سعادة الإنسان .. ما بين الروح والجسد
------------------------------------------
بالطبع، السعادة هي غاية الإنسان!
ولكن مفهوم السعادة مفهوم واسع وشديد التنوع، وهي ترتبط بدرجة ما بتلبية الإنسان لاحتياجاته، و بالمتعة، لكنها لا تتأطر قطعا فيهما، ولذا بحث الإنسان منذ القدم عن مضامين ومعان أخرى للوجود، تخلصه من وطأة العبثية التي يضعه فيها الوجود الجسدي المحض! وهذا أحد أسباب نشوء الأساطير والأديان والفلسفات على مر التاريخ! واليوم، ورغم أن كثيرا من المثقفين والمفكرين والعلميين، يتحرجون من الاستخدام الإيجابي لمصطلحات مثل "الله" و"الروح" وما شابه، لكن فكرة"الوجود اللامادي" ما تزال قائمة وتواجه فكرة "الوجود المادي" بندية تامة! وهذا ليس على مستوى الأديان التقليدية، التي لا تعدو كونها نتاج ذهنيات قديمة في ظروفها السالفة، والتي يمكن القول عنها ببساطة أنها تصورات لاواقعية ولاعقلانية عن الوجود، وجلها صار اليوم متخلفا وجد متخلف! لكن المستوى الذي يستحق الاهتمام هو بشكل أساسي مستوى العقل الفلسفي المعاصر، الذي تنتمي إليه الفلسفة المثالية كلها، وهي فلسفة تقول بأسبقية "الوعي" على المادة، وما مفهوم "الوعي" هنا إلا رديف لمفوهمي "الله" و"الروح" بعد إبعادها عن المعتقدات والمذاهب الدينية الخاصة!
لا يمكننا موضوعيا القول عن الفلسفة المثالية أنها "فلسفة بلا دماغ" و"ثمرة عقيمة على شجرة المعرفة" كما وصفها لينين! فإن كان الفكر المادي قد أنتج على سبيل المثال فلسفة عملاقة كالفلسفة الماركسية تشكل إحدى ذراه الأعلى، فالفكر المثالي بدوره لديه فلسفة من هذا المستوى هي الفلسفة الهيغلية، وهذا الكلام على سبيل الذكر لا الحصر، وكلنا نعلم أن هيغل هو أحد أساتذة ماركس الأساسيين، وكلاهما ينتمي إلى نفس المرحلة الفكرية والعلمية وإلى نفس البيئة الاجتماعية! فعلى أي أساس يمكننا الحكم بأن ماركس هو فيلسوف عقلاني، وهيغل غير عقلاني؟! وهل يمكننا عقلانيا أن نقبل مثل هذا الحكم حتى لو كانت شخصية عظيمة كلينين تقودنا إليه بطرحها؟! وأين يمكننا أن نضع علماء عظماء كإنشتاين وهايزنبرغ، الذي يقول: (إن أول جرعة من كأس العلوم الطبيعية سوف تحوّلك إلى ملحد، ولكن فى قاع الكأس، ستجد الله فى إنتظارك)!، لم يرفضوا فكرة "الله" ولم يجدوها متناقضة مع العلم؟ وإلى هؤلاء العلماء ينضمّ العالم الفيزيائي المعاصر فريتجوف كابرا!
وخلاصة الكلام!
ليست فكرة "الله" أو "الروح" حتى اليوم بأقل عقلانية من فكرة "المادة"! وليست القناعة بالأصل المادي للوجود وجسدية الكائن البشري بدورها إلا فكرة إيمانية.. مهما بدا من علموية مظهرها!!!
ولذا علينا أن نتوخى الحذر في تعاملنا مع المذاهب المادية والعلموية!
وبالأخص منها تلك التي تعتبر العقل والشعور ظواهر طفيلية متسلقة على الحقيقة العضوية للإنسان، فهذا يعني أن كل إنسانية الإنسان هي مظهر متطفل على جوهره الحيواني، وعندما نصل إلى هذه النتيجة، يصبح من العبث الكلام عن قيمة أية ثقافة أو فكر أو فلسفة، فكل نتاج الإنسان العقلاني والوجداني سينتمي عندها إلى ذلك الجانب الطفيلي المتطفل على الأساس الحيواني! ويصبح عبثا لا أكثر..
وفي مثل هذه العبثية الطفيلية المقيدة بالجسد الحيواني الزائل و إشكالياته الجمة، يغدو كل مفهوم أو تصور للسعادة بدورهما عبثا محضا!
وهكذا نغرق في هاوية العبثية حتى الغور!
فهل هذه هي قيمة الإنسان ومعنى الحياة الإنسانية؟!
وهل هذه هي الرسالة العقلانية التي نقدمها للإنسان؟! والحقيقة المآلية التي نبشره بها ليؤول إليها؟!
إن هذه الحقيقة المزعومة لهي أسوأ من أي باطل أو وهم!
ومن حقنا وواجبنا أن نفاومهما باسم إنسانيتنا حتى النهاية..
لأن معناها الوحيد هو أنه لا فرق حقيقي بين الإنسان والجرثومة، بل وبينه وبين حبة الرمل!
***
رسلان عامر
فيسبوك
٣١ آذار/مارس ٢٠١٨
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق