعات الغربية المعاصرة فيها الكثير من الثقافات الوافدة ومن بينها الإسلام، ففي فرنسا وحدها، وفقا لبيانات "مركز بيو للأبحاث" (PEW Research Center) بلغ عدد المسلمين حتى عام 2016  5.7 مليون شخص، أي ما يعادل 8,8% من مجمل السكان([11])، وهي -أي المجتمعات الغربية- تعطي للمسلمين في الغرب إمكانية الحفاظ على إسلامهم ولا تفرض عليهم أي نمط ثقافي أو اجتماعي آخر.

وفيما يخص القومية والدين، فالليبرالية قطعا ليست ضد أي منهما، وهي بالعكس تركز على حماية حرية المعتقد والتنوع الاجتماعي والثقافي، وهذا ما يثبته واقع الحال في الدول الليبرالية المعاصرة، والليبرالية فقط ضد التعصب والتطرف واللاعقلانية سواء في الدين أو القومية، ولن يجادل عاقل في كونها محقة تماما في ذلك.

أما بالنسبة للعلاقة بين الليبرالية والرأسمالية، وهذه مسألة شديدة الأهمية لما لها من تأثير على قضية العدالة الاجتماعية، وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فالليبرالية أيضا ليست مذهبا واحدا في هذا الشأن.

فهناك المذهب النيوليبرالي (Neoliberalism)، الذي يعتبر الاقتصاديان الأمريكي ميلتون فريدمان (Milton Friedman) ([12]) والنمساوي فريدريش أوغوست فون هايك (Friedrich August von Hayek)([13]) من أعمدته، وهو مذهب يقوم على فكرة تحرير الأسواق ومنع تدخل الدولة فيها، ويرفض أي دور للدولة في الاقتصاد كما يرفض أن تضمن الدولة الرعاية الاجتماعية في المجتمع، وهو يعتبر دولة الرعاية الاجتماعية عائقا أمام النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي، اللذين يرتبطان فعليا بحرية السوق بموجب هذا المذهب، وهذا المذهب هو من تسبب بفلتان السوق، وتضخم التفاوت الطبقي وتدني مستوى المعيشة، وأزمة عام 2007 العالمية هي أحد أبرز نتائجه.

مقابل هذا المذهب هناك المذهب الأوردوليبرالي (Ordoliberalism)، الذي يعود الفضل في تطويره إلى الاقتصاديين الألمانيين فالتر أويكن (Walter Eucken) وألكسندر روستوف (Alexander Rüstow)، وهو يعطي للدولة الحق في ضبط عمل السوق دون التدخل المباشر في هذا العمل، كما ويركز على أهمية الدور الرعائي الاجتماعي للدولة، وأهمية العمل على تحقيقي العدالة الاجتماعية، وهذا المذهب هو القاعدة الرئيسة الذي يقوم عليها "اقتصاد السوق الاجتماعي"([14])، الذي تمكن من تحقيق المعجزة الاقتصادية في ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة لودفيغ ايرهارد (Ludwig Erhard).

وهناك أيضا الاقتصاد الكينزي (Keynesian economics)، الذي وضع أسسه الاقتصادي الإنكليزي جون مينارد كينز (John Maynard Keynes)، والذي يركز على وجود دولة قوية، وينيط بها دورا اقتصاديا مهما لمواجهة الكساد  في الأزمات عبر تعزيز الطلب في الأسواق عن طريق دعم دخل المستهلكين([15]).

وكما نرى فالأردوليبرالية والكينزية توليان اهتماما كبيرا للمسألة الاجتماعية وتعتبرانها من مهمات الدولة الأساسية، ومثل هذا الخط في الليبرالية يسمى بــ "الليبرالية الاجتماعية"، ولكن الأمر لا يستنفد هنا، فهناك أيضا "الاشتراكية الليبرالية" (Liberal socialism) التي تقوم على فكرة الجمع بين حسنات كل من الاشتراكية والليبرالية، ومن أشهر أعلامها الفيلسوف والاقتصادي الإنكليزي جون ستيوارت ميل.

ما يعني في المحصلة أن الربط بين الليبرالية وصورة "الرأسمالية المتوحشة" هو ربط تعسفي وسطحي، ولدى الليبرالية الكثير لتقدمه في مسألة العدالة الاجتماعية، التي لا يتناقض معها "مبدأ الليبرالية في حرية الإنسان" من حيث هو مبدأ، وإن كان ممكنا لذلك التناقض أن يحدث بنتيجة مفاعيل بعض أشكال الفهم لهذا المبدأ، كقرن مفهوم الحرية الاقتصادية بالرأسمالية.

ويجدر الذكر في هذا السياق، أن أحد عيوب ديمقراطية الخمسينيات الرئيسة في سوريا كان في عدم إيلائها الأهمية الكافية للبعد الاجتماعي، والقوى الليبرالية التي كان لها دور سياسي قوي فيها تركزت في برجوازية المدن، وركزت اهتمامها على مصالح هذه البرجوازية، وهذا ما أبعدها عن الشرائح الفقيرة الواسعة في الأرياف والأحياء الشعبية، التي تمكن حزب البعث من مد نفوذه فيها بما لديه من توجهات يسارية حينها، وهذا خطأ لا يجوز تكراره.

 

6-بين الأمس واليوم:

إذا ما تأملنا في التجربة السياسية السورية في فترة ما بعد الاستقلال ككل، فسنجد أنها كانت تجربة متميزة متكاملة، سواء على مستوى القوى الليبرالية التي كانت تعمل فيها، أو على مستوى نظام عملها كمنظومة ديمقراطية كلية تشكل ليبراليتها ركنا جوهريا من ديمقراطيتها، فقد تميزت تلك التجربة في سوريا بأنها كانت فعليا تضاهي التجارب المتقدمة من حيث مبادئ وآليات عملها، المتمثلة باحترام قوانين ومؤسسات الدولة، والتداول السلمي للسلطة وجريان الانتخابات بشكل نزيه، واحترام التعدد والاختلاف، وضمان الحريات المدنية والحقوق العامة والخاصة واستقلالية الإعلام، كما تميزت هذه التجربة في سوريا بغناها من حيث التنوع السياسي، ووجود العديد من القوى السياسية المختلفة الفاعلة والناشطة فيها، وعدم وجود هيمنة لطرف محدد فيها، أما القوى الليبرالية المتمثلة بالأحزاب الليبرالية المنظمة كحزب الشعب والحزب الوطني أو بالشخصيات الليبرالية المستقلة، فقد كان لها دور طليعي في هذه التجربة، وقد كان الليبراليون الحزبيون والمستقلون هم فعليا من يقودون سوريا على مستوى رئاسة الجمهورية أو مستوى رئاسة الوزراء، وكانوا شخصيات وطنية حقيقية تحظى باحترام كبير في الأوساط الشعبية، وكان من هؤلاء شكري القوتلي وهاشم الأتاسي وناظم القدسي ورشيد كيخيا وفارس الحلو وخالد العظم وسعيد الغزي وحسن الحكيم وسواهم ممن لعبوا أدوارا مهمة في العمل على تحرير سوريا من الاستعمار الفرنسي، وفي تأسيس وبناء جمهورية ما بعد الاستقلال الحديثة في سوريا، وقد تميزت هذه القوى الليبرالية المنظمة أو المستقلة في سوريا بأنها قوى وطنية داخلية ومستقلة ومرتبطة بالمجتمع السوري وقضاياه، وكان لها حاملها الاجتماعي الخاص المتمثل بشكل رئيس بالبرجوازية الوطنية، وهذه القوى رغم ليبراليتها تمكنت من الموافقة بين الفكر الليبرالي من ناحية وبين الدين والثقافة العربية في المجتمع السوري، ولم تكن ليبراليتها تشكل حالة تناقض أو تنافر مع التقاليد الدينية والثقافية السائدة في المجتمع السوري، رغم أنها كانت قوى تحديثية وتطويرية ولم تكن في حالة انصياع واستلاب لما في هذا المجتمع من مواريث سلبية.

وبالطبع الفضل الأكبر في كل تلك التجربة على مستوييها العام والخاص كان للحالة الوطنية العالية التي كان يحياها المجتمع السوري في مرحلة ما بعد الاستقلال، والتي كانت فيها كل الأحلام الوطنية والديمقراطية والقومية والاشتراكية واقعية في إطار المشروع الأكبر المتمثل ببناء الدولة الحديثة.

لكن بالطبع ككل تجربة كان لتلك التجربة ثغراتها الذاتية، ومن أهمها أن القوى الليبرالية كانت متمركزة بشكل رئيس في برجوازية المدن الكبرى ولاسيما دمشق وحلب، ولم تولِ هذه القوى الاهتمام الكافي للمسألة الاجتماعية ولحاجات الطبقات الفقيرة في الأرياف والمدن الصغرى والأحياء الشعبية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى العديد من القوى السياسية التي شاركت في اللعبة الديمقراطية هي نفسها لم تكن ديمقراطية ولا ليبرالية، وكانت هذه اللعبة بالنسبة لها تكتيكية أكثر منها إستراتيجية، وهذا كان حال القوى القومية واليسارية والإسلامية، التي كان لديها مشاريعها الخاصة غير الديمقراطية كالمشروع العروبي أو الاشتراكي أو الإسلامي، والمرتبطة بشكل جوهري بنموذج دولة الحزب الواحد، ولذا انقلب "حزب البعث" على الديمقراطية العائدة بعد سقوط دولة الوحدة في سوريا عندما أتيحت له الفرصة، ومن ناحية ثالثة.. التجربة الديمقراطية الليبرالية في تلك الآونة كانت ما تزال غضة العود على مستواها كتجربة سياسية أو على مستوى خلفيتها الاجتماعية، حيث كان المجتمع السوري ما يزال حديث العهد في تجربته الديمقراطية، التي لم تتجذر وتُحسم بعد وتصل إلى شط الأمان.

مع  ذلك فكل تلك الثغرات لم تكن قاتلة وكان تجاوزها وتصحيحها ممكنين في التجربة الديمقراطية السورية التي لم تفشل وإنما أفشلت، وقد لعبت في ذلك الظروف الخارجية الدور الرئيس، وكان لنشوء الكيان الصهيوني وانقسام العالم إلى معسكرين متصارعين الدورين الأكبر في ذلك، فهما قد أنتجا من الأخطار والتهديدات الخارجية، ما جعل مسألة الأمن الوطني والقومي تتصدر المشهد السياسي في سوريا وتعلو على كل الاستحقاقات الأخرى، وبذلك تراجعت أهمية الديمقراطية إلى مرتبة ثانوية، وتمكن العسكر والقوى غير الديمقراطية من الاستيلاء على السلطة بذريعة حماية الوطن، التي أعطيت فيها الوطنية مفهوما مختزلا يركز على التصدي المزعوم للاعتداءات والأخطار الخارجية، وهُمشت وأهملت فيها الاستحقاقات الداخلية، وهذا المفهوم الفاسد للوطنية نما لاحقا وتضخم واستمر حتى اليوم، وقد حدث بهذا بفعل الاستبداد والفساد المسيطرين، اللذين من مصلحتهما تكريس واستغلال مثل هذا النمط من الوطنية أو الوطنجية.

أما اليوم، فواقع حال القوى الديمقراطية عموما واللليبرالية خصوصا مختلف جدا على الساحة السورية، التي تفتقد إلى تلك الأجواء الوطنية العالية المستوى كما كان الحال في مرحلة الخمسينات، لكن رغم عقود الاستبداد والإفساد وإفقار البلاد على كافة الصعد اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا وعلميا وأخلاقيا، تمكن الشعب السوري من القيام بانتفاضته من أجل الديمقراطية عام 2011، إلا أن تلك الانتفاضة كانت حركة شعبية بل وشعبوية عفوية وتفتقر إلى معظم إمكانيات العمل المنظم، وهذا بدوره يعود إلى طول وطأة مرحلة الاستبداد وشدة قسوتها، وقد كانت هذه الانتفاضة أيضا محاصرة بقوى داخلية وإقليمية ودولية عاتية، فحرفها كل ذلك عن مسارها الوطني ودفعها إلى العسكرة، ووظفها في لعبة تصفية حسابات المصالح والأطماع الدولية والإقليمية، وأدى ذلك إلى صراع عنيف لم ينته بعد أدى بدوره إلى تقسيم البلاد وألحق بها أضرارا هائلة على كافة الصعد.

وهكذا تجد القوى السياسية الديمقراطية السورية، الليبرالية وغير الليبرالية، نفسها اليوم مضطرة للعمل في مثل هذه الأجواء الكارثية من التقسيم والسيطرة الأجنبية والدمار والنزيف البشري والاقتصادي والتدهور المعيشي والإحباط العام وغياب أفق الحل والخلاص على المدى المنظور، وذلك يعني أنه لا يمكن قطعا استعادة أو إحياء تجربة الخمسينيات بسبب الاختلاف الجذري الهائل في الظروف.

معظم القوى السياسية اليوم سواء في الداخل السوري، في منطقة سيطرة النظام أو ما تبقى من مناطق سيطرة المعارضة، أو في الخارج السوري، هي بشكل عام بدون حوامل اجتماعية وشعبية، والعلاقة بينها وبين الجماهير شبه مقطوعة، وهي تعمل بشكل نخبوي منعزل وفي ظروف افتقار أو انعدام للاستقلالية في معظم الأحيان، فالقوى التي تعمل علنا في الداخل هي مضطرة للعمل بشروط النظام الحاكم في منطقة سيطرته، وهي شروط شديدة الوطأة وتحول العمل السياسي إلى عمل هامشي عقيم، وإن لم تكن القوى السياسية في الداخل مرخصة برخصة النظام المزعومة فسيكون عليها أن تعمل تحت أخطار ملاحقته وبطشه، والحال لا يختلف كثيرا في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة، أما في الخارج فغالبا ما تكون القوى السياسية مضطرة للعمل بشكل يرضي حاضنيها وداعميها الخارجيين ويوافق إراداتهم، وليس وفق إرادتها وما يناسب الحاجة السورية، وعدا عن كل ذلك فالساحة الشعبية اليوم بسبب استمرار مفاعيل عقود الاستبداد والإفساد التي لم تنته بعد، وبسبب الدمار والتدهور المعيشي، هي اليوم غالبا في حالة مستفحلة من اللامبالاة والعزوف عن النشاط السياسي، وفقدان الثقة بجدوى هذا العمل، وهذا ما يضاعف حجم المصاعب والعقبات التي تعرقل عمل القوى الديمقراطية في سوريا.

مع ذلك.. وبالرغم من كل تلك الحيثيات السلبية الجسيمة، فقد تمكنت الانتفاضة السورية من إحداث متغير إيجابي كبير، وهو يتمثل في إطلاقها وتحريكها لعجلة التغيير، التي مازالت تتحرك، ويبدو واضحا أن إيقافها وإعادتها إلى حالة السكون باتت مستحيلا، فقد تلاشت حالة الثبات والركود التي كانت الديكتاتورية تنعم فيها وتزعزعت معها أركان هذه الديكتاتورية  نفسها واتضح فعليا كم هي هشة ورخوة وغير قادرة على الاستمرار.

ورغم الاختلافات الكبيرة بين الوضع السوري الراهن والوضع السوري في مرحلة الاستقلال، فثمة أمر يتشابه فيه الوضعان، فنشاط القوى السياسية في مرحلة الاستقلال انقسم بدوره إلى مرحلتين، الأولى تضمنت العمل على تحقيق الاستقلال، وهذا ما اجتمعت عليه واشتركت فيه كل القوى الوطنية حينها، والثانية تلتها بعد تحقيقه، وهي مرحلة العمل على بناء الدولة السورية الحديثة، وفيها اختلفت هذه القوى، واتبع كل منها الأسلوب الذي يراه أنسب في إطار وطني ديمقراطي عام، واليوم، على كل القوى الوطنية أن توحد جهودها للخلاص من الاستبداد الداخلي والتدخل الخارجي، وهذه مرحلة، وبعد أن يتحقق ذلك، تبدأ مرحلة إعادة بناء الدولة السورية الحديثة، التي يمكن فيها للقوى السياسية الوطنية أن تختلف في رؤاها للديمقراطية والليبرالية وسواهما، وسبل تحقيقهما، لكن ذلك لا يعني إرجاء امتلاك الرؤية الواضحة إلى إشعار آخر، والمطلوب بلورة هذه الرؤية بشكل جلي منذ اليوم.

 

7- خلاصة:

في الخلاصة يمكن القول أن الديمقراطية التي يتفق عليها اليوم كل من يريدون بناء الدولة الوطنية، الحديثة والعصرية، في سوريا، تقتضي رسم صورة واضحة للديمقراطية، وموقع الحريات وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية في هذه الديمقراطية، وهنا يمكننا القول أننا نحتاج إلى "ديمقراطية ليبرالية" حقيقية، ولكن ليس من النوع "النيوليبرالي" الذي أوقع حتى مجتمعاته المتقدمة في مأزق وجعلها ساحة مناسبة لنمو الشعبوية والتطرف اليميني، بل ليبرالية من النموذج الذي يولي الأهمية الكافية لحريات وحقوق الإنسان، ويعطي المسألة الاجتماعية الاقتصادية حقها من الاهتمام، ولذلك يجب التركيز على ديمقراطية سورية ذات بعد اجتماعي يركز بدوره على نموذجي الليبرالية الاجتماعية أو الاشتراكية الليبرالية وفق منظور سوري ينطلق من حيثيات وخصوصيات الواقع السوري، ويستفيد من التجربة السورية السابقة ومن تجارب الآخرين دون أن يكررها أو يستوردها.

فالديمقراطية الحقيقية لا يمكن فصلها عن الليبرالية التي تعني ضمان الحريات والحقوق الإنسانية، وهذا لا يتحقق إلا في ليبرالية اجتماعية تولي القضايا الاجتماعية الاهتمام الكافي، وبالتالي تكون الديمقراطية المطلوبة في سوريا هي ديمقراطية ليبرالية اجتماعية، لا نقص في ليبراليتها ولا في اجتماعيتها.



[1] - منير البعلبكي، "المورد القريب قاموس، جيب إنكليزي-عربي"، دار العالم للملايين، لبنان، 1998، ص 231.

[12] - أولريش شيفر، انهيار الرأسمالية، ترجمة د.عدنان عباس علي، سلسلة عالم المعرفة –العدد 371، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، كانون الثاني\يناير-2010، ص 40.

[13] - المرجع السابق، ص 41.

[14] - المرجع السابق، ص 37-40.


 

*

البحث منشور في مركز "حرمون" 

الليبرالية في سورية بين الأمس واليوم

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق