الدولة المدنية هل هي الخيار العربي الصحيح؟
رسلان عامر
مقدمة:
جاءت حركات الربيع العربي تعبيرا موضوعيا محتما عن حالة الأزمات المستفحلة في المجتمعات العربية الراهنة، وغلب عليها الطابع الشعبوي غير المنظم، ما جعل الإسلام السياسي فيها غالبا يستأثر بالسيطرة عليها، وأدى في المحصلة إلى عدم تحقيقها الكثير مما هو مطلوب لوضع المجتمعات العربية على سكة التطور العصري الحديث.
طرحت قوى الإسلام السياسي مشروع حلها الإسلامي الذي لاقى في المحصلة الفشل، ولكن هذا لا يعني أن المشكلة قد حلت، فتلك الفورة للإسلام السياسي لم تكن هي أساس المشكلة، ولكنها كانت نتيجة حتمية من نتائجها، ومشكلة التخلف والتأزم هذه ما تزال قائمة، بل وزاد سوءها كثيرا نتيجة للصراعات التي أدت إليها محاولات التغيير في العديد من المجتمعات العربية.
وخلال الجدل حول الحل المطلوب، الذي مايزال مطلوبا، وبات ملحا أكثر من ذي قبل، كثيرا ما كان ومايزال يطرح مصطلح "الدولة المدنية" كحل لأزمة المجتمعات العربية، وكثيرا ما اختلفت حوله وجهات النظر وتعددت الرؤى والمفاهيم، وهذه الدراسة تبحث في مفهوم الدولة المدنية ومدى واقعيته كطرح لحل أزمة المجتمعات الغربية والانتقال بها إلى مسار التطور العصري الفعلي.
1- ما هو مفهوم "الدولة المدنية"؟
كما هو حال المصطلحات الأخرى كـ "العلمانية" و"الديمقراطية" و"الاشتراكية" وسواها، ليس هناك تعريف أو مفهوم جامع متفق عليه للدولة المدنية، ومفهومها يختلف وفقا لثقافة أو فلسفة أو عقيدة الشخص أو الجهة التي تعرفها، من ذلك مثلا:
يقول الدبلوماسي والسياسي الأردني الدكتور مروان المعشر: «الدولة المدنية هي تلك التي تحكمها دساتير وقوانين تضمن الحريات الفردية كما حريات كافة مكونات المجتمع، وهي الدولة التي يشكل دستورها المظلة الأوسع للناس، فتمارس تحت كنفها حرية المعتقد والدين والفكر، لا تفرض فيها فئة على أخرى ماذا تفكر أو تلبس أو تعتقد، ولا يتغول فيها أحد على الأخر. والدولة المدنية دولة مؤسسات، يتم فيها تطوير السلطات التشريعية والقضائية حتى نصل إلى نظام من الفصل والتوازن لا يسمح لسلطة بالتغول على أخرى. والدولة المدنية دولة قانون، يسري فيها القانون على الجميع بغض النظر عن مكانتهم أو منصبهم أو نفوذهم أو أصولهم».
ويرى د. معشر أن الدولة المدنية ليست نقيضا للدولة الديينة، بل للدولة السلطوية المتسلطة، وأنه لا تعارض على الإطلاق بين الدولة المدنية والإسلام، وذلك خلافا لما يريد البعض تصويره لتحقيق مآربهم على حساب باقي الناس، وأن مفهوم الدولة الدينية ظهر في الإسلام مع بدعة ولاية الفقيه في إيران.. فيما لم يناد المسلمين بدولة دينية منذ بدء الدعوة قبل ذلك، كما يركز على اقتران وتلازم الدولة المدنية مع الديمقراطية التي تعني سيادة القانون واحترام الحريات وتداول السلطة والاحتفاء بالتعددية الإثنية والدينية والفكرية والجندرية للمجتمع([1]).
أما الكاتبة السورية والمحامية والسجينة السياسية السابقة سحر حويجة، فتقول:
«الدولة المدنية هي دولة لا عسكرية ولا دينية، ينعم فيها المواطنون بالحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، تسودها قيم الثقافة المدنية: كالتسامح وقبول الآخر والثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة. ومن مبادىء الدولة المدنية:
-مبدأ المواطنة الذي يعني أن الفرد لا يُعرّف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، أو بجنسه، وإنما يُعرّف تعريفاً قانونياً اجتماعياً بأنه مواطن وعضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات.
-مبدأ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
ومن المبادئ الهامة في الدولة المدنية أيضاً، أنها لا تتأسس بخلط الدين بالسياسة. كما أنها لا تعادي الدين أو ترفضه. حيث أن ما ترفضه الدولة المدنية هو استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، فذلك يتنافى مع مبدأ التعدد الذي تقوم عليه الدولة المدنية»([2]).
ويقول الشيخ عبدالله اليوسف:«الدولة المدنية كتعبير حديث عن عصرنة الدولة وتحديثها بما يتلاءم مع التغيرات الجديدة،لا تتعارض مع تطبيق الشريعة الإسلامية، مادامت الدولة مرجعيتها الإسلام، أو هكذا يجب أن تكون في البلاد الإسلامية، فالدولة الحديثة بما فيها من آليات ونظم وقوانين إذا لم يكن فيها ما يتعارض مع ثوابت الإسلام الكلية فلا يوجد ما يمنع من تطوير الدولة والاستفادة من تجارب الأمم المتقدمة كمنجز إنساني يجب استثماره لصالح تقدمنا وتطورنا»([3]).
فيما يقول الكاتب والمختص في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية حسني الخطيب بهذا الشأن: «أهم خصائص الدولة المدنية هو التمييز بين المجال العام والمجال الخاص، وعدم خَلْط الدين بالسياسة، وليس من وظائفها أيضاً مُعاداة الدين كما يذهب إلى ذلك خصومها، لكن من واجباتها وضع مسافة واحدة بينها وبين الأديان، وعدم السماح باستغلال الدين أو استخدامه لأغراضٍ خاصةٍ أو سياسيةٍ، مع تأكيد الاحترام لجميع الأديان وحق الإنسان في العِبادة وممارسة الشعائر والطقوس بحريةٍ ومن دون قيود، وذلك بما يُحدّده القانون العام الحاكِم، أي عدم التجاوز على حقوق الغير...»، ويضيف الخطيب: «وأياً كانت الآراء والدعوات بالإنكار أو بالتغريب أو غيرها، فإنها جميعها بعيدة عن مفهوم الدولة المدنية، التي تقوم على العقلانية واستيعاب التُراث وإسهامات المُبدعين المسلمين لتجاوز الإنكارية والإقصائية الاغترابية في آن واحد، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تطوير النقاش بشأن بعض قواعد الحُكم في الإسلام، سواء ما يتعلّق بمبادئ الشورى والاستخلاف والبيعة وأهل الحلّ والعقد، وصولاً إلى الديمقراطية وقواعدها العامة ومُراعاة الخصوصيات واحترام الهويات»([4]).
وبالمقارنة بين التعاريف المذكورة يمكن القول أن د. معشر، وهو مولود لأسرة مسيحية في عمّان، يقدم مفهوما للدولة المدنية يتطابق مع الدولة الديمقراطية الحديثة، لكنه لا يتضمن أي تصريح أو إشارة دقيقين إلى العلاقة بين الدولة والدين. أما مفهوم الدولة المدنية الذي تقدمه الأستاذة حويجة فهو لا يختلف عن مفهوم الدولة العلمانية الليبرالية، كما نجد أن مفهوم حسني الخطيب لهذه الدولة شديد القرب من تعريف السيدة حويجة، ويمكن القول أنه يتحدث عن "شكل من العلمانية الليبرالية ذات خصوصية ثقافية عربية إسلامية"، أما مفهوم الشيخ اليوسف فهو يدل على دولة حديثة ذات مرجعية إسلامية بدرجة أو بأخرى، وفيما يلتقي تعريفا سحر حويجة وحسني الشريف على عدم خلط الدين بالسياسة، وهذا مبدأ علماني يعبر عنه في العلمانية بوضوح بـ "فصل الدولة عن الدين" فهما يختلفان عن تعريف الشيخ اليوسف، الذي لا يفعل ذلك، ويبقي الصلة بين الدين والدولة عبر مقولة "المرجعية أو التوافق أو عدم التعارض"، إلا أنه يشترك معهما في رؤية "الدولة المدنية" كـ"دولة حديثة" تقوم على القوانين والنظم والتجارب الإنسانية المتقدمة.
ويمكن القول أن ما تشترك به كل تلك التعاريف، التي لا تستنفد كل أشكال تعريف الدولة المدنية عربيا، ولكنها فقط تشكل بعض العينات منها، هو حداثة وديمقراطية الدولة، ولكنها تختلف في علاقة الدين والدول، وفي هذا الشأن يذهب د. جابر عصفور إلى أقصى درجات المقاربة بين الدولة المدنية والدولة العلمانية، فيقول في مقالة منشورة له مؤخرا له بعنوان" الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة": «ينبغى أن نضع فى اعتبارنا أن مصطلح مدنية فى هذا العنوان لا يختلف كثيرًا عن مصطلح علمانية، فكلاهما يتحدان فى الدائرة الدلالية التى تشير إلى معنى واحد، هو فصل الدين عن الدولة، وتأكيد حقوق المواطنة لجميع المواطنين بالمساواة الكاملة بينهم بغض النظر عن عقائدهم أو مكاناتهم الاجتماعية أو أصولهم العِرقية... للأسف يحاول بعض المتطرفين من السلفيين أو من بقايا الإخوان الذين يلبسون أقنعة التَّقِيَّة، استغلال أية فرصةٍ مُمكنةٍ لزعزعة معنى الدولة المدنية، أو التشويش على هذا المعنى، ولكن حقيقة معنى الدولة المدنية تظل هى الفاصل الحاسم بين الدين والدولة... والصفة الديمقراطية تعنى فى جانبها المدنى، إلغاء أية سُلطة سوى سُلطة القانون أو الدستور، ومن ثم فإن ادعاء البعض بأن الأزهر أو الكنيسة بأنه سُلطة دينية موازية لسُلطة الدولة إنما هو ادعاء باطل..»([5]).
2-المصطلح بين العرب والغرب:
يجمع العديد من الباحثين العرب على أن مصطلح الدولة المدنية هو مصطلح عربي حديث، وهو غير مستخدم في الغرب للدلالة على شكل من أشكال الدولة أو أنظمة الحكم، فالغربيون لا يستخدمون في الفلسفات السياسية والعلوم الإنسانية لهذا الغرض مصطلحي (civic state) أو (civil state) اللذين يقابلان "الدولة المدنية" بالعربية، وللدلالة على الدولة الحديثة هم يستخدمون مصطلحات مثل "الدولة الديمقراطية" و"الدولة اللائكية" و"الدولة العلمانية" و"الدولة ما بعد العلمانية"، ولكن تجدر الإشارة أن صفة مدني تستخدم في مصطلح "المجتمع المدني" الذي يفهم كقطاع اجتماعي مستقل عن مؤسسة الدولة، وأن الفيلسوف جون لوك استخدم مصطلح الحكم المدني في رسالتيه "في الحكم المدني" الصادرتين عامي 1684 و1685.
وبهذا الشأن يقول الأكاديمي والسياسي رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية: «الفقيه الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين هو الذي جدَّد في ثمانينات القرن الماضي تسمية الدولة المدنية. وعنى بها الردَّ على نظام ولاية الفقيه، وعلى الحكم العسكري الاستبدادي... وكان الشيخ شمس الدين يعتبر أنّ الأجواء قد تسممت بقضايا مخترعة مثل الحاكمية وتطبيق الشريعة وولاية الفقيه، وأنّ المشكلة الآن: الخروج من الاستبداد، واستعادة الدولة الوطنية لقوامها المدني وعلائقها بالناس، وبالعالم من حولنا»([6]).
وتقول الباحثة ياسمين أبوالحجاج عبدالراضى: «فى الحقيقة لا وجود لمصطلح الدولة المدنية فى مجال العلوم السياسية ومصطلح "الدولة المدنية" ليس مصطلحا متعارفا عليه، فهو ليس له أثر فى مراجع المصطلحات ومفاهيم العلوم السياسة ولا فى مراجع ومصطلحات علم الاجتماع ،حيث تشير تلك المراجع إلى مصطلح ”مجتمع مدنى“ وليس دولة مدنية، فلم يعد مفهوم الدولة المدنية اصطلاحا مجردا وإنما صار اصطلاحا محملا بالدلالات التى حملها من البيئة التى قدم منها»([7]).
كما يقول الكاتب الإسلامي محمد بن شاكر الشريف: «بالتقليب في كتبنا السابقة التي تحدثت عن الأحكام السلطانية أو السياسة الشرعية لا نجد لهذا المصطلح وجوداً مع أن مفرداته: "الدولة" و"المدنية" هي من مفردات لغتنا، مما يتبين معه أن المصطلح مستورد من بيئة غير بيئتنا ـ وهذا في حد ذاته ليس عيباً، لو أنه كان لا يحمل مضموناً مخالفاً لما هو مقرر في ديننا ـ وعليه فإن محاولة البحث عنه في تراثنا لن تجدي شيئاً، وعلينا أن نبحث عن معناه في البيئة التي ورَّدته إلينا، ثم ننظر في معناه في تلك البيئة: هل يناسبنا فنقبله، أم يتعارض مع ديننا فنرفضه؟»([8]).
ويضيف الشريف نقلا عن د. محمد عابد الجابري: »الدولة المدنية: "هذا مفهوم مترجم ومعرب من الثقافة الغربية الحديثة، ويقصد به الدولة التي تستقل بشؤونها عن هيمنة وتدخل الكنيسة؛ فالدولة المدنية هي التي تضع قوانينها حسب المصالح والانتخابات والأجهزة والتي فـي نفـس الـوقـت لا تخضع لتدخلات الكنيسة"»([9]).
فيما يقول الكاتب والباحث في الدراسات الإسلامية إحسان طالب: »الدولة المدنية: هو مصطلح سياسي مستحدث طرح في أروقة الشارع السياسي العربي والإسلامي لم يكن موجودا في علم السياسية قبل ثورات الربيع العربي، أول من طرحها الإخوان المسلمين وتم التوافق على أنها: الدولة ذات المرجعية المدنية بعيدا عن المرجعية الدينية والعسكرية، يعني دول لا يحكمها رجال الدين ولا العسكريون، والحقيقة هو مصطلح غير دقيق وبحاجة لمزيد من البحث، لكنها فكرة توافقية بين العلمانيين والإسلاميين ويقصد به: نظام الحكم في دولة لا يسيطر عليه العسكر ولا يقوها فرد مستبد»([10]).
3-الدولة المدنية من منظور فقهي شرعي:
يقول الشيخ يوسف القرضاوي: «الدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرفها تاريخ المسلمين دولة مدنيّة، تقوم السلطة بها على البَيْعة والاختيار والشورى والحاكم فيها وكيل عن الأمة أو أجير لها، ومن حق الأمة ـ مُمثَّلة في أهل الحلِّ والعَقْد فيهاـ أن تُحاسبه وتُراقبه، وتأمره وتنهاه، وتـُقوّمه إن أعوجَّ، وإلا عزلته...أما الدولة الدينية "الثيوقراطية" التي عرفها الغرب في العصور الوسطى والتي يحكمها رجال الدين، الذين يتحكَّمون في رِقاب الناس ـ وضمائرهم أيضًا ـ باسم "الحق الإلهي" فما حلُّوه في الأرض فهو محلول في السماء، وما ربطوه في الأرض فهو مربوط في السماء! فهي مرفوضة في الإسلام، وليس في الإسلام رجال دين بالمعنى الكهنوتي، إنما فيه علماء دين...ليس لهم سلطان على ضمائر الناس، ودخائل قلوبهم، وهم لا يزيدون عن غيرهم من الناس في الحقوق... ومن ثَمَّ نُعلنها صريحة: نعم.. للدولة الإسلامية، ولا ثم لا.. للدولة الدينية "الثيوقراطية"»([11]).
فيما يقول أ.د. جعفر شيـخ إدريـس: »الدولة الإسلامية هي إذن بالضرورة دولة دينية؛ لكنها ليست دولة ثيوقراطية لأن الحاكم فيها لا يحكم فيها بأوامر أو أخبار يتلقَّاها من الله - تعالى- مباشرة؛ وإنما يحكم بنصوص مكتوبة يستوي هو وغيره في إمكان معرفتها؛ ولذلك يمكن أن يحاسَب ويمكن للناس أن يختلفوا معه. وهو في هذا يشبه الحاكم في الدولة التي تسمى بالمدنية؛ لأن هذا الأخير إنما يحكم في إطار قوانين يستوي هو وغيره في معرفتها، وفي إطار صلاحيات حُدِّدَت له. ربما كان هذا الذي ذكرناه هو السبب في قول بعض الإسلاميين في أيامنا هذه بأن الدولة الإسلامية ليست دولة دينية بمعنى؛ وإنما هي دولة مدنية. لكن الكلام بهذا الإطلاق ليس صحيحاً؛ بل ربما كان فيه عدم بيان لمعنى الدولة المسلمة... الدولة الإسلامية ليست دينية بالمعنى الثيوقراطي للدولة الدينية...»، والدولة الدينية بالمعنى الثيوقراطي برأيه يوضحه قوله: »كون الدولة دينية بهذا المعنى الغربي إذا كان حاكمها أو حكامها يزعمون أنهم يصدرون في كل ما يقولون ويفعلون عن وحي من الله - تعالى - إليهم مباشرة. ولذلك لا يمكن مناقشتهم أو محاسبته»([12]).
ويقول الدكتور عبد الله الصبيحى: »الدولة في الحضارة الغربية يمكن أن توصف بأنها مدنية ـ civil state ـ أو دينية ـtheocratic state ـ وهذا الوصف له أصوله الفلسفية، وله خلفيته التاريخية الخاصة بالحضارة التي نشأت فيها المصطلحات، الدولة المدنية في التصور الغربي هي نقيض الدولة الدينية، وكلاهما يعكسان إشكالية كان يعيشها المجتمع الغربي في فترة مضت، ولا علاقة للمفهومين بالنظام السياسي في الإسلام البتة، الدولة الدينية في الحضارة الغربية تعني تحديدا سلطة الكنيسة وأن الحاكم إنما يعبر عن إرادة الله عز وجل ولا يحق لأحد مراجعته وعلى الشعب التسليم بما يصدر عنه من قرارات، وهي بهذا تستبعد سلطة الشعب في محاسبة الحاكم ومراقبة أدائه، والدولة المدنية نقيض ذلك تماما فهي تؤكد سلطة الشعب، أو سلطة الإنسان، وترفض أي سلطة خارج ذلك بما في ذلك سلطة الدين، أو الكنيسة، ووصف الدولة في الإسلام بأنها دولة مدنية، أو دينية ـ ثيوقراطية ـ هو في الحقيقة وصف لها بغير ما هي به...»([13]).
وكما نرى فالآراء الواردة أعلاه تجمع على وجوب "إسلامية الدولة" في الشرع الإسلامي، ولكن بما أنها تعطي للمحكوم إمكانية اختيار ومساءلة ومحاسبة وتقويم الحاكم، فهذا يجعلها مختلفة كثيرا عن الثيوقراطية الغربية التي يحكم فيها الكهنة بذريعة "الحق الإلهي"، فلا يُساءلون أو يُحاسبون.. ودور الحاكم هذا يجعل مقاربة "الدولة الإسلامية" بهذا الشأن أقرب نسبيا إلى الدولة الحديثة التي يكون فيها الحاكم مختارا من قبل الشعب ومسؤولا أمامه، وهكذا ينشأ الخلاف حول قابلية "الدولة الإسلامية" للوصف بـ "المدنية" أو بـ "الدينية"، وهذا عائد إلى المفهوم الذي يستخدم به كل من هذين الوصفين، فإن كانت "الدينية" تعني"الثيوقراطية" بشكلها الغربي فهي برأي البعض ليست دينية، بل مدنية، فيما يرى آخرون أنه يجب تسميتها بالدينية لأنها تقوم على الدين الإسلامي وليس على شرائع وفلسفات لادينية كما هو حال الدولة الغربية الحديثة، فيما يرى سواهم أن الدولة الإسلامية ليست دينية ولا مدنية لأنها تختلف جذريا عن كل من الدولة الثيوقراطية الكنسية والدولة العلمانية المدنية في الغرب.
4-إذا ماذا يعني مصطلح "الدولة المدنية" على أرض واقعه؟
كما رأينا في ما تقدم من عينات يحمل مصطلح "الدولة المدنية" معان عديدة، ويمكن إيجازها عموما في ما يلي:
1-هي برأي فريق الدولة الإسلامية الحقيقية، بما هي دولة غير كهنوتية ويتحمل فيها الحاكم المسؤولية أمام شعبه ويحاسب من قبل أهل الحل والعقد فيه.
2-هي برأي فريق آخر دولة ديمقراطية ذات مرجعية إسلامية، أي تسن قوانينها في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية، ولكنها لا تطبق الحدود الإسلامية بحرفيتها، فهي مثلا تسجن السارق ولا تقطع يده، وبذلك تحقق مقصد الشريعة في محاسبة السارق دون تنفيذ حد السرقة بحذافيره.
3-هي برأي فريق ثالث دولة هجينة يتوافق فيها العلمانيون والإسلاميون وغيرهم من القوى السياسية على شكل حكم مختلط يرضيهم جميعا.
4-هي برأي سواهم دولة علمانية تمنح بعض الخصوصيات القانونية ذات الأساس الديني لمواطنيها.. مع توفير بدائل قانونية علمانية لمن لا يريد التزام بها من هؤلاء المواطنين، كالقبول برسمية الزواج الديني مثلا إلى جانب الزواج المدني.
5-هي برأي فريق آخر، فقط الدولة العلمانية المحضة التي تفصل بن الدين والدولة، وتحتكر فيها الدولة كل السلطات، ولا تشاركها في ذلك أية مؤسسة أخرى، ولا تتدخل في عملها أية مرجعيات.
وعليه.. فثمة مجال واسع من الاختلاف بين الطروحات المختلفة، تتماهى الدولة المدنية في بعضها مع الدولة الإسلامية، فيما تتماهى في بعضها الآخر مع الدولة العلمانية في سواها، وتتموقع بينهما بشكل فضفاض برأي فرقاء آخرين، وعن هذا يقول الباحث أحمد محمد سعيد السعدي: «أما مصطلح "الدولة المدنية" فهو من أكثر المصطلحات جدلية في ثقافتنا المعاصرة، ولا تكاد ترى باحثين من تيارين مختلفين يقدمان تعريفا واحدا أو يبينان مفهوما متفقا عليه حوله...»([14]).
ذاك يعني في المحصلة أنه ليس هناك تعريف أو مفهوم محددان متفق عليهما للدولة المدنية، وهذا يعني بدوره أن الأمر سيغدو ملتبسا أكثرا عند السعي لبناء هذه الدولة، التي يمكن لكل طرف أن يحاول بناءها اعتمادا على فهمه الخاص لمدنية الدولة، وهو كما رأينا فهم خلافي يمتد بين الإسلامية والعلمانية، وبذلك يصبح فيه ممكنا مثلا إنشاء دولة دينية إسلامية ووصفها تماما بالدولة المدنية وفقا لمفهوم بعض الإسلاميين، ولكن يمكن بنفس الوقت نفي صفة "المدنية" كليا عن هذه الدولة وفقا لمفهوم العلمانيين وسواهم ممن لديهم فهما مختلفا لأطروحة الدولة المدنية.
وهكذا يمكن أن نجد في المحصلة أنفسنا نتعامل مع أطروحة إشكالية، ولا تصلح خيار أو حلا لأزمة الواقع العربي، كونها هي نفسها في واقع الأمر تحتاج إلى حل!
فما هو هذا الحل إذن؟
5- لماذا الدولة المدنية؟
للإجابة عن السؤال المطروح أعلاه لا بد من الإجابة عن هذا السؤال أولا.
عن نشأة وتطور مصطلح الدولة المدنية يقول أحمد محمد سعيد السعدي: «شاع بعد سقوط الخلافة العُثمانيَّةِ مصطلحُ الدولة المدنيَّة بين الباحثين العرب إسلاميين وعلمانيين، وزادت حدَّة النقاش حول هذا المصطلح بعد ما جرى في السنوات الأخيرة من تغيرات مفاجئة في عالمنا العربي»([15])، وكما نرى في هذا الرأي وما سبق ذكره من آراء، فهذا المصطلح ارتبط دوما بمسألة بناء الدولة العربية الحديثة، وهذا ما استمر عليه حاله عند انطلاقة حركات الربيع العربي التي سعت إلى نفس الغاية، ويمكن القول بشكل عام أنّ أطروحة الدولة المدنية تأتي في هذا السياق كخيار عربي ذي خصوصية عربية، لا يراد فيه تقليد الدولة الغربية الحديثة من منطلق يجمع بين الخصوصيتين العربية والإسلامية المرتبطتين من جهة، ويقدم مخرجا وسطيا لحالة الاستقطاب المتكررة بين الطرفين الإسلامي وغير الإسلامي من جهة أخرى، وهكذا، ورغم إشكاليتها وعدم وضوح العلاقة بينها وبين الدين، تحقق أطروحة الدولة المدنية، بما هي في خطوطها العريضة دولة تحاكي الدولة الحديثة وتتوسط بين المواقف المختلفة المتباعدة في الواقع العربي، عدة أمور مجتمعة لا تتحقق في غيرها من الأطروحات، وهي أنها:
1- تتناسب مع طبيعة المجتمع المتدين، غير الجاهز بعد لتقبل فكرة وعملية فصل الدولة عن الدين العلمانيتين، ولاسيما أن القوى الإسلامية في هذا المجتمع قوية الحضور وشديدة النفوذ، وهي لا تقتصر على "تنظيمات الإسلام السياسي" وحدها، فالمؤسسة الدينية التقليدية المتغلغلة في نسيج المجتمع هي أكثر قوة وتأثيرا بكثير من حركات الإسلام السياسي، ولاسيما أن هذه المؤسسة عادة ما تكون متحالفة مع مؤسسة السلطة، كما أن الأسرة التقليدية نفسها هي نفسها ما تزال أيضا تشكل بثقافتها وتربيتها وتقاليدها قوة من القوى الإسلامية الرئيسة.
2- تلبي تطلعات الفئات غير الإسلامية كالمسيحيين والعلمانيين العرب، والمسلمين المعتدلين وغير المحافظين والعصريين، الذين يخشون الدولة الدينية، ويرتبط لديهم مفهومها بالتشدد والتطرف والفئوية، ويرونها "دولة المتشددين أو المتطرفين"، التي يتعرضون فيها إما إلى القمع أو إلغاء الهوية أو الانتقاص أو التهميش أو كل ذلك.
3- تخرج القوى المختلفة في المجتمع من حالة الخصام والمواجهة التي يمكن أن تتفاقم إلى حد الصراع، وتستبدلها بحالة من التعايش والقبول المشترك، بل وتفتح أمامها إمكانية التعاون.
4- لا تتناقض مع مسألة الهوية، فبعض المسلمين مثلا قد يجد أن الدولة العلمانية دولة لا تتوافق أو تتعارض مع هويتهم كمسلمين، وهذا ما قد يحس به أيضا بعض العروبيين التقليديين الذين لا تنفصل لديهم العروبة عن الإسلام وكثيرا ما يرون في العلمانية تغريبا؛ وبالمقابل فالمسيحي والعلماني العربيان مثلا سيجدان نفسيهما غريبين في الدولة الإسلامية ذات الهوية المختلفة عن هويتيهما، بل وحتى المسلم المعتدل أو غير المحافظ يمكن أن يعاني من هذا الاغتراب فيشعر أنّ الدولة الدينية رغم إسلاميتهما هي ليست "دولة كل المسلمين"، ولكنها فقط "دولة الإسلاميين" أو دولة فئة متشددة أو متطرفة من الإسلاميين وحسب.
5- الدولة المدنية تستطيع التوافق مع العصرية والديمقراطية والحداثة بمعناها الموسع وسوى ذلك من مظاهر العصر الحديث، وهذا ما لا تستطيعه الدولة الدينية، فالدولة الدينية هي دوما ذات طبيعة مذهبية معتقدية محددة مشدودة بقوة إلى الماضي، وقدرتها على قبول الاختلاف محدودة، ولا يصعب عليها أن تنزلق إلى دركات التطرف والوقوع في سياسات التكفير وإلغاء الاختلاف وتقييد العقل والعلم.
وهكذا يمكن القول أن الدولة المدنية هي الأقدر في ظروف المجتمعات العربية الراهنة من الدولتين العلمانية والإسلامية على أن تكون "دولة جميع المواطنين" المقبولة من أكثرية المواطنين، وهي الأنسب بكثير من الدولة الإسلامية لموافقة ومواكبة العصر الحديث وما فيه من تطورات كبيرة متعددة ومتنوعة الصعد.
6- إذن ما هو حل الخلافات المفاهيمية المرتبطة بالدولة المدنية؟
إن الرأي الذاهب إلى المطابقة بين الدولة المدنية والدولة الإسلامية أيا كانت حجج ومبررات أصحابه من الإسلاميين، هو رأي لا يتفق معهم عليه غيرهم من الإسلاميين، ولا يقبله منهم غير الإسلاميين وغير المسلمين العرب، الذين يريدون دولة يحسون فيها بالقدر الكافي من الأمان والانتماء، والذين تعني مدنية الدولة بالنسبة لهم حكما "لاإسلاميتها"، وبالمقابل فالمطابقة التامة بين علمانية ومدنية الدولة هي أيضا سلوك جهوي لن يجد قبولا عند القوى الإسلامية في المجتمع التي لن تجد ما يعبر عنها ويمثلها في هذا المفهوم لمدنية الدولة، بل وستجده متنافيا مع مفهومها وتصورها للدولة وللمدنية.
لن تكون مدنية الدولة قابلة للتوافق والالتقاء بين التيارات المختلفة في المجتمع إن هي تطرفت أو تحيزت في الاتجاه الإسلامي أو الاتجاه العلماني، ولن تكون في هذه الحالة حلا بل إضافة للمشكلة، ولكي تكون مدنية الدولة حلا، فهي يجب أن تكون ملتقى وسطيا وتوافقيا تلتقي فيه التيارات والمكونات المختلفة.
لكن هنا يجب الحذر من الفهم الخاطئ لمفاهيم الوسطية والالتقاء والتوافق، التي يمكن أن تتحول إلى عملية مساومة بين القوى المختلفة وتتم على شكل تقديم تنازلات وتحقيق مكاسب متبادلة على حساب مصلحة الشعب والمجتمع، وهذا فعليا لا ينتج حالة مدنية وسياسية صلبة، وإنما صفقات سياسية هشة، وتصبح الدولة الناتجة عنه عبارة عن "بازار سياسي".
ولكي تـَكون مدنية الدولة أساسا راسخا ومتينا لهذه الدولة، ولا تكون فيها الوسطية وسطية تنازلية ومكاسبية، فهي يجب ألا تقوم على عملية تهجين بين العلماني والإسلامي.. ولا على عملية تركيب تلفيقي مفتعل لعناصر علمانية وإسلامية.
مدنية الدولة يجب أن يكون لها أساسها الذاتي الخاص المستقل والمتين، الذي يجعل منها طرحا واقعيا قابلا للتأسيس لمبنى الدولة الحديثة، وبشكل مستقل عن كل من "العلمانية" و"الإسلامية"، فكل من العلمانية والإسلامية هما أطروحتان مستقلتان بدورهما وبحد ذاتيهما، وكل منهما تعرّف وتعرف بخصائصها الذاتية، أي "بما هي" وليس "بما ليست هي" أو "بما تتناقض أو تتنافى فيه مع سواها"، ولكنهما أطروحتان شديدتا الخلافية لما بينهما من بعد وخلاف كبيرين، وابتعاد عملي عن الواقع الاجتماعي الراهن وممكناته الفعلية، وهذا يعني أن الأطروحة المدنية يجب أن تنطلق ليس من ضرورة التوفيق بين الإسلاميين والعلمانيين في المجتمع، وإنما من ضرورات المجتمع المتكاملة التي تشكل ضرورة التوفيق بين الإسلاميين والعلمانيين واحدة منها وحسب.
بهذا الشكل يمكن تقديم أطروحة مدنية واقعية متكاملة تنطلق من الواقع وضرورات الواقع وممكنات الواقع، وتسعى لتقديم حل ممكن وسليم لمشاكل هذا الواقع.
وهكذا سيكون علينا العودة إلى الواقع الاجتماعي والتعامل الدقيق معه لتحديد مشاكله ومكامن أزماته بدقة، وطرح الحلول الواقعية له، واستبعاد الحلول غير الممكنة مهما كانت جذابة نظريا.
وإذا ما نظرنا إلى الواقع العربي بمجمله فسنجد أن مشاكله الرئيسة تتلخص بشكل رئيس بالديكتاتورية وتفشي الفساد والفقر وتدني مستويات العلم والمعرفة وقوة حضور البنى ما قبل الوطنية كالطائفية والعرقية والقبلية وما شابه، وسيطرة الذكورية والذهنية غيرالعقلانية، وتدني مستوى قبول الاختلاف، إضافة إلى إقحام الدين والعرق والطائفة في السياسة واستغلالها فيها لتحقيق مآرب ومطامع مغرضة خبيثة وهلم جرى .
إذا لابد "للدولة الحل" من أن تتوفر فيها السبل اللازمة للتخلّص من كل تلك الآفات الاجتماعية والسياسية، وهذا يعني أنها يجب أن تكون دولة وطنية ديمقراطية ودولة مواطنة ودولة مساواة ودولة معتمدة على العلم والمعرفة وراعية لهما وحامية للتنوع الاجتماعي والثقافي، وأن تكون واقعية في سياساتها.
الواقعية السياسية تعني ألا تسن الدولة قوانين تجعلها في مجابهة مع مجتمعها الذي يرفض هذه القوانين، وهذه قضية في منتهى الحساسية والخطورة، لأن هذه الواقعية السياسية يمكن أن تفهم خطأ بأنها التغاضي عن العادات والتقاليد السيئة السائدة في المجتمع خشية إثارة الشعب ضد الدولة، وهذه ليست واقعية سياسية وإنما تخاذل سياسي أو تواطؤ سياسي مع الغلط، فالواقعية السياسية تعني تحديد المشاكل بشكل دقيق ووضع الحلول الواقعية الممكنة لها، والحلول الواقعية هي الحلول التي تتكامل فيها القوانين والقرارات المتخذة مع الجاهزية المجتمعية لقبولها، فعلى سبيل المثال، لحل مشكلة التمييز بين الجنسين والانتقاص من مكانة المرأة لا يكفي سن قانون ينص على المساواة بين الجنسين، بل الأهم من ذلك هو العمل الجاد على رفع مستوى الوعي والثقافة الشعبيين إلى الدرجة التي يدركان فيها "أن المرأة مساوية إنسانيا للرجل ونظيرة له في الإنسانية مهما كانت الاختلافات الجنوسية .بينهما".
وهكذا نصل إلى معادلة محلولة ذاتيا، فبما أن الديمقراطية هي حكم الشعب، وبما أنه لا إكراه في الدين، فإرادة الشعب هنا ستكون هي الفيصل، ولن يحتاج الشعب إلى أية وصائية من أية جهة دينية أو غير دينية، وهو الذي يقرر ما يريده من المعتقدات وكيفية التعامل مع المعتقدات، وهذا ينسجم مع مبادئ كل من الديمقراطية والإسلام.
وفي ديمقراطية كهذه يمكن للقوى المختلفة أن تمارس نشاطاتها بحرية بما ينسجم مع معايير الديمقراطية، والشعب هو الذي يحكم بينها، وعندها إن قال علماني "يجب فصل الدين عن الدولة" أو قال إسلامي "يجب عدم فصل الدين عن الدولة" فالجواب في كلتا الحالتين هو "دع الشعب يقرر.. ولا تجعل من نفسك وصيا عليه".
وهكذا يمكن أن نستنتج تلقائيا أن الدولة المدنية في مجتمع إسلامي لن تسن قوانينها بما يتناقض مع الدين الإسلامي بناء على إرادة شعبها الحرة المنظمة ديمقراطيا وحدها والمتوافقة والمتزامنة مع وعي أكثر عقلانية وعصرية لجوهر الإسلام، وعليه ففي هذه الدولة يمكن أن يستبدل مبدأ "فصل الدين عن الدولة" العلماني بمبدأ "فصل الدين عن التسييس" الذي يمنع إقحام الدين واستغلاله في السياسة، ويتجسد بمنع تشكيل أحزاب وتنظيمات سياسية دينية، وبنفس الوقت فهذه الدولة بخلاف الدولة الإسلامية لن تطبق بشكل مباشر الأحكام والحدود التشريعية الإسلامية، ولكنها ستسن القوانين التي لا تتناقض مع هذه الأحكام والحدود، فمثلا الدولة المدنية لا تقطع يد السارق، ولكنها تضع عقوبة عادلة للسرقة، وبذلك تحقق مقصد الشريعة الإسلامية المتمثل بمنع السرقة وليس بالانتقام من السارق.
وبهذه المقاربة الديمقراطية للمسألة لا يعود ثمة أي داع لطرح الدولة المدنية كدولة حديثة ذات مرجعية إسلامية، توضع فيها المرجعية الإسلامية شرطا مسبقا أو حدا على حداثة هذه الدولة، وهذا شرط يمكنه بدوره أن يصبح ذريعة لتقييد الخيارات التطورية لهذه الدولة بذريعة مخالفتها أو مناقضتها للإسلام، وهو من حيث المبدأ الفكري شرط لا ينسجم مع أسس الديمقراطية، والديمقراطية الفعلية تغني عنه، فهي عندما تضع السلطة في يد الشعب، فهي تعطي الحق لهذا الشعب بأن يختار ويتصرف عقائديا كما يريد، وبدون الحاجة إلى أية وصائية مسبقة على إرادته.
6- أطروحات الدولة المدنية في نظرة نقدية:
بالطبع يحق لكل طرف في المجتمع أن يطرح الحل الذي يراه مناسبا، ولكن عليه أن يدرك أنه ليس مالكا لهذا المجتمع، وليس وصيا أو سيدا عليه، وأن هذا المجتمع له ولسواه من المختلفين عنه مهما تقاربت أو تباعدت أشكال ودرجات الاختلاف، وعليه أن يعي أن الحل الحقيقي هو الحل الذي يلقى قبولا واسعا في إطار هذا الاختلاف، وهذا يعني أنه لا بد من الديمقراطية، والديمقراطية لا يمكنها أن تكون مشروطة من قبل أية فئة أو جهة تفرض نفسها وصية أو صاحبة عقد وحل في المجتمع، فبوجود مثل هذه الجهة أو الفئة المهيمنة تصبح الديمقراطية شكلية وفارغة المضمون.
الديمقراطية هي الشرط الأساسي والأول والأكبر لمدنية الدولة، ولا يمكن الحديث عن أية مدنية تحت نير أي شكل من أشكال الاستبداد، سواء كان هذا الاستبداد بوليسيا أو عسكريا أو دينيا أو إيديولوجيا أو سوى ذلك.
وفي واقع اليوم على الساحة العربية، يمكن القول أن الدولة المدنية المتمتعة بشرطها الديمقراطي اللامشروط هي القادرة على وضع المجتمعات العربية على مسار التطور الصحيح، وهي بخلاف الدولة العلمانية لا تشترط مسبقا شرطا لا يمتلك من الواقعية ما يكفي للتطبيق السليم كشرط فصل الدولة عن الدين في مجتمع متدين يحفل بالقوى والبنى والأمور الدينية، ما يجعله بالتالي شرطا غير واقعي من الناحيتين الموضوعية والتنفيذية.
أما الدولة الدينية، فإشكاليتها الأساسية تكمن في تبنيها مرجعية مقدسة وفقا لفهمها الخاص لهذه المرجعية، وسعيها لفرضه قسرا على كل المختلفين معها في المجتمع، وهذا أمر في منتهى الخطورة، فسعيها هذا لفرض عقيدتها على غيرها يجعلها منذ البداية تسعى مسعى استبداديا عنفيا في علاقتها مع المخالفين، وبالنسبة لها كل مختلف معها هو مختلف مع عقيدتها المقدسة، وبالتالي مع مرجعيتها المقدسة، وبالتالي هو مختلف مع القداسة نفسها، وهذا ما يطرده خارجها ويمكن أن يجعله عدوا لها، ويحوله بالتالي إلى "كافر".
لم يعرف التاريخ البشري دولة دينية غير مستبدة، والكلام اليوم عن دولة دينية غير مستبدة هو كلام مغالط ومتناقض إلى أقصى الدرجات، فـ "الدولة الدينية غير المستبدة" يجب أن تكون "دولة دينية ديمقراطية" وهذا محال، فالديمقراطية تعني من حيث المبدأ مساواة المختلفين، ما يـُلزم الدولة حكما بالحياد العقائدي وعدم تبني أية عقيدة محددة، فيما تضع الدولة الدينية عقيدتها الخاصة في المركز والأساس وتعطيها الوزن الأرجح إن لم يكن الكامل.
إذا يمكن القول في خاتمة الكلام أن الدولة المدنية المطلوبة عربيا هي الدولة الديمقراطية التي لا تضع شروطا مسبقا على شكل الدولة إلا شروط الديمقراطية نفسها، وهي التي تبقي دوما سبيل التغيير التقدمي والتطور مفتوحا، وتعطي المجال للجميع ليعمل بحرية تحت سقف الديمقراطية، وتمنع أي طرف كان من فرض ما لديه على سواه أو منع غيره من طرح وتقديم ما لديه وممارسة نشاطه الاجتماعي والسياسي والثقافي بحرية، وهي الدولة التي تفتح أبواب المجتمع أمام المعرفة والعلم والنقد، وتفسح المجال أمام العقل ليأخذ دوره القيادي البنّاء في عملية تطوير وبناء الدولة والمجتمع العصريين.
خلاصة:
بناء على ما تقدم يمكن القول أن طرح "الدولة المدنية" يعكس إلى حد كبير واقع الحال العربي المأزوم، الذي يحتاج إلى حل واقعي ينطلق منه كواقع بعيدا عن الأحكام والقرارات المسبقة التي يمكن أن تغدو قوالب إسقاطية تسقط على هذا الواقع من خارجه، وهذا ما يفعله الإسلاميون الساعون إلى استعادة دولة الخلافة السالفة المجيدة دون مراعاة الفروق الزمنية والاجتماعية الراهنة في المجتمعات العربية الحاضرة، كما ويفعله أيضا الكثير من العلمانيين والحداثيين العرب الذي يريدون استيراد التجربة الغربية الحديثة الرائدة أيضا دون مراعاة لوقائع وحيثيات المجتمعات العربية.
وهنا تصبح لأطروحة الدولة المدنية استثنائية ثنائية الوجه، فهي من ناحية يمكن أن تشكل طرحا واقعيا لحل عربي تتكامل فيه الاستفادة العقلانية من التجارب الإنسانية الناجحة في العام الحديث مع مراعاة الظروف الخاصة للمجتمعات العربية وعدم تجاهلها ومحاولة الوثب فوقها، لكنها من ناحية ثانية يمكن أن تغدو عند إساءة فهمهما أو تعمد إساءة مفهومها هروبا من استحقاق الحل أو التفافا على الحل، ما يفاقم في المحصلة أزمة المجتمعات العربية المستفحلة أساسا.
وعليه يمكن القول أن "الدولة المدنية" التي يمكن أن تطلق حلا فعليا لأزمة الواقع العربي، هي الدولة الحديثة التي تتعامل بعقلانية واقعية مع ظروف المجتمعات العربية في إطار سعيها لتحديث وعصرنة هذه المجتمعات وإخراجها من مستنقع أزماتها ومأزوميتها.
[6] -رضوان السيد، شعار الدولة المدنية على كل شفة ولسان، الشرق الأوسط- العدد [14836]، 12/07/\2019 .
[8] - محمد بن شاكر الشريف، الدولة المدنية صورة للصراع بين النظرية الغربية والمُحْكَمات الإسلامية(1-2)، مجلة "البيان" الإلكترونية، 16/03/2011.
[10] -إحسان طالب، في مفهوم الدولة المدنية بين الإسلام السياسي والعلمانية، الحوار المتمدن- العدد 4030، 13/3/2013.
[14] - أحمد محمد سعيد السعدي، الدولة المدنية وموقف الإسلام منها، مجلة جامعة كلية الإلهيات في جامعة Ondokuz Mayıs، يونيو\حزيران 2018، ص 6، https://0i.is/zEGN.
[15] - أحمد محمد سعيد السعدي، المرجع السابق.
*
البحث منشور من قبل "المركز العربي للبحوث والدراسات"
الدولة المدنية هل هي الخيار العربي الصحيح؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق