فهرس المحتويات

الخميس، 30 ديسمبر 2021

مشكلة السبي في الإسلام و إشكالاتها بين الماضي والحاضر

 

مشكلة السبي في الإسلام و إشكالاتها بين الماضي والحاضر

 

رسلان جادالله عامر

باحث ومترجم سوري

 


 

*

موجز البحث:

 

يتناول هذا البحث مشكلة حساسة وخطيرة في الإسلام، وهي "السبي"، وهي مشكلة كان من الممكن التعامل معها كجزء من ماض مضى في إطار دراسات التاريخ أو التراث، لكن إعادة إحيائها كممارسة من قبل بعض الحركات التكفيرية، بين أنها ما تزال قوة كامنة قادرة على العودة إلى نطاق الفعل في الحاضر إن توفرت لها شروط التفعيل الموضوعية.

هذه المشكلة يجب النظر إليها في جدلية وتكامل شروطها الذاتية والموضوعية، فذاتيا هي فعليا عنصر من عناصر التشريع الإسلامي الذي لا يحظر السبي من حيث المبدأ، لكن هذا لا يعني أن هذا الموقف الإسلامي هو حصريا الذي ينتج السبي كممارسة، فهذا العامل الذاتي نفسه مشروط في الإسلام بشروط محددة تتعلق بكل من الواقع الإسلامي والعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وهذا يدخلنا في الجانب الموضوعي لمشكلة السبي.

هذه المشكلة يجب النظر إليها من مستويات أربعة، وهي:

1-     النص الإسلامي

2-     الفقه الإسلامي

3-     الواقع الديني

4-     الواقع الاجتماعي

الثابت الوحيد في هذه المستويات هو فقط "النص"، أما الفقه والواقع ببعديه الديني الجزئي والاجتماعي الكلي فهي متغيرات متفاعلة، أو هكذا يفترض فيها أن تكون، ولا شك بأن مشكلة السبي العائدة إلى حاضرنا اليوم، هي نتيجة لها عواملها على كل من المستويات الأربعة تلك، وهي ليست مشكلة مفصولة عن الواقع الكلي المأزوم التي تتخبط فيه مجتمعاتنا العربية اليوم، والذي يشكل التأزم الديني فيها أحد أسباب ونتائج التأزم الاجتماعي الكلي بنفس الوقت في علاقة الفعل ورد الفعل المتبادلة بين الديني والاجتماعي.

أحد أسباب أزمة الواقع الديني اليوم، هو الفقه، الذي لا يكتفي بثبوت النص المقدس فقط، بل هو يصر على تثبيت نفسه في شكله السلفي السالف، وإطلاق هذه الشكل وسرمدته، وهذا ما يقود حكما إلى السعي إلى تثبيت الواقع الديني ككل، وعدم إنتاج أشكال دينية حديثة تتناسب مع طبيعة العصر وضرورات التطور، وبما أن مجتمعاتنا العربية هي مجتمعات تقليدية متدينة، فتثبيت الواقع الديني فيها، يعني ترئيس الثبوت الاجتماعي في الواقع الاجتماعي ودفع التغيير إلى دائرة الثانوي أو الهامشي، ودفع التطور المرتبط بالتغيير معه إلى نفس الدائرة، والأنكى من هذا هو أن هذا الواقع الذي يُسعى في المحصلة لتثبيته هو في أساسه استمرار في الحاضر لمرحلة انهيار الحضارة العربية الإسلامية.

أما الأسباب الأخرى التي تلعب أدورا أساسية في إنتاج الأزمة فهي سياسية واقتصادية وثقافية، هي مرتبطة بعاملين أساسين، داخلي ويتمثل بأنظمة الفساد والاستبداد، التي تتناقض بالطبيعة والمصلحة مع التحديث والتطور، وخارجي ويتمثل بالقوى الإقليمية والدولية ذات الأطماع والمصالح الخبيثة، التي لديها القدرة والمصلحة على استغلال معطيات الواقع العربي الراهن وتسخيرها بالشكل الذي يخدمها.

وهكذا تتكامل ثلاثة عوامل أساسية، هي: المورث التاريخي المتخلف، وأنظمة الفساد والاستبداد، والتدخلات الأجنبية الطامعة، في إنتاج الوضع العام المأزوم في المنطقة العربية، ليكون العنف التكفيري والصراع الطائفي والإرهاب والسبي وسواها من كبائر الشرور مفرزات ومنتجات من إفراز وإنتاج هذا الوضع الشامل والمستفحل التأزم.

وهذا ما يسعى هذا البحث لتحليله وتوضيحه، ووضع مشكلة السبي في موضعها الصحيح، لفهمها كجزئية من كلية مأزومة، تتوضع فيها أسبابها وعوامل إنتاجها كجزء لا ينفصل عن أسباب وعوامل الأزمة الكلية.

 

 

مخطط البحث:

1- مقدمة.

2-تعريف السبي.

3-العنف الجنسي على الساحة العالمية المعاصرة.

4-الخصوصية في جريمة السبي الداعشي.

5-موقع داعش وما تفعله من الإسلام.

6- العلاقة الوثقى بين النماذج التكفيرية والحاضر الإسلامي المأزوم.

7- تبريرات السبي في الفقه الإسلامي بين الماضي والحاضر، ونقدها.

8- تباين المواقف الفقهية والفكرية الإسلامية المعاصرة من السبي.

9- نظرة تحليلية على تباين المواقف الإسلامية المعاصرة من السبي.

10- إشكالية الفقه المعاصر ودوره في عودة الرق والسبي.

11- الخلاصة.

 

*

1-   مقدمة:

 

العنف كلمة ثقيلة على النفس، وأثقله العنف الجنسي، لما يثيره فينا من اشمئزاز مرتبط بالوحشية والبهيمية، ويصبح الوضع أكثر وطأة، عندما يعطى مثل هذا العنف شرعية، وأية شرعية، إنها شرعية دينية!

هنا نشعر أن الاعتداء لم يعد يتعرض له فقط عالمنا الإنساني، بل تجاوزه ليبلغ المقدس الإلهي، وهذا ما يصيبنا عندما نجد أنفسنا في القرن الحادي والعشرين أمام ظاهرة غاشمة كالسبي، كنا نتوقع أنها رحلت بلا رجعة، واختفت في غياهب التاريخ.

ملابسات عديدة تحيط بالعودة غير الميمونة لهذه الفظاعة، التي اختلطت فيها أوراق كثيرة، وخلطت بدورها الكثير من الأوراق، وتباينت منها المواقف التي أجمعت على رفضها وإدانتها، بين من حمّل وزرها للإسلام بشكل عفوي أو مغرض، وبين من سعى لتبرئة الإسلام منها ككل، أو تبرئته من فاعلها على الأقل، ومن سعى لفهمهما فهما عقلانيا موضوعيا.

وفي بحثنا هذا سيجري النظر في إشكالات مشكلة السبي في الإسلام قديما وحديثا، وملابسات الممارسات التي قامت بها بعض الحركات التكفيرية كداعش وبوكو حرام.

 

 

2-تعريف السبي:

 

السبي لغةً هو الأسر، وهو يطلق على أسر كل من الرجال والنساء والأطفال من الطرف المعادي.

فوفقا للسان العرب:

السَّبْيُ والسِّباءُ: الأَسْر معروف .
سَبَى العدوَّ وغيرَه سَبْياً وسِباءً إذا أَسَرَه، فهو سَبِيٌّ، وكذلك الأُنثى بغير هاءٍ من نِسْوة سَبايا. 
 وحسب الجوهري: السَّبِيَّة المرأَةُ تُسْبى .

ووفقا للقاموس المحيط:

سَبَى العَدُوَّ سَبْياً وسِباء: أسَرَهُ، كاسْتَباهُ، فهو سَبِيٌّ وهي سَبِيٌّ أيضاً،ج:  سَبايا .

ووفقا للمعجم الوسيط:

السَّبِيُّ: المأْسور.
 
والسَّبِيُّ: المأْسورة.
وهي سَبِيَّةٌ أَيضًا، والسَّبِيُّ السباء([1]) .

 

أما اصطلاحا فهو يعني-من وجهة نظر إسلامية- أخذ نساء وأطفال العدو الكافر المحارب في الحرب، فيما يعني الأسر القبض على رجال هذا العدو.

وفي هذا يقول أبي يعلا الفراء أن الغنيمة تشمل على أربعة أقسام: أسرى، وسبي، وأرضين وأموال، فأما الأسرى فهم الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بأسرهم، وأما السبي فهم النساء والأطفال([2])...

في الشرع الإسلامي استرقاق أسرى العدو هو أمر مشروع، سواء كانوا رجالا أم نساء أم أطفالا، وهكذا تصبح الأسيرات "ملك يمين"، وخاضعات لأحكام ملك اليمين، وبناء على ذلك تصبح المرأة الأسيرة "أمة"، وملك يمين لمالكها، وهذا ما يعطيه الحق بنكاحها، وهذا ما يسمى بـ"التسري".

إذاً، إسلاميا الكفر يترتب عليه محاربة الكفار، والأسر يترتب على هذه الحرب، والرق يترتب على الأسر، ووطء الأسيرات يترتب على استرقاقهن.

لكن هذه العملية مقننة في الإسلام بقوانين محددة، تحظر مخالفتها، ما يعني أن السبي في التقليد الإسلامي لا يعني الاغتصاب الكيفي لأسيرات العدو.

 

 

3-العنف الجنسي على الساحة العالمية المعاصرة:

 

أعادت جريمة سبي داعش للإيزيديات مشكلة السبي بقوة إلى واجهة المشهد الإعلامي، وأثارت ضجة عالمية كبيرة، وما لا شك فيه أن بشاعة هذه الجريمة، لا بد وأن تثير مثل ردة الفعل هذه في الإعلام، لكن ما لا شك فيه أيضا هو أن "فعلة" داعش النكراء هذه استثمرت أيضا بشكل لا يقل بشاعة عنها في البازار السياسي الدولي ولعبة محاربة الإرهاب، وما لا شك فيه كذلك أن ما فعلته داعش علنا، ما يزال سواها يفعله أيضا علنا أو خفية أو دون تسليط الأضواء الكافية عليه وبشكل لا يقل عنها وحشية إن لم يزد في الحروب المعاصرة، فالجريمة ما تزال مستمرة وبقوة، ووفقا لمجلة الصليب الأحمر: "العنف الجنسي ما يزال منتشرا على نطاق واسع في عدد من النزاعات المسلحة المعاصرة، كما في جمهورية أفريقيا الوسطى، وكولومبيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، وجنوب السودان، وسوريا، وقد قدمت بعض المنظمات والمؤسسات الأكاديمية أرقاما تبعث على القلق، لكن هذه البيانات قد تكون مجرد غيض من فيض.. ووفقا لما ذكرته الأمم المتحدة، فقد تعرضت أكثر من 200 ألف امرأة للعنف الجنسي في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ بدء النزاع المسلح، وما يتراوح ما بين250ألف امرأة، و500 ألف اغتصبن أثناء الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا عام1994، و50 ألف تعرضن للاغتصاب أثناء النزاع المسلح في البوسنة في بداية تسعينيات القرن العشرين"([3]).

وهذا يحدث في عصرنا الحديث في الوقت الذي "يفرض فيه القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان حظرا مطلقا على كل أشكال العنف الجنسي في كل الأوقات وضد أي أحد، وعلاوة على ذلك ينص القانون الدولي الجنائي على المسؤولية الجنائية الفردية لمرتكبي الجرائم الجنسية، وتعزز هذه الفروع الثلاث للقانون بعضها بعضا في هذا المجال"([4]).

 كما تضمن التقرير الذي قدمه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى مجلس الأمن المقدم يوم في 16-04-2018 "قائمة سوداء"بأسماء حكومات دول وأطراف وجماعات ارتكبوا عام 2017 جرائم عنف جنسي واغتصاب في 9 دول تشهد صراعات، وهي سوريا وليبيا والعراق والسودان والصومال وجنوب السودان والكونغو وميانمار وأفريقيا الوسطي، وقد شملت القائمة الجيش وجهاز الاستخبارات وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) في سوريا، وتنظيم "داعش" والقوات الحكومية  في العراق، وحركة العدل والمساواة في السودان، وحركة الشباب والجيش الوطني وقوات الشرطة وجيش "بونتلاند"  في الصومال، والقوات المسلحة الحكومية في ميانمار، وفي  جنوب السودان "جيش الرب" للمقاومة والجيش الشعبي لتحرير السودان وجهاز الشرطة، وفي أفريقيا الوسطى فصائل ائتلاف "سيليكا" السابق([5]).

أما في الحرب العالمية الثانية، فقد كان العنف الجنسي أحد المفاعيل الكارثية الكبرى لهذه الحرب، فمثلا "نساء المتعة" (باليابانية: "إيانفو"ianfu بصيغة المفرد)، وهو تعبير تلطيفي يطلق على عشرات آلاف النساء اللاتي كن يستخدمن كبغايا من قبل الجيش الإمبراطوري الياباني، لا يعرف عددهن الحقيقي، فيقدر بـ  20,000وفقا للمؤرخ الياباني إيكوهيكو هاتا، فيما يذهب باحثون من "مركز الأبحاث التابع لقضية نساء المتعة الصينيات في جامعة شنغهاي" إلى أن أعدادهن تتراوح بين360,000  و 410,000، وهن بشكل رئيس كوريات وصينيات، إضافة إلى جنسيات أخرى من الفلبين، تايوان، تايلند، فيتنام، سنغافورة، إندونيسيا وسواها، من البلدان التي وقعت تحت الاحتلال الياباني([6]).

 

 

4-الخصوصية في جريمة السبي الداعشي:

 

جريمة داعش هذه وسواها من جرائمها أثارت إدانات واسعة النطاق على الساحة العالمية، بما في ذلك الساحة الإسلامية، وهذا ما سنتحدث عنه لاحقا، ولم تكن بشاعة الجريمة بحد ذاتها هي فقط ما استدعى ردة الفعل هذه، فالذريعة الذي تمت بها الجريمة هي بدورها أيضا منكرة ومرفوضة في عالمنا المعاصر بدرجة لا تقل عن مضمونها، فجريمة داعش هي من حيث المضمون "جريمة عنف جنسي حربية"، ولكن ما تميزت به داعش عن سواها من مقترفي هذا النوع من الجرائم هو قيامها بهذه الجريمة في إطار شرعي مبرر من وجهة نظرها، وتقديمها لها كتقليد إسلامي جهادي معترف به، كان وما يزال وسيبقى مقبولا ومعمولا به، وفي ما يلي أدناه عينة مما تراه داعش بهذا الخصوص:

«س1: ما هو السبي؟

ج1: السبي ما أخذه المسلمون من نساء أهل الحرب.

س2: ما هو مبيح السبي؟

ج 2: مبيح السبي هو الكفر، فتباح لنا الكوافر بتقسيم الإمام لهن بعد وضع اليد عليهن وإحضارهن إلى دار الإسلام.

س3: هل يجوز سبي جميع الكافرات؟

ج3: لا خلاف بين العلماء في جواز سبي جميع الكافرات كفرا أصليا كالكتابيات والوثنيات، لكنهم اختلفوا في سبي المرتدة، فذهب الجمهور لعدم جوازه وذهب بعض أهل العلم لجواز سبي المرتدة، والراجح عندنا قول الجمهور، والله أعلم.

س4: هل يجوز وطء السبية؟

ج4: يجوز وطء السبية، قال الله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون:5-6]. و"ما ملكت أيمانهم" من السبايا.

س6: هل يجوز بيع السبية؟

يجوز بيع وشراء وهبة السبايا والإماء، إذ أنهن محض مال، يستطاع أن يتصرف به من غير مفسدة أو إضرار.»([7]).

وفي مقال نشرته مجلة "دابق" الإلكترونية التي تصدرها داعش باللغة الإنجليزية، طرحت داعش تبريرها الديني لاستعباد من أسمتهم بالكفرة المنهزمين، فقد ورد في المقال:

«على المرء أن يتذكر أن استعباد أسر الكفرة واتخاذ نسائهم سبايا هو أحد الأركان الراسخة للشريعة ومن ينكر ذلك أو يسخر منه فإنما ينكر أو يسخر من آيات القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.»([8]).

كما تقول أيضا في أحد منشورتها:

«إن السبي مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، ولم يخالف في مشروعيته إلا بعض العصرانيين والحداثيين»([9]).

 

وبهذه المنهجية تضع داعش وأنصارها الإسلام والشريعة الإسلامية في مواجهة تضادية مع القوانين والاتفاقات الدولية كالقوانين الثلاثة المذكورة أعلاه، واتفاقيَّة جنيف بشأن معاملة "أسرى الحرب" المقرة في12 آب/أغسطس 1949، التي تقول في الفقرة 1 من المادة 3 منها: "في حالة قيام نزاع مسلح ليس له طابع دولي في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدة، يلتزم كل طرف في النزاع بأن يطبق كحد أدني الأحكام التالية:

1- الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر، يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية، دون أي تمييز ضار يقوم علي العنصر أو اللون، أو الدين أو المعتقد، أو الجنس، أو المولد أو الثروة، أو أي معيار مماثل آخر.

ولهذا الغرض، تحظر الأفعال التالية فيما يتعلق بالأشخاص المذكورين أعلاه، وتبقي محظورة في جميع الأوقات والأماكن:

(أ) الاعتداء علي الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب،

(ب) أخذ الرهائن،

(ج) الاعتداء علي الكرامة الشخصية، وعلي الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة،
(د) إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلا قانونيا، وتكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة"([10]).

وتوضح المادّة الرابعة عشرة من هذه الاتفاقيّة الخاصّة طريقة معاملة النّساء في حال الأسر: "لأسرى الحرب حقّ في احترام أشخاصهم وشرفهم في جميع الأحوال، ويجب أن تعامل النّساء والأسيرات بكلّ الاعتبار الواجب لجنسهنّ، ويجب أن يلقين معاملةً لا تقلّ ملاءمةً عن المعاملة الّتي يلقاها الرّجال".

وفي المادَّة الثالثة عشرة توضيح أكثر لكيفيّة تعامل الدّولة الآسرة للأسير: "يجب معاملة أسرى الحرب معاملةً إنسانيّةً في جميع الأوقات، ويحظر على الدّولة الحاجزة أيّ فعل أو إهمال غير مشروع يسبّب موت أسير في عهدتها... يجب حماية أسرى الحرب في جميع الأوقات، وعلى الأخصّ ضدّ جميع أعمال العنف أو التّهديد.

وتقول في المادّة 118 من القسم الثّاني المعنون بعنوان "الإفراج عن أسرى الحرب": "يفرج عن أسرى الحرب ويعادون إلى أوطانهم دون إبطاء بعد انتهاء الأعمال العدائيّة الفعليّة".

وهذه الاتّفاقيّة فيها موادّ أخرى تتعلق بالحفاظ على الحقوق المدنيّة للأسير والحقوق الماليّة وعدم جواز القتل([11]).

كما أن منهج داعش أيضا يخالف "الاتفاقية الخاصة بالرق"، التي أقرتها عصبة الأمم المتحدة في جنيف في 25 أيلول/سبتمبر 1926، والمعدلة بالبرتوكول المحرر في مقر منظمة الأمم المتحدة في نيويورك في 7 كانون الأول/ديسمبر 1953([12]).

 

لكن بالطبع، إذا كانت الجيوش النظامية نفسها لا تحترم هذه المواثيق الدولية كما ينبغي لها أن تحترم، فلا ينتظر من تنظيمات مارقة أن تحترمها، ولاسيما إذا كانت هذه التنظيمات تكفيرية على غرار داعش، التي لا تعود مثل هذه المواثيق بنظرها إلا شرائع باطلة من وضع الكفرة، فعدا عن داعش، قامت أيضا جماعة بوكو حرام النيجيرية باختطاف نحو مئتي فتاة من مدرسة شيبوك بشمال نيجيريا في منتصف نيسان/أبريل 2014 وعاملتهن كسبايا([13]).

 

 

 5-موقع داعش وما تفعله من الإسلام:

 

ما تقدم يقودنا إلى السؤال الأكثر حساسية، وهو عن موقع ما تفعله داعش من الإسلام تاريخا وحاضرا، وعما إذا كانت تأتي بشيء استثنائي طارئ لا علاقة له بالإسلام والمسلمين، أم أن الصورة في حقيقتها مختلفة؟

تتضارب الآراء في هذا الشأن على الساحتين الثقافية والفقهية، بين فريق يرى أن داعش والنماذج المشابهة لها هي منتج سياسي ومسيّس لا علاقة له بالإسلام، وكل ما تقوم به هو تشويه للإسلام وافتراء عليه وفقا لأجندات الجهات المنتجة لهذه المنتجات الدينية المظهر، السياسية المضمون، وفريق ثان يرى أن داعش هي أفضل من يمثل الإسلام وأنها أفصح تعبير عن محتواه الحقيقي، وفريق ثالث لا يجنح إلى هذا الطرف أو ذاك، بل يرى في داعش نموذجا إسلاميا مرهونا حصريا بظروفه الخاصة، ولكنه، لا هو ولا سواه من النماذج المشابهة أو القريبة آو البعيدة، يمثل الإسلام ككل، لأن مثل هذا التمثيل الكلي لا يمكنه أن يتم، فالدين، كل دين، يتغير دوما بتغير الظروف الاجتماعية، وليس هناك قطعا شكل واحد صحيح له في كل زمان ومكان.

من الأمثلة على المقاربة الأولى: يقول الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وفقا لموقع اليوم السابع المصري، "أن تنظيم ”داعش“ الإرهابى وكل الجماعات المسلحة التى تتبنى العنف والإرهاب لا تمثل الإسلام ولا ترتبط به من قريب ولا من بعيد، ولو ادَّعت ذلك"([14]).

وفي تحقيق بعنوان"رسالة المملكة إلى الإعلام الغربي..”داعش“ لا تُمثل الإسلام" على جريدة الرياض السعودية، تقول محققته منى الحيدري:

«ظهر تنظيم "داعش" الإرهابي على المشهد الإعلامي العالمي، فعكس بسلوكياته "الهمجية" وأفكاره "النتنة" صورة سلبية أُلصقَت ظلماً وزوراً في دين الإسلام وأهله، وكذلك في أبنائه والمنتسبين إليه.

وعلى الرغم من بشاعة الصور وظلامية الأفكار التي يروج لها "الداعشيون" ومن سار على منهجهم، إلاّ أن الإسلام النقي الطاهر بريء مما يدعون إليه ويروجون له، فالإسلام دين محبة وتسامح جاء رحمةً للعالمين، لينقل الناس من الظلمات إلى النور.

وقد سُر أعداء الإسلام والمسلمين ببروز هذه الجماعة الضالة، والتي وجدوا فيها دليلاً على أن الإرهاب متأصل في المسلمين ودينهم، ونسوا أو تناسوا أن المسلمين هم أكثر الناس تضرراً من الإرهاب قبل غيرهم من أهل الديانات الأخرى، بل تجاهلوا أن قادة المسلمين هم أكثر الناس تحذيراً من الإرهاب ومحاربةً له، بالكلمة والفكر تارةً وبالسلاح تارة أخرى.»([15]).

أما الدكتور هاشم غرايبة من الأردن فيذهب إلى أن السبي هو تقليد سابق على الإسلام، وقد حافظت عليه الدولة الإسلامية تاريخيا، ولكنه فعليا لا علاقة له بالإسلام كدين، وهو كله دخيل على الإسلام، ويتحمل وزره حكام وفقهاء الدولة الإسلامية اللاحقين، ويقول بهذا الشأن:

 «هنالك خلط مقصود لدى من يعادون الإسلام، بين حكم الدين وممارسات الدولة الإسلامية تاريخيا، فيحيلون ممارسات الطبقة السياسية إلى أنها التطبيق العملي للإسلام السياسي، ويحمّلون أحكام الدين وزر الممارسات الخاطئة للمجتمعات الإسلامية، فوق أنهم يحاكمون المفاهيم التي كانت سائدة عالميا بمعايير الحاضر ومقاييس آخر ما توصلت له المفاهيم البشرية».

 ثم يقارن وضع العبودية في المجتمعات الإسلامية بوضع العبودية في المجتمعات الغربية، التي بقيت فيها العبودية سائدة رغم انتشار المسيحية فيها، فيقول «لكن أحدا لم يُحمّل الوزر للمسيحية أنها لم تمنع ذلك بل للمجتمعات، في المقابل، يُحمّل المتحاملون على الإسلام، خطيئة وجود الإماء والعبيد فترة الدولة الإسلامية، للدين وليس للمجتمعات، مع أن تشريعاته واضحة وقاطعة بمكافحة ظاهرة العبودية، فلا يوجد أي نص يبيح استرقاق الأسرى أو السبي، ومعالجة قضية الأسرى مبينة بدقة في الآية الكريمة: {فشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}، فليس هنالك سبي ولا استرقاق»([16]).

 

 وعلى العكس من ذلك يرى المنتمين إلى وجهة النظر المعاكسة أن ما تقترفه داعش وأمثالها هو التعبير الأصدق عن جوهر الإسلام من بداياته وحتى اليوم، فعلى سبيل المثال يقول السياسي اليمني المعروف علي البخيتي:

«ضحكوا عليك طويلاً ولقّنوك بعض الجُمل الإنشائية باعتبارها مسلمات وحقائق، وعليك الآن أن تدرك أن عكسها هو الصحيح، وهو أن:

-داعش تطبق الإسلام الصحيح.

-الإسلام الذي بين أيدينا وفي مناهج مدارسنا وجامعاتنا الحكومية هو المشكلة وليس المسلمين.

-داعش تعمل وفقاً لنهج الفتوحات الإسلامية.

-مؤسس داعش هو الصحابي سعد بن معاذ وإمام الزيدية الهادي يحيى ابن الحسين وأئمة بقية المذاهب الإسلامية المعتبرة وليس أبو بكر البغدادي.

-بدأت الداعشية في الإسلام -بحسب كتب التراث- من غزوة بنو قريظة.

-في داخل كل مسلم مؤمن بكتب التراث إرهابي كامن ينتظر التمكين.

-كل المذاهب الإسلامية داعشية -بنسب متفاوتة- وتنتظر التمكين.

-كل حركات الإسلام السياسي داعشية -بنسب متفاوتة- فقط تنتظر التمكين.»([17]).

كما يري المحلل السياسي المصري مجدي خليل، مدير منتدى الشرق الأوسط للحريات، بدوره أنّ:

«داعش تمثل الإسلام، هذه حقيقة يعرفها كل الدارسين للإسلام وللتاريخ الإسلامى، بل لا يوجد من يمثل جوهر الإسلام أكثر من داعش، بل لا نبالغ فى القول أن داعش هى خير من يمثل عصر نبى الإسلام محمد بعد هجرته إلى المدينة، ومن ثم فإن داعش هى الإسلام الحقيقى. داعش إذن هى مرآة صادقة نرى فيها وجه الإسلام، بل ومن خلالها نستطيع أن ندرّس الإسلام الحقيقى لمن لم يعرفوه»([18]).

 

واقعيا هذان الموقفان كلاهما على درجة من الصواب في شيء ودرجة من الخطأ في سواه، فما لا شك فيه أن الحكام والفقهاء المسلمين في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي أدخلوا على الإسلام الكثير من الأمور الحسنة والسيئة التي لم تكن موجودة في الإسلام الأوليّ في صدر الإسلام، وهذا أمر طبيعي تاريخيا، وتتعرض له كل الأديان والمعتقدات والمنظومات الفكرية وسواها، فهذه هي سنّة التطور، لكن الفصل بين تقليد السبي والتعاليم الإسلامية، واعتبار السبي تقليدا غريبا عن الإسلام هو كلام تناقضه المعطيات التاريخية التي تؤكد أن السبي كان معمولا به في صدر الإسلام، فوفقا لأطروحة ماجستير قدمها الباحث الفلسطيني شادى إبراهيم عبد القادر مدلل فى جامعة النجاح بفلسطين، بعنوان "السبى فى صدر الإسلام"، عمليات السبى فى التاريخ الإسلامى ارتبطت بالغزوات التى خاضتها الدولة الإسلامية التى نشأت بعد هجرة النبى إلى المدينة، وقد أقرّ الإسلام عمليات السبى الناتجة عن الغزوات، وبلغ عدد "السبايا" من النساء والأطفال فى غزوات العصر النبوى الآلاف([19])، كما تؤكد الأطروحة أن السبى استمر فى عهد أبى بكر، وزاد فى عهد عمر بن الخطاب بسبب زيادة الفتوحات الإسلامية فى بلاد الروم والفرس وحافظ على وتيرته تقريبا في عهد عثمان رغم المشاكل، لكنه انخفض في عهد علي بسبب الفتنة، ووفقا للروايات، فقد سبي المسلمون ألفا من النساء والصبيان في غزوة بين قريظة سنة (5هـ)، وبلغ سبي هوازن في غزوة حنين سنة (8هـ) ستة آلاف من الأطفال والنساء، فيما تجاوز عدد السبايا والأسرى في موقعة "القادسية وجلولاء" (15-16هـ) المئة "ألف رأس" سنة، كما تذكر الدراسة أن عمر بن الخطاب سعى لمنع السبى بين العرب، فقال: «لا سباء على عربى» وأضاف: «أقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا وقد وسع الله، وفتح الأعاجم»([20]).

وما تقدم، ورغم المبالغة البادية في بعض الأرقام، يدل على أصالة وعمق جذور ظاهرة السبي في الإسلام، وهذا يعني بالتالي أن ما تفعله داعش اليوم ليس منفصلا في الشكل عن الإسلام، وأن له جذوره الإسلامية التاريخية، وأن ممارستها اليوم له ليست أمرا عابرا ولا طارئا، لكن هذا لا يعني أن ما فعلته داعش من سبي وسواه من أعمال العنف التكفيري، وما يقوم به أمثالها من الحركات التكفيرية من مثل هذه الأعمال يعود حصريا إلى عوامل دينية محض، وأنه منفصل تماما عن واقعه الاجتماعي المتردي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، بل يعني أن ظاهرة العنف التكفيري المتفشية اليوم هي بنفس الوقت مرتبطة بجذورها الدينية وبواقعها الاجتماعي الراهن، لكن بقراءة أكثر عمقا، يمكن القول أنها مرتبطة حاضرا بكل من واقعها الاجتماعي العام وواقعها الديني الخاص، الذي يشكل جزءا من الواقع العام، فاعلا فيه ومنفعلا بنفس الوقت، ما يعني أن التأثير الديني على ظاهرة العنف التكفيري لا يأتي بشكل رئيس من الماضي، ولكنه يأتي من الواقع الديني المعاصر، الذي لم يستطع بعد أن يتجاوز هذا الماضي إلى مستوى عصري من التطور تزول فيه مظاهر العنف التكفيري، كما هو الحال عند الأمم المتقدمة، وما يزال يدور في مدارته ويكرر غالبا أفكاره وفتاواه بشكل اتباعي دون إحكام العقل فيها، ويتعامل معها كمطلقات دون إيلاء الاعتبار للظروف الواقعية والزمنية، التي توجب في كثير من الأحيان التعامل معها كموافق نسبية.

هذا من جهة، أما من الجهة الثانية، فالقول بأن داعش تمثل الإسلام وأنها تطبق الإسلام الصحيح هو قول غير موضوعي، فالإسلام صنع حضارة عالمية كبرى في تاريخه، وأصبح دينا يبلغ عدد أتباعه مئات الملايين، وهذا ما يعجز عن إنتاجه حكما أي نموذج داعشي، ومن يرى الإسلام في صورة داعش اليوم، يمكنه ألا يذهب بعيد ليرى صورة مختلفة تماما مثلا في قرار إلغاء الرق وعتق العبيد الذي أصدره في تونس أحمد باي الأول في ‏23‏  كانون الثاني\ يناير من عام 1846، وسبقه في ‏6‏  أيلول\ سبتمبر 1841  بأمر يقضي بمنع الإتجار بالرقيق وبيعهم في الأسواق وهدم الدكاكين التي كانت معدة لذلك، وبأمر في كانون الأول \ديسمبر 1842يعتبر أن كل من يولد على التراب التونسي حرا ولا يباع ولا يشترى([21])، وهذا إنجاز متقدم تاريخيا إذا ما ما قارناه مثلا بالولايات المتحدة الأمريكية، التي أصدر فيها الرئيس أبراهام لنكولن إعلان تحرير العبيد في 1 كانون الثاني\  يناير1863([22])، واستمرت العبودية فيها في الولايات الجنوبية حتى إقرار التعديل الثالث عشر لدستور الولايات المتحدة في عام 1865 نتيجة للحرب الأهلية([23])؛ أو بالبرازيل التي استمرت العبودية فيها حتى عام 1888([24]).

عدا عن ذلك، لا أحد يذهب اليوم إلى القول بأن "الحملات الصليبية" مثلا كانت تطبق المسيحية الصحيحة، ولا أحد يمكنه القول اليوم بأن عصابة "الكو كلوس كلان" (Ku Klux Klan) العنصرية البيضاء في الولايات المتحدة تمثل المسيحية، أو أن جرائم اليمين المسيحي المتطرف في الحرب الأهلية اللبنانية كانت أعمالا مسيحية صحيحة، وحتى مسيحية القرون الوسطى، وما تلاها من نماذج مسيحية متطرفة ومقترنة بالعنف في التاريخ الغربي، ينظر إليها علميا اليوم على أنها تمثل نفسها كنماذج دينية نشأت في ظروفها المناسبة، ولكنها ليست نموذجا مطلقا للمسيحية، لأن مثل هذا النموذج غير موجود، ولا يمكنه قطعا أن يكون موجودا، ذلك أن المسيحية منذ بدايتها عرفت التنوع والاختلاف، ثم كانت هناك غلبة بفعل الظروف في مرحلة ما لشكل محدد، لكنه هذه الغلبة نفسها ما لبثت هي نفسها أن غُلبت وتجاوزها التاريخ إلى ما هو أنسب منها للتطور الاجتماعي، وأفضل بمعايير هذا التطور.

فعلى سبيل المثال يقول روجيه غارودي:

 «شكّل العنف الأكثر دموية والذي يرعاه نفاق ديني، سمة دائمة في تاريخ الولايات المتحدة منذ تأسيسها. وقد حمل البوريتانيون الإنكليز الذين نزلوا أمريكا، حملوا معهم الاعتقاد الأشد فتكا في تاريخ الإنسانية، وهو الاعتقاد  بفكرة "الشعب المختار"، الذي أعطى الشرعية لعمليات استئصال السكان الأصليين واغتصاب أراضيهم، وكأنها أمر إلهي، اقتداء بالنموذج التوراتي، نموذج يشوع، حيث أوكل "رب الجنود" لشعبه مهمة ذبح السكان الأصليين في بلاد كنعان والاستيلاء على أرضهم»([25]).

وهذا الشكل من المسيحية لم يكن له أي دور مواجـِه فعال حين صارت القوة هي القانون السائد في الغرب الأمريكي، وتحولت إلى صراع يشنه الجميع ضد الجميع، فلم يكن دور هذه المسيحية سوى التبرير، وهي لم تفعل أكثر من ذلك حيال استعباد الأفارقة السود الذي استمر في أمريكا زهاء قرن بعد إعلان الاستقلال([26]).

لكن هذا النمط من المسيحية هو نفسه قد تغير اليوم، فبوريتانية اليوم نفسها ليست كبوريتانية الأمس، التي تختلف أيضا بشكل جذري عن "لاهوت التحرير المسيحي المعاصر"، الذي يشهد اليوم انتشارا في العديد من مناطق العالم، ولاسيما أمريكا الجنوبية وإفريقيا، ويسعى إلى تقديم نموذج اجتماعي مسيحي يركز على القيم الأخلاقية الاجتماعية المسيحية، ويتبنى قضايا الناس المضطهدين والمحرومين والمغبونين ويدافع عن حقوقهم، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أنه ليس هناك مسيحية واحدة، ولا صورة مطلقة للمسيحية، بل هناك دوما تعدد واختلاف وتجدد.

وما ينطبق على المسيحية ينطبق على الإسلام، الذي لا يمكن قطعا حصره وتنميطه في نمط واحد سرمدي، فليس من المنطقي ولا من العادل بتاتا أن نضع مثلا محي الدين بن عربي وابن تيمية من إسلام الأمس في خانة واحدة، ولا أن نساوي في إسلام اليوم بين محمد عبده والبغدادي، هذا ناهيك عن المواقف العديدة الراهنة الرافضة لسلوك داعش وأمثالها، التي رفضها وأدانها كثير من المرجعيات والشخصيات الإسلامية المعاصرة.

 

وبعد، من الهام في ختام هذا الفصل، إيراد رأي أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتور معتز بالله عبدالفتاح في مقاله "هل”داعش“ تمثل الإسلام؟"، الذي يرى فيه أن على ناقدى الأديان دائماً أن يفرّقوا بين الأديان المختلفة و بين الفرق والمدارس والحركات المختلفة داخل الدين الواحد، لأننا -برأيه- نعيش عصراً يمكن أن يزعم فيه الإنسان أن هناك من أنماط الدين بقدر ما فيه من منتسبين للدين، ذلك أنه رغم أن النص الديني ثابت لا يتغير، ففهمه يتغير دوما وفقا لعقل القارىء والبيئة الحاضنة، ما يعني أنه ليس هناك فهم صحيح محدد وثابت له، وفي نهاية المقالة يخلص إلى النتيجة التالية:

-1«أبناء ”داعش“ مسلمون، لا نستطيع أن ننفى عنهم ذلك وإلا نكون مثلهم، نكفّرهم مثلما يكفروننا، و”داعش“ بنتنا.. من صلبنا.. ناس متخلفة زينا، بس هم أكثر تخلف شويتين. لكن نفس البيئة الحاضنة المتخلفة التى أنتجتنا، تفاعلت مع عقول أكثر تطرفاً منا فى فهم النصوص وفى التأثر بالواقع المعاش، فلجأت إلى نصوص دينية وفسرتها فى اتجاه يخدم فكرها. هم لم يتأثروا بالدين بقدر ما هم وظّفوا الدين لخدمة ما فى عقولهم.

-2الأديان حمّالة أوجه ويمكن أن تستخدم لخدمة الحق كما يمكن أن تستخدم لخدمة الباطل، وضعف الدين عن حمل الناس إلى الحق لا يرجع إلى ضعف الدين، ولكن يرجع إلى ضعف القائمين عليه»([27]).

 

 

6- العلاقة الوثقى بين النماذج التكفيرية والحاضر الإسلامي المأزوم:

 

بناء على ما تقدم يمكن القول بخطأ كل من الرأي القائل بأن الداعشية وشقائقها هن ظواهر دخيلة على الإسلام، ونقيضه القائل بأنهن النموذج الأكثر جلاء للإسلام، والحقيقة هي في موقع ما في الوسط بين هذين التطرفين، إذ لا يمكن فصل داعش وما يشبهها من نماذج جهادية تكفيرية عن الواقع الإسلامي الراهن المستفحل الأزمة من جهة، كما لا يمكن فصلها - من جهة ثانية-عن الجانب الأسوأ في التاريخ الإسلامي، الذي بلغ أوجه في عصر الانحطاط الإسلامي، الذي ما يزال الواقع الإسلامي الراهن يشكل بدرجة ضخمة منه امتدادا واستمرارا له في الحاضر.

 

فإذا نظرنا إلى الفقه الإسلامي الراهن، سنجد أن جله ما يزال يجري في مجاري الماضي، ويكرر آراء السلف ويبرر أفعاله، وما تزال الأطروحات التجديدية في الإسلام تقابل في معظم الأحيان بالرفض والاستهجان والإدانة، وتتهم بخبث النية والتآمر والعمالة، وفي ما يلي مثال على ما يقال ضد الشيخ محمد عبده:

«بعد فشل الحملات الصليبية على البلدان الإسلامية، وأسر لويس التاسع في دار ابن لقمان بالمنصورة وفِديته. كان هذا الرجل فطناً، عاد يحدث قومه: لن تستطيعوا التغلب على هذه الشعوب وأنتم تحملون الصليب، هذه الشعوب تهب حين تُأْتَى من قبل دينها. فتعلّم الصليبيون الدرس، وعادوا إلينا يدَّعون أنها أهداف اقتصادية، وأنهم علمانيون لا دينيون، والحقيقة أنهم يحملون ذات الثارات القديمة، والفارق بينهم وبين أجدادهم أنهم لا يحملون الصليب. وكان الاحتلال البريطاني لمصر جزءا من هذه الحملة الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي، فمنذ قدومهم عملوا على نزع الهوية الإسلامية عن شعب مصر، وإعادة قراءة النصوص الشرعية بما يتفق مع مطالبهم. وقد عملوا على إيجاد جيل كامل من أصحاب الشذوذ الفكري والطموح السياسي، كما يقول الدكتور محمد محمد حسين، ليتولى هو مخاطبة الشعب وتغيير هويته.

وقد وجد القوم بغيتهم في (الشيخ) محمد عبده... »([28]).

هذا ما يقوله الداعية محمد جلال القصاص، أما الدكتور محمد محمد حسين نفسه فيقول في الفصل الثالث المعنون بـ "الأفغَاني ومحمّد عَبده" من كتابه "الإسلام والحضارة الغربية":

«الاهتمام بالأفغاني ومحمد عبده يستند إلى اعتبارينِ: أولهما: هو أنَّ الصورة الشائعة المعروفة عنهما بين الناس تخالف حقيقتَيْهِما، وهذه الصّورة الشائعة تستمِدُّ وجودها وقوتها من الدعاية الدائبة التي لا تفتر، والتي تسهر عليها قوى ومؤسسات قادرة ذات نُفُوذ. ولذلك كان الكشف عن حقيقتيهما محتاجًا إلى مجهود كبير، وإلى مزيدٍ من الدَّأب يُقابل دأب الدعاية المبذولة في تدعيم مكانيهما. وثاني هذينِ الاعتبارين: هو أنَّ جلاءَ حقيقة الرجُلينِ يتبعه جلاء حقيقة كثير من الأوهام التي تأصلتْ في نفوس الناس تبعًا لاستقرار شهرتيهما فيها، فكشف الستر عنهما هو في الوقت نفسه كشفٌ للستر عن أباطيلَ كثيرةٍ ترتبطُ بهما، وتستمدُّ قوتها وبريقها الخَدَّاع من شهرتيهما، ومن ارتباطِها بهما»([29]).

 

هذا الهجوم من قبل الفقهاء الإسلاميين المحافظين المتشددين، الذين ما يزال السلف قبلتهم والماضي قدوتهم، وهم الكثرة، لم ينج منه أي مجدِّد، فقد تعرّض له كل من قاسم أمين وعلي عبد الرازق، وطه حسين وسواهم، ليتوج باغتيال فرج فودة، وتكفير حامد نصر أبو زيد، وما يزال هذا الكرّ مستمرا.

 

 

7- تبريرات السبي في الفقه الإسلامي بين الماضي والحاضر، ونقدها:

 

وبما أننا نتحدث عن السبي، فموقف الفقه الإسلامي الراهن من هذه المشكلة يصلح لأن يكون أفضل مثال عما نقوله عن واقع هذا الفقه المعاصر، لكن المنفصم في جله عن العصر وروح العصر، والذي ما يزال غارقا في سلفيته، بعد أن سرمد هذه "السلفية" وجعل من إسلامها إسلاما مطلقا متجاوزا للأزمان والعصور.

في هذا الفقه ما يزال السبي والاستعباد مبررين مبدئيا حتى اليوم، وهو تبرير لا ينفصل عن حقيقة أن الاستعباد والسبي كانا معمولا بهما على مدى التاريخ الإسلامي وأنهما كان مشرعنين في الفقه الإسلامي.

 

وفي هذا التبرير يمكن استقراء مذهبين:

الأول يرى أن السبي في الإسلام تمت شرعنته حصريا بموجب الضرورة الحربية التي تفرضها الحروب مع الأعداء الكفار، ففي تقاليد ذلك الزمان كان استعباد أسرى الحرب وسبي الأسيرات سائدا، وعندما جاء الإسلام أبقى على هذا التقليد كي لا يضعف موقف المسلمين الحربي، ويجعل أعداءهم يستهينون ويطمعون بهم إن لم يعاملوهم بالمثل، لكن هذه المعاملة بالمثل إجرائيا، لا تعني المعاملة بالمثل أخلاقيا، لأن الإسلام نظم وقنن إجراءات الرق والسبي، وأعطى الرقيق والسبايا حقوقا كثيرة لم تكن معروفة في سواه من الأنظمة، وبالتالي لم يعد سبي النساء في الإسلام اغتصابا وحشيا عشوائيا غير مشروط لنساء الخصم، ولكنه أصبح إجراءا مقننا محددا، تضبطه أحكام واضحة حازمة، وبذلك وافق الإسلام بين الضرورة الحربية العملية والأخلاق العالية في التعامل مع أسرى العدو، وعن هذا يقول الكاتب الإسلامي محمد قطب شقيق سيد قطب:

«لقد جفف الإسلام منابع الرق القديمة كلها، فيما عدا منبع واحد لم يكن يمكن أن يجففه، وهو رق الحرب ولنأخذه في شيء من التفصيل، كان العرف السائد يومئذ هو استرقاق أسرى الحرب أو قتلهم، وكان هذا العرف قديماً جداً، موغلاً في ظلمات التاريخ، يكاد يرجع إلى الإنسان الأول، ولكنه ظل ملازماً للإنسانية في شتى أطوارها، وجاء الإسلام والناس على هذا الحال، ووقعت بينه وبين أعدائه الحروب، فكان الأسرى المسلمون يُسترقون عند أعداء الإسلام، فتُسلب حرياتهم، ويُعامل الرجال منهم بالعسف والظلم الذي كان يجري يومئذ على الرقيق، وتُنتهك أعراض النساء لكل طالب، يشترك في المرأة الواحدة الرجل وأولاده وأصدقاؤه ممن يبغي الاستمتاع منهم، بلا ضابط ولا نظام، ولا احترام لإنسانية أولئك النساء أبكاراً كنّ أم غير أبكار، أما الأطفال ـ إن وقعوا أسرى ـ فكانوا ينشؤون في ذل العبودية البغيض، عندئذ لم يكن جديراً بالمسلمين أن يطلقوا سراح من يقع في أيديهم من أسرى الأعداء، فليس من حسن السياسة أن تشجع عدوك عليك بإطلاق أسراه، بينما أهلك وعشيرتك وأتباع دينك يسامون الخسف والعذاب عند هؤلاء الأعداء، والمعاملة بالمثل هنا هي أعدل قانون تستطيع استخدامه، أو هي القانون الوحيد، ومع ذلك فينبغي أن نلاحظ فروقاً عميقة بين الإسلام وغيره من النظم في شأن الحرب وأسرى الحرب»([30]).

 

 في الرأي الثاني السبي ليس مرتبطا بالضرورة الحربية، ولكنه مرتبط بالكفر، وهذا ينسجم مبدئيا مع موقف داعش الآنف الذكر، فبرأي الشيخ الشنقيطي:

«وسبب الملك بالرق: هو الكفر، ومحاربة الله ورسوله، فإذا أقدر اللهُ المسلمينَ المجاهدين الباذلين مُهَجهم وأموالهم وجميع قواهم وما أعطاهم الله لتكون كلمة الله هي العليا على الكفار: جعلهم ملكاً لهم بالسبي إلا إذا اختار الإمام المنَّ أو الفداء لما في ذلك من المصلحة للمسلمين. وهذا الحكم من أعدل الأحكام وأوضحها وأظهرها حكمة. وذلك أن الله جل وعلا خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه، ويمتثلوا أوامره ويجتنبوا نواهيه»([31]).

وبذلك يلتقي فقيه القرن العشرين مع سلفه ابن تيمية، الذي سبقه بستة قرون، والذي أفتى بكفر الدروز والعلويين فقال:

«وهؤلاء الدرزية والنصيرية كفار باتفاق المسلمين، لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، بل ولا يُقَرون بالجزية، فإنهم مرتدون عن دين الإسلام ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى، لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس ولا وجوب صوم رمضان ووجوب الحج، ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد، فهم كفار باتفاق المسلمين».

وقال أيضا بخصوص الدروز:

«كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون، بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين، بل هم الكفرة الضالون، فلا يباح أكل طعامهم، وتسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم، بل يقتلون أينما ثقفوا ويلعنون كما وصفوا، ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يُضلوا غيرهم، ويحرم النوم معهم في بيوتهم ورفقتهم والمشي معهم وتشييع جنائزهم إذا علم موتها، ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي شيء يراه المقيم لا المقام عليه، والله المستعان وعليه التكلان»([32]).

هذا الموقف الثاني هو في منتهى الخطورة لأنه يمكنه أن يجعل من السبي مبدأ عاما في التعامل مع المختلف، لأن كل مختلف هو حكما كافر طالما أنّ{الدين عند الله الإسلام}.

 ففي تفسير ابن كثير:

«وقوله: {إن الدين عند الله الإسلام} إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام ، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقي الله بعد بعثته محمدا صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل. كما قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [ آل عمران: 85] وقال في هذه الآية مخبرا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام: {إن الدين عند الله الإسلام}»([33]).

أما برأي الشيخ عبد العزيز بن باز، وهو مفتي سابق للسعودية:

«قد أجمع العلماء على أن رسالة محمد عامة لجميع الثقلين، وأن من لم يؤمن به ويتبع ما جاء به فهو من أهل النار ومن الكفار، سواء كان يهوديا أو نصرانيا أو هندوكيا أو بوذيا أو شيوعيا أو غير ذلك»([34]).

فيما يرد على موقع "الإسلام سؤال وجواب" الذي يشرف عليه الشيخ محمد صالح المنجد:

«فدين الأنبياء واحد، وإن تنوعت شرائعهم؛ فقد يشرّع الله في وقت أمرًا لحكمة، ثم يشرع في وقت آخر أمرًا لحكمة، فالعمل بالمنسوخ، قبل نسخه: طاعة لله، وبعد النسخ يجب العمل بالناسخ، فمن تمسك بالمنسوخ وترك الناسخ؛ ليس هو على دين الإسلام، ولا هو متبع لأحد من الأنبياء، ولهذا كفر اليهود والنصارى؛ لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ»([35]).

وكما نرى مما تقدم فمعنى الكفر واضح، وهو ينطبق على أي دين أو معتقد مختلف عن البعثة المحمدية، وهذا لا يشكل مشكلة إذا بقي "حكم قيمة"، لأن التكفير موجود أيضا في معتقدات أخرى غير الإسلام، ففي المسيحية مثلا نجد يسوع يقول:

«أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي» (إنجيل يوحنا 14 :6)([36])

كما يقول أيضا:

«أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذي يثبت فيّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئا. إن كان أحد لا يثبت فيّ يطرح خارجا كالغصن، فيجف ويجمعونه ويطرحونه في النار، فيحترق» (إنجيل يوحنا 15 : 5-6)([37]).

لكن المشكلة الحقيقية الكبرى، هي عندما تتحول هذه الأحكام التكفيرية إلى قواعد شرعية تنفيذية، وهي كثيرا ما تتحول إلى ذلك، فتُتخذ بموجبها إجراءات عنفية مفرطة ضد الكفرة، فكنيسة القرون الوسطى مثلا  كانت تعمد إلى حرق مخالفيها بتهمة الهرطقة.

أما العهد القديم فهو حافل بتعاليم ومشاهد العنف ضد الآخرين من غير اليهود، على غرار المشهد التالي:

« فتجنّدوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر.
 
وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم: أوي وراقم وصور وحور ورابع. خمسة ملوك مديان. وبلعام بن بعور قتلوه بالسيف.

وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم، ونهبوا جميع بهائمهم، وجميع مواشيهم وكل أملاكهم.

وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم، وجميع حصونهم بالنار.

وأخذوا كل الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم،

وأتوا إلى موسى وألعازار الكاهن وإلى جماعة بني إسرائيل بالسبي والنهب والغنيمة إلى المحلة إلى عربات موآب التي على أردن أريحا.

فخرج موسى وألعازار الكاهن وكل رؤساء الجماعة لاستقبالهم إلى خارج المحلة.

فسخط موسى على وكلاء الجيش، رؤساء الألوف ورؤساء المئات القادمين من جند الحرب.

وقال لهم موسى: هل أبقيتم كل أنثى حية؟

إنّ هؤلاء كنّ لبني إسرائيل، حسب كلام بلعام، سبب خيانة للرب في أمر فغور، فكان الوبأ في جماعة الرب.

فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال. وكل امرأة عرفت رجلا بمضاجعة ذكر اقتلوها.

لكن جميع الأطفال من النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهن لكم حيات». (سفر العدد 31 :7-18)([38]).

وكما نرى فالتكفير في هذه الأمثلة  يكون مفعوله كارثيا على "الكفرة"، والموقف التكفيري الإسلامي هنا لا يشكل استثناء، وما فعلته داعش هو نتيجة حتمية لمثل هذا التوجه التكفيري.

وفي هذا السياق يقول الدكتور توفيق حميد أحد ممثلي التيار الإصلاحي الإسلامي في مقال له بعنوان "داعش إسلامية حتى يثبت العكس":

«قد يكون العنوان صادماً للبعض ولكن فى حقيقة الأمر فإن أول من اعتبر أن الدولة الإسلامية فى العراق و الشام - أو ما يعرف باسم تنظيم "داعش"- إسلامية ليس كاتب هذه المقالة بل هو شيخ الجامع الأزهر حينما رفض وصف المنتمين إلي هذه الجماعة الإرهابية بأنهم خارجون عن الإسلام.».

ويتابع الدكتور حميد:

«داعش -أو الدولة الإسلامية فى العراق والشام- على سبيل المثال تقتل المرتدين وتذبح منكري الصلاة وترجم الزانية المحصنة بالحجارة حتى الموت وتُزهِق روح المثليين جنسياً بأبشع الصور وتعلن الجهاد على غير المسلمين وتأخذ نساءهم "سبايا حرب" للمجاهدين للتسري أو التمتع بهن جنسياً وبيعهن فى أسواق النخاسة كرقيق».

«والسؤال هنا هو أليس ذلك هو أيضاً ما تدرّسه معظم -وإن لم يكن كل- المذاهب الإسلامية حتى عصرنا هذا؟»

«أو ليس ذلك هو ما يدرّسه الأزهر الشريف ويقره معظم رجال الدين الإسلامي حتى هذه اللحظة؟»

 ثم يتساءل:

«أين هي المناهج الدينية الإسلامية التى تعتبر أن أخذ النساء كسبايا ورقيق في الحروب جريمة شنعاء ضد الدين؟».

ليصل إلى نتيجة أن:

«الحقيقة المُرَّة هي أن غالبية رجال الدين الإسلامي وشيوخه يدرسون حتى يومنا هذا كل الجرائم المذكورة أعلاه ولكنهم لا يقومون بتنفيذها عملياً. فداعش ما هي إلا "ضحية" لفكرهم، فهم فقط الذين يأخذونه إلى حيز التنفيذ العملي.»([39]).

وما يزيد في خطورة وشر هذا التكفير هو أنه لا ينطبق -كما بُيّن آنفا- فقط على من هم "خارج الإسلام"، بل هو يمتد كذلك إلى داخله، لتكفّر الطوائف والمذاهب بعضها البعض وتسود ذهنية الفرقة الناجية، هذا من ناحية الهوية والاختلاف، أما من ناحية الزمن والعصر، فهذا المنحى التكفيري في إباحة السبي يبقيه مباحا من حيث المبدأ في كل زمان ومكان يوجد فيه مسلمون وغير مسلمين كافرون، ما يعني أنه سيمتد إلى "يوم الدين"، وبقاؤه قائما من حيث المبدأ، يبقي إمكانية تحوله إلى فعل قائمة ومستمرة، ومرهونة بمناسبة الظروف، كالقوة الكامنة التي تبقى قابلة للتحول إلى فعل عملي عندما تناسبها الظروف الموضوعية.

 

أما الموقف الآخر، الذي يربط السبي بالضرورة الحربية، فهو ليس أفضل بشكل جذري، فهذا الربط الذي يتضمن التبرير على مبدأ المعاملة بالمثل، يستدعي العديد من الأسئلة والمسائلات الخطيرة:

فأولا إذا كان هذا الإجراء مبررا من قبيل المعاملة بالمثل والغاية منه ردع العدو عن عدوانه وطغيانه في حرب دفاعية يُصدّ فيها عدوان واقع أو حرب وقائية يُدرء فهيا خطر عدوان محتمل، فهل ينطبق هذا التبرير على "الفتوحات الإسلامية"، وهي مبادرات حربية يقوم بها المسلمون  كجهاد في سبيل الله غايته محاربة الكفر ونشر الإسلام من وجهة نظرهم؟!

ما لاشك فيه أن شعار "الجهاد في سبيل الله" هو شعار كبير، حين نفهمه بمعنى الجهاد في سبيل الخير المطلق، وهو بلا شك ذو وقع سام عند المسلم، ولكنه مع ذلك يبقى شعار إسلاميا جهويا، ويحمل معنى إسلاميا حصريا خاصا، و"الفتح" المقترن به، هو بالنسبة لغير المسلم لن يكون إلا "غزوا إسلاميا"، ولن يقبل غير المسلم أي تبرير له، وهو بالتالي بالنسبة لغير المسلمين المتعرضين له باعتبارهم كفرة شر عظيم بقدر ما هو خير عظيم من وجهة نظر المسلمين، فبطريركية إنطاكية للروم الأرثوذكس مثلا تعتبر أن الـ 40 ألف الذين قتلوا يوم "فتح" المسلمون دمشق من رعاياها "شهداء"، وفقا لما يرد في كتاب "القديسون المنسيون في التراث الإنطاكي" للأرشمندريت توما البيطار ([40]).

 

في "الفتوحات" لم يكن المسلمون يصدّون عدوانا، ولكنهم كانوا يقومون بمبادرات حربية  تندرج تحت مفهوم الجهاد، وفي الإسلام، يُعتبر الجهاد فريضة، وهو مصطلح واسع المعنى، فـ "للجهاد معنى خاص هو (قتال الكفار) وقد يراد به معنى واسع يشمل جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الدعوة إلى الله تعالى بالقرآن، وجهاد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومقاومة الشر والسعي في إبطاله، وأنه ليس محصوراً في القتال وحسب، والجهاد له مراتب عديدة: تبدأ بجهاد النفس، وجهاد الشيطان، وتشمل جهاد الكفار، وجهاد المنافقين، وجهاد البغاة المعتدين، وجهاد المبتدعة المارقين، والطغاة الظالمين، والفساق والعاصين"([41]).

وهذا ما تتحدث عنه أيضا ويكيبيديا الإخوان المسلمين:

«الجهاد في لغة العرب معناه المشقة، يقال: جهدت أي بلغت المشقة.

أما تعريفه شرعاً فهو بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضاً على مجاهدة النفس والشيطان والفساق، قال الحافظ في الفتح: "فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على تعليمها, وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات, وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب, وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب، وأعلى أنواع الجهاد هو الجهاد بالنفس»([42]).

فهذا التعريف يلتقي مع سابقه في مفهوم الجهاد كقتال للكفار، وهذا القتال ليس دفاعيا، فالدفاع هو عمل طبيعي تقوم به كل الكائنات، وقصر مفهوم "الجهاد" على الحالة الدفاعية جزء من المؤامرة التي يدبرها أعداء الإسلام وفقا لويكيبيديا الإخوان المسلمين أيضا:  

«ولم يقف أعداء الإسلام في محاربة دعوة الجهاد إلى هذا الحد، بل صاروا يساعدون على نشر أفكار أخرى, منها أن الجهاد في الإسلام ليس من أجل الإسلام، وإنما هو لمجرد الدفاع عن النفس فقط، وقد لقيت هذه الفكرة نجاحاً في أوساط المثقفين من المسلمين بالثقافة الأجنبية حتى رسخت في قلوب عامة المفكرين تقريباً في هذا العصر الحاضر، فصاروا دعاة لها، ونسي هؤلاء أو تناسوا أن الدفاع أمر طبيعي لا ديني، فالحيوانات بل حتى الجمادات والنباتات قد خلقت في الكثير منها خاصية الدفاع ضد أعدائها كما هو معروف في علم النبات، وعلم الحيوان...»([43]).

ما يعني أن الجهاد الحقيقي وفقا لما تقدم هو"المبادرة الهجومية"، وهذه "الهجومية القتالية الجهادية" يمكن أن نجد ما يؤيدها في ما ينقله الطبري في تاريخه:

«أرسل سعد بن أبي وقاص ربعي بن عامر قبل القادسية إلى رستم قائد جيش فارس بناء على طلبه، فقال: ما جاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه. فمن قبل منا ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا. ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله! قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي»([44]).

وفي هذا يقول سيد قطب:

«ويقولون - وهم مهزومون روحياً وعقلياً تحت ضغط الواقع اليائس لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان- : أن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع ! ويحسبون أنهم يسدون إلى هذا الدين جميلاً بتخليه عن منهجه وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعاً، وتعبيد الناس لله وحده، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد! لا بقهرهم على اعتناق عقيدته، ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة . . بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة، أو قهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة، تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها»([45]) .

وكما نرى فصورة الجهاد القتالي واضحة في الإسلام، فهو ليس فقط الدفاع عن الإسلام والمسلمين وديار الإسلام، ولكنه أساسا سعي لتحطيم وقهر كل الأنظمة الطغيانية حتى لا تحول بين رعاياها والإسلام، دون إجبار هؤلاء الرعايا على اعتناق الإسلام، ما يعني هنا أن البقاء على دين غير الإسلام هو أمر مسموح، رغم أنه كفر، وهذا يتناقض مع الزعم بأن "الكفر يبيح السبي" كما ورد في الموقف السابق.

لكن إن كان المسلمون في الفتوحات، أو الغزوات الجهادية، التي يقومون هم فيها بدور الغازي، فيحاربون فيها كافرا عبر شن الحرب عليه وغزوه في عقر داره، لأنه لا يريد لا اعتناق الإسلام ولا دفع الجزية ولا السماح بنشر الإسلام فيها، معتبرا أن هذه دياره وهو حر فيها في ما يعتنقه وينشره فيها من دين، دون أن يبادر هو نفسه إلى التعرض بالأذى للمسلمين، أفلا يقودنا هذا المشهد من جديد إلى "التكفير"، ويقدم لنا صورة عدوانية لعلاقة المسلمين بالآخرين، يعتبر المسلمون فيها سواهم كفرة ومحاربة كفرهم فريضة سلما أو حربا، فإن رفض حاكم ما من حكام هؤلاء الكفرة الانصياع لشروط المسلمين، فهذا يعطيهم الحق بمهاجمته في بيته وشن الحرب عليه، ومن ثم سبي نسائه بذريعة الضرورة الحربية، التي لا يمكنها هنا أن تبرر بتبرير المعاملة بالمثل؟ فما هو هنا مبرر السبي؟!

إن أسر الرجال المحاربين من رجال مثل هذا الخصم واستعبادهم تماشيا مع تقاليد تلك الأزمنة، لا يمكن بأية حال وصفه بأنه عمل عادل، إذا أردنا الكلام بمنطق مجرد، لأن هؤلاء المحاربين لا يعتدون فعليا على المسلمين، ولكنهم عمليا يدافعون عن بلادههم ومعتقداتهم التي يهاجمها المسلمون، أي التي يعتدي عليها المسلمون! هذا في ما يتعلق بالرجال المحاربين، فما بالك بنساء الخصم، وبأية ذريعة يؤسرن، والنساء عادة لا يحاربن، ولاسيما في تلك الأزمنة؟!

إذا نظرنا إلى تلك الصورة نظرة حيادية، وحكمنا عليها حكما أخلاقا إنسانيا، أفلا يحق لنا عندها اعتبار أولئك المسلمين الفاتحين غزاة تكفيريين غاصبين، ولا يشفع لهم تنظيم وتقنين  عملية الاسترقاق والسبي؟!

وباختصار إذا كان مبرر القتال هو تحطيم الحكم الطاغي الذي يمنع إيصال الدعوة الإسلامية إلى الناس في دولة ما، فما هو مبرر استرقاق النساء والأطفال وغير المحاربين من الرجال إذا كانت الغاية الأساسية من القتال هي إزالة المانع الذي يحول بينهم وبين إلإسلام؟

هنا قد يجيب مجيب، أن الاسترقاق يقتصر فقط على الحكام والمحاربين ونسائهم، فهل يمكن إثبات أن الأمر جرى فعليا على هذا النحو في الفتوحات، وهذا ما يمكن أن نجده ضده الكثير من المعطيات التاريخية؟ وحتى بفرض أن الأمر هو كذلك، أفلا يفترض بأن تكن هاته النسوة أيضا مقصودات بدورهن بإيصال الدعوة إليهن؟  

 

عدا عما تقدم، أفلا تتناقض مقولة "المعاملة بالمثل" مع مبدأ "سماوية الإسلام"، الذي يفترض به أن يسمو بالشريعة المنزلة فوق مستوى شرائع الكفرة وأهل الباطل التي تبيح الاستعباد والسبي، اللذين كان بمقدور المسلمين أن يردعوا ويرهبوا أعداءهم دون اللجوء إليهما، واللذين كانا ليكونا بعدم اللجوء إليها دعاية كبرى عن رحمة وسماحة الإسلام؟

وألا تناقض هذه المعاملة مع ما ورد في الحديث عن التشبه بـ"الكفرة" كما في حديث{مَن تشبّه بقوم فهو منهم} [أبو داود(4031)]([46]).

أضف إلى ذلك أفلا يتناقض سبي النساء والأطفال كما كان يجري في ذلك الزمان مع القول القرآني {ولا تزر وازرة وزر أخرى}[الأنعام:164] و [فاطر:18].

 وأيضا أفلا يتناقض الغزو الجهادي للكفار في ديارهم، وما يؤدي إليه من قتل ورق وسبي وما شابه من شرور مع قول القرآن: {لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي}[البقرة:256]؟

وهذا ما يجب قوله لكل من يربط الرق والسبي بالكفر بشكل مباشر، أو يعتبره بشكل غير مباشر كنتيجة لحرب جهادية ضد الكفر.

 

 

8- تباين المواقف الفقهية والفكرية الإسلامية المعاصر من السبي:

 

تاريخيا، شرعن الفقه السالف السبي رغم كل الحجج المنطقية والأخلاقية التي يمكن توجيهها من منطلق إنساني أخلاقي ضد السبي.

واليوم ما تزال أكثرية الفقهاء المعاصرين تتعامل مع السبي بنفس الأسلوب وتعطيه الشرعية نفسها من حيث المبدأ، وهذا يبقي السبي بشرعيته المتفق عليها، وشروطه التي يمكن أن تتباين بين رأي وآخر مبدأ شرعيا قائما وثابتا ومستمرا في الإسلام، ولا يؤطر مقبوليته في تاريخ زمني محدد، ما يعني أن قابليته للتفعيل والتمكين ليست مرهونة بعصر محدد، ولكنها مرهونة بالظروف الذاتية والموضوعية لجماعة من المسلمين.

فوفقا لصحيفة الحياة: "أكد رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة المكرمة سابقاً الدكتور أحمد الغامدي أن السبي هو الاسترقاق وحكمه ثابت بنصوص الكتاب والسنة وعمل رسول الله ولم يرد ما ينسخ ثبوته"([47]).

 

فيما يقول الشيخ الدكتور صالح الفوزان عضو اللجنة الدائمة للإفتاء وعضو هيئة كبار العلماء في السعودية:

«المرأة لا تُقتل، وإنما تؤخذ مع السبي، فالأطفال الصغار من أطفال الكفار لا يقتلون، وإنما يؤخذون مع السبي فيكونون ملك يمين، وهذا هو الرق الشرعي الذي جاء به الإسلام، أن المسلمين إذا انتصروا على الكفار واستولوا على أموالهم فإنهم لا يقتلون النساء ولا يقتلون الأطفال، وإنما يأخذونهم على أنهم أرقاء مملوكين بسبب الكفر، الرق كما عرفه العلماء عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر، أما ما ينهب ويسرق من الذراري والنساء من غير قتال فهذا حرام ولا يكون رقًّا، هم أحرار، إنما الرق ما استولي عليه في المعركة من نساء الكفار وأطفالهم، ولا يرتفع هذا الرق إلا بالعتق، قال العلماء: الرق عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر، فلا يرتفع إلا بالعتق، بأي أنواع العتق، أنواع العتق كثيرة، كفارات، تطوع، ديات، وما أشبه ذلك، فهذا هو الحكم في نساء الكفار وفي أولادهم. فإذا كانت النساء التي سبين لهن أزواج من الكفار فإن زواجهن من الكفار ينتهي ويبطل، ويكن ملكا للمسلمين ملك يمين»([48]).

ويقول الشيخ الفوزان في سياق آخر، يفهم منه أنه شرعية السبي مازالت مستمرة:

«إن الإسلام لم يحرم سبي النساء ومن ينادي بتحريم السبي هو جاهل وملحد، إن هذا الحكم مرتبط بالقرآن ولا يمكن إلغاؤه طالما استمر الجهاد في سبيل الله، ويتابع بقوله: ذلك حكم الله، لا محاباة ولا مجاملة لأحد، ولو كان الرق باطلاً لكان الإسلام قد صرح بذلك كما فعل في الربا والزنا، فالإسلام شجاع ولا يجامل الناس»([49]).

 

 فيما يقرر محمد قطب في محاولة لتجميل السبي:

«وأما الاستمتاع بالمسبية فليس فيه اغتصاب، ولا عدوان على المرأة المسبية، ولا انتهاك لحقوقها، بل هو تكريم لها ورفع لقدرها؛ لأن المسبية إذا دخلت في ملك الرجل بحكم السبي فإنها غالبا ستنضم إلى عياله وأهله، وهي امرأة لها حاجاتها ومتطلباتها النفسية، والجنسية، فلو منعنا الرجل من وطئها ففي هذا فتنة له؛ لأنها امرأة أجنبية مقيمة معه في بيته، تقوم على خدمته وتشاركه خصوصياته فهي أمام عينيه صباح مساء، وفيه أيضا فتنة لها نظرا لاحتياجها لما تحتاجه النساء، فاقتضت حكمة اللطيف الخبير أن يبيحها لسيدها ليحصل العفاف لكل منهما بدلا أن يقعا في الحرام، أو تلجأ الجارية إلى فعل الفواحش والمنكرات فينبت في المجتمع نابتة من ملك اليمين تشيع فيه الفاحشة والرذيلة، وفي هذا معاملة كريمة للمرأة المسبية، إضافة إلى أن هذا سيفتح لها باب العتق؛ لأنها إذا حملت من سيدها وأنجبت فقد صارت أم ولد، وأم الولد تخرج من الرق الكامل خروجًا جزئيًا بمجرد الوضع للمولود، وتعتق عتاقا كاملا بمجرد موت سيدها»([50]).

 

أما الشيخ السلفي الأردني ياسين العجلوني، وهو معلم فيزياء سابق، فقد أصدر فتوى أجاز بها "سبي" نساء الطائفتين العلوية والدرزية، ونشرها على الفيسبوك، وجاء فيها: "إن شاء الله سأصور فيديو أبين فيه جواز ملك اليمين لمن أفاء الله عليه وسبى في معارك الشام .. فله أن يمتلكهن ويطأهن من غير صداق ولا زواج، وعليه أن يثبت بنوة المولود له منها في الدوائر الشرعية، وقال أن "الطائفة العلوية أو النصيرية والدروز والمندائية ليست من الفرق الاسلامية"، وأن "العلويين ليسوا من المسلمين"، داعيا"المجاهدين في الشام إلى تملك السبايا من نساء العلويين"، لكنه تراجع لاحقا عن هذه الفتوى واعتذر وقال أن النظام السوري استغلّها "أبشع استغلال"([51]).

 

لكن في المقابل نجد آراء عديدة أيضا تخالف أو تناقض ما تقدم، فقد قالت دار الإفتاء المصرية في الفتوى رقم "3232" الصادرة بتاريخ ‏05‏/11‏/2015 حول ما تفعله داعش:

«ما يفعله هؤلاء الخوارج المسمَّوْن (بداعش) وغيرُهم، من اختطافٍ للنساء المسيحيات والإيزيديات وتسلُّطٍ عليهن بدعوى سَبْيهنَّ واسترقاقهن: إنما هو بيعٌ للحرائر، وتقنين للاغتصاب، وإكراه على البغاء، وحرابة وإفساد في الأرض، ونقض لذمة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلُّها من كبائر الذنوب، وموبقات الآثام، وعظائم الجرائم، التي توعَّد الله تعالى فاعليها بالعذاب الشديد والعقاب الأليم، ولا شأن للإسلام بهذه الأفعال الإجرامية في شيء. »([52]).

  كما علق د. إبراهيم نجم مستشار مفتي مصرفي وقت سابق من 2014، وفقا لما ورد على موقع "بوابة الحركات الإسلامية"، على ممارسات تنظيم"داعش"، أن"داعش"خالف جميع أحكام الإسلام ومبادئه في معاملة المرأة في الحروب، فقد قتل وسبى النساء وأعاد إحياء فصل كريه من فصول التاريخ البشري الذي أجمعت دول العالم على تحريمه وتجريمه.

وقال أن "داعش" أعاد إحياء الرق ليخرق المواثيق التي أجمع عليها العالم كله، واتخذ من النساء سبايا، ليستأنف من جديد الفتنة والفساد في الأرض، والفحشاء باستئناف شيء تشوَّق الشرع إلى الخلاص منه بل وأمر به"([53]).

 

فيما أوضح الأكاديمي في جامعة الأمير سلطان الدكتور حمزة السالم لصحيفة الحياة، أن الإسلام أقر السبي، وقال: «نحن نكذب على الدين إذا قلنا أن الإسلام ينكر السبي». وأكد لـ"الحياة" أن السبي ثبت في الحروب وما بعدها، وأن مفهوم المن والعفو وإطلاق الأسير والفداء نزلت آيته في معركة بدر، ومسألة العفو والفداء بيد إمام المسلمين. وشدد على أن الإسلام نظّم مفهوم السبي الشرعي، وحث على أشياء تسهم في إطلاق الأسير، معتبراً الحضارة الإسلامية من أكثر الحضارات التي توسعت في مفهوم السبي .ونبّه إلى أن ما يقوم به تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) غير شرعي، فالسبي مثل الجهاد يدخل ضمن الوسائل وليس الغايات، وشبّه السبي بركوب الخيل، «كان وسيلة جيدة في زمن مضى، لكنه غير مجد الآن»، وأكد أن «إنكار السبي لا ينفع لكنه يعد من الوسائل وليس الغايات»([54]).

أما الباحث السعودي الإسلامي عبدالله العلويط  فقد علق على ما فعلته  بوكو حرام من اختطاف للنساء في نجيريا في مداخلة  لصحيفة "إيلاف" الإلكترونية أن "سن أنظمة لمنع الرق أو منع المحاربين من استخدامه في عصرنا عمل فاضل، يجب على الدول والمنظمات أن تقوم به لأن به مراعاة للإنسانية، وشرح  فكرته بقوله أن"الاسلام يرفض الرق ولا يشجع عليه، وهو من المكروهات ولكنه لم يحرم تحريمًا قاطعاً في صدر الاسلام لأن الناس كانوا يحتاجونه من أجل مزاولة الأعمال والمهن، فلم يكن هناك نظام عمل آنذاك ولم يوجد وكانوا يعتمدون على الرقيق في العمل، ولذا أبقاه الإسلام لكنه من حيث الأصل ممنوع، فهو من ضمن الأشياء التي لم يحرمها الاسلام مراعاة لأحوال الناس، فهو وإن كان قد ذكر في القرآن إلا أن القرآن قد يوجه للمكروه كما في قوله تعالى”واضربوهن“الضرب مكروه" ([55]).

أما عضو مجلس الشورى السعودي الدكتور عيسى الغيث فقد علق عبر تويتر: «زمن الرِّق انتهى والإسلام حرّم السبي»، وأضاف: «جاء الإسلام والرق موجود، فجعل الكثير من الكفارات في الإعتاق لإنهاء العبودية، واليوم انتهى زمن الرق ويحرم السبي، والأعراض مصانة لكل البشر»([56]) وأكد أن «السبي والرق والعبودية كلها عندي اليوم محرمة حتى قيام الساعة، رضي من رضي وغضب من غضب، والإسلام جاء بحفظ الأعراض لكل البشر» .وأضاف: «من أجاز اليوم السبي والرق فلا يلومنّ غير المسلمين حينما يسبون أمه وزوجته وأخته وبنته ويبيعونهن في سوق الرقيق، وحينها سنعرف حقاً رأيه الشرعي»([57]). وقد رد عليه مؤيدوا سبي داعش للإيزيديات على وسائل التواصل الاجتماعي بإعادة نشر مقطع فيديو سابق للشيخ صالح الفوزان يتضمن رأيه بأن"الإسلام لم يحرم سبي النساء وأن من ينادي بتحريم السبي هو جاهل وملحد"، وهو فيه يرد على سيد قطب الذي سبق له أن قال أن "الرق حرام".

 

أما عضو مجمع الفقه الدولي البروفيسور حسن سفر فقد قال، كما أوردت صحيفة "الحياة"، أن الواقع والنظرة الاستقرائية تؤكد التعامل الإنساني للدين الإسلامي مع المسلم وغير المسلم، وأكد أن الإسلام تعامل مع سبايا الحرب بالاحترام وأعطاهم الكرامة الإنسانية. ورأى أن إنزال مفهوم السبي على الواقع الحالي يتعارض مع روح الشريعة الإسلامية وإجماع فقهاء الأمة، الذين أجمعوا على إلغائه([58]).

 

فيما قال الشيخ يوسف سبيتي أن القرآن الذي سمح الله فيه للمسلمين بقتال المشركين لم يشرّع سبي النساء في الحرب حتى لو تواجدن في أرض المعركة، ولا توجد فيه أية آية تسمح للنبي أو للمسلمين بسبي النّساء، مع أنه حافل بالآيات التي تبيّن للمسلمين طريقة تصرّفهم في أرض المعركة مع الأعداء، ما يعني أنّ سبي النّساء ليس حالة شرعيّة ثابتة، بل هو حالة تخضع للظروف التاريخيّة الّتي قد تسمح بمرحلةٍ ما بالقيام بهذا الفعل، وقد لا تسمح به في مرحلة أخرى.

ويرى أنه بالنسبة لعصرنا الحالي منذ توقيع اتفاقيَّة جنيف حول "أسرى الحرب"، قد زال مفهوم سبي النّساء، واسترقاق الرّجال أيضاً، فلم تعد المرأة ولا الرّجل يُباعان فيما كان يسمَّى "سوق النّخاسة"، ولم تعد المرأة ملكاً لمن يأسرها، ولا الرّجل كذلك، بل إنّ الأسير خاضع لهذه الاتفاقيّة، فهو ما زال مواطناً له حقوقه المدنيّة والإنسانيّة، لا تُمسّ كرامته ولا شرفه، ولا يجوز قتله أو معاملته بطريقة تقلّل من احترامه أو احترام إنسانيّته، وبعد هذا كلّه، يجب أن يعاد إلى وطنه، ولا يصحّ بحالٍ أن يبقى في بلد الأسر تحت أيّ عنوان وأيّ ظرف([59]).

 

 

9- نظرة تحليلية على تباين المواقف الإسلامية المعاصرة من السبي:

 

هذه التباينات في المواقف لها أسبابها ودلالاتها ذات الأهمية الكبيرة، وتجاهلها إما يندرج في إطار التعمد المغرض لشيطنة الإسلام لأغراض خاصة، أو في إطار التسطح المعرفي العائد إلى عدم امتلاك المنهجية العقلانية الكافية في التعامل مع المشكلات.

تقتضي الموضوعية القول أنه رغم كل التباينات الموجودة على الساحة الإسلامية في موضوع السبي، فإن قلة قليلة أيدت داعش، وهؤلاء ينتمون إلى نفس النوعية العنفية التكفيرية التي أنتجت داعش، وبالتالي فليس غريبا منهم أن يتبنوا تلك المواقف، أما بشكل عام فمعظم المواقف جمعت بين نقطتين هامتين هما:

-         الأولى -وهي الإيجابية- رفضت فيها وأدانت سلوك داعش.

-         الثانية -وهي السلبية- حافظت على موقع الرق والسبي النظري، وأبقت على شرعيته.

 

في النقطة الأولى ثمة إيجابية كبيرة، رغم اقترانها بالنقطة الثانية ذات السلبية الكبيرة بدورها، فرغم الإبقاء على شرعية الرق والسبي من حيث المبدأ النظري في الإسلام، فهي قرنت ذلك بأحكام وشروط تطبيقية صارمة لا تنفصل عن شرعية المبدأ، وبذلك أنتجت نموذجا متكاملا بين النظرية والتطبيق في التعامل مع هذه المسألة، وبنت على ذلك شرعية كلية يحكم من خلالها على التعامل مع هذه المسألة والعمل بها، ما يجعل بناء عليه سلوك داعش باطلا ومجرما.

هذا الموقف في التعاطي مع الموضوع هو ذو أهمية قصوى لا يتجاهلها إلا مغرض أو ساذج، فإذا نظرنا إلى كيفية ممارسة التشريع وتطبيقه في الدول الناجحة، فسنجد أن القوانين الموجودة مرهونة حصريا بسلطات محددة بدقة، وهي التي تتولى إصدار الأحكام عليها بناء على المعطيات المتوفرة لديها، وهي التي تقوم بعد ذلك بتنفيذ الأحكام الصادرة، فعقوبة الإعدام مثلا، وهي من العقوبات الشائعة تاريخيا، والتي ما يزال معمولا بها في أكثرية دول العالم حتى اليوم، هي عقوبة محصورة حصريا بمؤسسات الدولة، فهي التي تصدر الحكم بها، وهي التي تتولى تنفيذه، ويمنع بتاتا على أية جهة أخرى القيام بذلك، فحتى المجرم البائن الجرم المستحق الإعدام، الدولة وحدها هي التي تحكمه وتعاقبه به، أما إن قام شخص أو جماعة غير مخولين بذلك، فهم بدورهم يعبترون قتلة ويحاكمون من قبل الدولة نفسها على هذا الأساس، وهذا السلوك الواجب على الدولة له داعيان:

أولهما، هو عملي، ويتمثل في الحفاظ على قوة وفاعلية"الحكم"، أو قوة وهيبة الدولة نفسها، فإن لم تحدَّد المسؤوليات والصلاحيات والسلطات بدقة ويلتزم بها بشكل صارم، فلن يكون هناك فعليا دولة، وسيغرق المجتمع في حالة الفوضى.

ثانيهما، هو أخلاقي، والغاية منه تحقيق العدالة، فكل من يقوم بعمل يجب أن يمتلك الأهلية الكافية للقيام به، ومن يصدر وينفذ الأحكام يجب أن يتمتع بالأهلية الكافية لفعل ذلك، وإلا فسيعم الجور والظلم، وهذه العملية أيضا يجب تنظيمها بإدراة أو إشراف الدولة.

هذا الأمران يجب إيلاؤهما الأهمية الكافية، وإلا ستنشر الفوضى والظلم، ويصبح إصدار وتنفيذ الأحكام مرهونا بالقوى والمصالح والعصبيات والأهواء الخاصة، ويتحول المجتمع عندها إلى غابة.

وبما أن الإسلام هو دين ودولة بالمفهوم الفقهي، وهما أمران متكاملان، فالعبادة لا تنفصل عن الشريعة، والاعتداء على الإسلام كدولة أو كشريعة يعني الاعتداء عليه ككل، وهذا ما تفعله داعش وأمثالها، فهم عندما يعلنون الجهاد، وهم غير مخولين بذلك، فهم بذلك يعتدون على حق "الدولة" وبذلك يعتدون على الإسلام نفسه.

لا شك بأن هذا الموقف له قيمة كبيرة، فهو لا يرخي الحبل على غاربه لكل صاحب مطمع أو هوى أو هوس ليتلاعب بالأحكام الشرعية على هواه، وهذه من الحسنات التي تحسب للفقه الإسلامي المعاصر رغم واقعه المتردي عموما.

عدا عن ذلك، فما يحسب له أيضا أن خلافه مع داعش في مسألة الرق والسبي، وهي من المسائل الأخطر، ليس فقط خلاف سلطة، وهذا يعيدنا إلى مسألة الأهلية، فرغم أن جل الفقهاء يعترفون بشرعية السبي والرق في الإسلام مبدئيا، فهم اليوم يقفون منها موقفا مختلفا عمليا، فكلاهما يُعتبر العمل به متوقفا لأسباب موضوعية كافية، وإيقاف العمل هذا مستمر إلى أجل لا يعلمه إلا الله، وهذا يعني وفقا للأسباب التي اقتضت هذا الإيقاف، وهي القوانين الإنسانية المتفق عليها لتنظيم العلاقات الدولية، والتي يتطور العالم كله على أساساها اليوم، أن هذا الإيقاف هو "إيقاف مؤبد" إذا استمر العالم بالتطور، وهذا ما يعبر عنه مثلا كلام الشيخ يوسف سبيتي وكلام الدكتور إبراهيم نجم الآنفي الذكر بشكل صريح، ويعنيه كلام الدكتور حمزة السالم أعلاه، وبهذا الشكل يكون الفقه الإسلامي المعاصر قد حقق درجة كافية من المسؤولية والموضوعية في التعامل مع مسألة خطيرة الشأن والمفعول كمسألة الرق والسبي، الذين توقفت ممارستها فعليا في عصرنا الحديث في العالم الإسلامي.

 

لكن ما يحسب على هذا الفقه، هو إبقاؤه على شرعية الرق والسبي كمبدأ، وهذا مثلا ما نجده في كلام الشيخ صالح الفوزان، وما أشار إليه الدكتور حمزة السالم، فوجود الرق والسبي هو حقيقة لا يمكن تجاهلها في التاريخ الإسلامي، وبالتالي لا يمكن انتظار المعجزات من الفقه الإسلامي، ليلغي أمرا كان مشروعا في التاريخ الإسلامي منذ العهد النبوي، وهنا علينا أن نتحلى بالواقعية، وألا نجعل ذلك مدعاة لشيطنة الإسلام لا في ماضيه ولا في حاضره.

فبالنسبة للحاضر الإسلامي، ليس غريبا قطعا أن يبقى جل الفقهاء مصرين على إعطاء الشرعية المبدئية لأمر أعطاه سلفهم الشرعية على نطاق واسع فقهيا ومديد زمنيا حتى أصبح من الثوابت، فبهذا الشكل سيبدو وكأن الفقه الحديث ذهب في مناقضة الثوابت المسلم بها، ولو قارنا هذا مع التاريخ المسيحي فسيبدو الأمر أشبه بأن تقوم الكنيسة الكاثوليكية المعاصرة بإدانة موقفها من الهرطقة تاريخيا والتبرؤ منه، وهذا ما لم يحدث بعد ولا يتوقع حدوثه على المدى المنظور، مع ذلك، فمع أن فكرة الهرطقة ما تزال قائمة حتى اليوم في اللاهوت المسيحي، فلم تعد جل الكنائس المسيحية اليوم تتعامل معها وتعمل بها قطعا كما كان يحدث في القرون الوسطى، والكنيسة الكاثوليكية اليوم مثلا تتصرف في العديد من الأحيان بشكل كانت هي نفسها ستعتبره هرطقة فيما لو حدث في القرون الخالية، فمثلا، أصبح مقبولا في اللاهوت الكاثوليكي تفسير الكثير من المقاطع في النصوص المقدسة تفسيرا رمزيا، لأن تفسيرها الحرفي يضعها في حالة مواجهة خاسرة مع العقل العلمي الحديث، وهذا التصرف ينم عن تطور في التفكير اللاهوتي وتعامل مع الواقع بعقلانية وواقعية، ومن الأمثلة على ذلك، يقول”الكتاب المقدس الأميركي الجديد“ (The New American Bible)،‏ وهو إحدى الترجمات الكاثوليكية،‏ عن الإصحاحات ١-‏١١ من سفر التكوين، التي تتحدث عن تاريخ الخلق من بدايته وحتى تدمير برج بابل، أنها لا يجب أن تفهم فهما حرفيا، فـ « سيدرك مفسر سفر التكوين حالا الهدف المتميز الذي يميز إصحاحات "التكوين" من1وحتى 11: وهو إعادة سرد أصل العالم والإنسان (التاريخ البدائي)، ولجعل الحقائق الواردة في هذه الفصول واضحة للشعب الإسرائيلي المعنيّ بالحفاظ عليها، وجب التعبير عنها بواسطة المفاهيم السائدة بين أولئك الناس في ذلك الوقت، ولهذا السبب، يجب أن تميز الحقائق نفسها بوضوح عن غطائها الأدبي» ([60]).‏  

شيء مشابه من التغيير يحدث اليوم في الفقه الإسلامي وإن كان بطيئا وضيق النطاق، ففي التعامل مع السبي مثلا نجد درجة واضحة من التعامل الموضوعي والمسؤول على المستوى التطبيقي، لكن تغيير الموقف الجذري منه على المستوى المجرد أو المبدئي يحتاج إلى قفزة تطورية، ما يزال ليس فقط الفقه الإسلامي، بل والوقع الإسلامي ككل بجانبيه الديني والاجتماعي بعيدا عنها حتى اليوم.

 

هذا على الصعيد المعاصر، أما على الصعيد التاريخي، فإذا وضعنا الأمور في سياقها الموضوعي بمنهجية علمية محضة، ووضعنا كل المقاربات والمفاهيم الميتافيزيقية جانبا، فعلينا عندها أن نتعامل مع الإسلام ككل كظاهرة تاريخية اجتماعية مرهونة بظروفها وشروطها التاريخية والواقعية، وهنا يمكننا أن نتعامل معه من الناحية الاجتماعية كدين وكثورة وكدولة، وأن نضع كل ذلك في لحظته التاريخية، وهكذا سيكون الإسلام عندها محكوما بشروط أربعة، ثلاث منها اجتماعية، ورابعها تاريخي، وسيصبح من السهل تلمس آثار كل شرط من هذه الشروط على طبيعة تطور الإسلام اللاحق.

فمن ناحية كون الإسلام دين، سنجد أنه كأي دين آخر يمتلك منظومة نسقية من العقائد التي ترتبط بفكرة المقدس، وتصور المقدس بصورة محددة الملامح، وتحدد له نطاقا يصبح كل ما هو خارجه غير منتم إلى ميدان المقدس، ومتخارج معه، وبالتالي كفرا، وبما أن الإسلام نشأ في بيئة "إبراهيمية"، تسود فيها فكرة تكفير المختلف، التي يترتب عليها في كثير من الأحيان ممارسة العنف ضده، فقد أبقى الإسلام على هذا التقليد، وهو فيه لم يكن أكثر عنفا من اليهودية التي كانت تتعامل مع المختلف بمنطق الإبادة، ولا تعترف إلا بشعبها المختار، ولا حتى من المسيحية التي راحت بدورها تدمر الإرث الوثني بعنف عندما ما امتلكت القوة، وتقضي بقسوة على أي مختلف فيها عن المذهب الكاثوليكي الأرثوذكسي الرسمي بتهمة الهرطقة، هذا ناهيك عن الصراعات العنيفة التي شهدها هذا المذهب نفسه سواء عند انقسامه إلى مذهبين، كاثوليكي غربي، وأرثوذكسي شرقي، أو عند ظهور الحركة البروتستانتية، وهذه كلها "صراعات مقدس" من ناحية مرتبطة بتكفير الآخر، وهي أيضا في كثير من الأحيان "صراعات سلطة" بنفس الوقت، لأن الدين أيضا هو سلطة، سواء كانت هذه السلطة رسمية أم غير رسمية.

أما من ناحية كون الإسلام ثورة، فهذا قد اقترن بعملية تغيير اجتماعي واسع، وما لبث أن أنتج دولة بقيت محافظة على ثوريتها حتى نهاية العهد الأموي، وامتدت آثارها بعيدا في العهد العباسي، ومن طبيعة الثورات عموما أن تسعى لتصدير نفسها، لأنها تحمل فكرة "تغيير العالم" وجعله "أفضل"، بالسلم أو بالقوة، وهذا ما أنتج مفهوم "الجهاد" و"قتال الكفار" المرتبط به في الإسلام، الذي ترتبط فيه فكرة جعل العالم أفضل بـ "تعبيد كل الناس للإله الحقيقي الأوحد، وبالقضاء على كل الطواغيت التي يحولون دون تحقيق هذه الغاية".

أما من ناحية كون الإسلام دولة، بمعنى أنه نظام حكم وشريعة، فقد أنتج هذا بدوره "الدولة" ككيان سياسي وكسلطة، وقد شهد "نظام الخلافة" تحولا سريعا إلى "نظام ملك" مع بداية العصر الأموي بعد صراعات عنيفة على السلطة في العصر الراشدي، ومع نشوء الدولة الإسلامية، كان ولابد لهذه الدولة أن تتصف بما تتصف به كل الدول في زمانها، وليس في زمانها فقط، من نزعة إلى التسلط والتوسع والهيمنة، وصراع وتنافس مع غيرها من الدول، عدا عن الصراعات الداخلية فيها على السلطة والنفوذ، وهذا بدوره ينتج "عنف الدولة".

وهكذا كان لا بد للإسلام الناشئ أن تجتمع فيها ثلاثة عوامل مسببة للعنف وهي "عنف المقدس"، و"عنف الثورة" و"عنف الدولة"، وهذه كانت أمورا محتمة لا مفر منها حينها، وهذا هو الشرط الرابع، الشرط التاريخي، الذي كان يحكم علاقات المقدس والانقلاب الاجتماعي والعلاقات بين الدول بدرجات وأشكال معينة من هذا العنف متناسبة مع ظروف تلك الآونة، ومن بينها الحروب واسترقاق الأسرى وسبي النساء، وهكذا وكأي انقلاب اجتماعي بقي الإسلام مرهونا بواقعه الاجتماعي، فأدخل فيه تغيرات كلية أو جزئية في جوانب، وأبقى جوانب أخرى بدون تغيير، وبالنسبية لأخلاقيات الحرب والرق والسبي، ورغم أن الإسلام لم يلغها، فلا يمكن عدم الاعتراف بأن الإسلام تمكن من وضع أخلاقيات جديدة حسنة نسبيا في حينها في هذه الجوانب، واستطاع أن يقلص حجم وبشاعة هذه الشرور، التي بقيت مع ذلك شرورا كبيرة بما فيه الكفاية.

في سعيه لفرض نوع من الضوابط المتناسبة مع أخلاقيته، وضع الإسلام قواعد للحرب والرق والسبي، وبقدر ما كانت مفاعيل هذا حسنة في حينها، فقد انقلب الأمر لاحقا إلى العكس، فهذه القواعد أو التشريعات التي وضعها الإسلام لتقنين وقوعدة الرق والسبي أدت في المحصلة إلى شرعنتهما وأعطتهما الشرعية والتحليل، وهذا ما لا يستطيع الفقه المعاصر إنكاره أو تغييره، ولم يستطع بعد تجاوزه.

هكذا نكون قد وصلنا في أيامنا الراهنة إلى ثلاثة مواقف إسلامية من الرق والسبي، وهي ممكنة الاستقراء من خلال ما يطرح حولهما، ولاسيما بعد أن أحيتهما داعش وبوكو حرام تطبيقيا:

الأول يرى مشروعيتهما مطلقة من حيث المبدأ والتطبيق، ويجعلهما محللات دائمة وثابتة رغم تغير العصور والوقائع، وهو بذلك يقوم بسرمدة هذين الشرعية والتحليل ورفعها فوق كل واقع وفقا لفهمه لفكرة سماوية الإسلام المتعالية على كل واقع بشري، وهو بناء على ذلك لا يقيم وزنا لأية تطورات تصل إليها البشرية، ولا يعترف بأية مواثيق وعهود تتفق عليها، فهذه برأيه كلها قوانين باطلة وكافرة، لأنه لا يعترف إلا بالشرع الإسلامي الثابت، وهذا الموقف تتبناه داعش وبوكو حرام وأنصارهما وأمثالهما من المتطرفين التكفيريين .

الثاني يحصر المشروعية المطلقة بالمبدأ فقط، ولكنه يشرط التطبيق ويرهنه بالظروف الواقعية، فيمنعها في الحاضر نظرا لتغير الظروف في العالم المعاصر، الذي لم يعد يمارس فيه الرق والسبي بأي شكل شرعي، وأصبحت قوانينه الدولية تحظر وتجرم هذه الأفعال، وهذا رأي أكثر الفقهاء والمفكرين.

الثالث يرى أن مشروعية الرق والسبي كانت إجراء آنيا مؤقتا في الإسلام، وقد انتهى زمانه، ويرى أن الإسلام من حيث المبدأ ضد العبودية بكافة أشكاله، وهذا الرأي ما يزال حتى الآن رأي القلة.

 

 

10- إشكالية الفقه المعاصر ودوره في عودة الرق والسبي:

 

لا شك في موقف الفقه الإسلامي المعاصر الرافض عموما لممارسة الرق والسبي في عصرنا الحديث هو موقف ذو إيجابية كبيرة، هذا من ناحية، ولكنه من ناحية ثانية موقف ينطوي على كثير من السلبية أيضا في حفاظ أكثرية فقهائه على مشروعية الرق والسبي المبدئية أو النظرية في الإسلام، فهذا الموقف السلبي له مساوئه الكبيرة، إذ أنه يبقي فكرة السبي حية ومقبولة في الذهنية الإسلامية رغم مشروطيتها التطبيقية، ويعطي الإمكانية للتخلي عن هذه المشروطية ورفض الرفض الذي يبنى على هذه المشروطية في عالمنا الرهن، ما يؤدي إلى عودة تلك السلوكيات الخطيرة إلى حيز الممارسة، أي أن نتيجة مواقف أكثرية الفقهاء المؤيدة لمشروعية الرق والسبي المبدئية تبقي شعلتيهما مشتعلة، ولا تخمدها، وبذلك يبقى خطر انتاج الحريق قائما، رغم كل مساعي حصر هاتين الشعلتين وإبعادهما عن نطاق الفاعلية، ففي واقع هش اجتماعيا وشامل التردي وشديد التأزم كواقع المجتمعات العربية والإسلامية، تكون قابلية الاشتعال عالية، والقدرة على حصر مصادر النار ضعيفة.

مع ذلك فلا حل فقهي جذري يمكن انتظاره على المدى المنظور لمسألة السبي كما بينا آنفا، لكن هذا بحد ذاته لا يعتبر عرقلة للحل، لأن مشكلة عودة السبي لم تصنعها فتوى ولن تحلها فتوى بالمقابل، فهي مشكلة لا تربط حصريا بعامل ديني، والعامل الديني فيها هو جزء من كل مأزوم، وهو بدوره أيضا لا ينحصر بشرعية السبي التاريخية في الإسلام، رغم أن كل ذلك يلعب دوره.

فإذا قمنا بمقارنة سريعة مع وضع المسيحية في العالم الراهن، فسنجد أن المسيحية التقليدية حتى اليوم لم تدن إرهاب العهد القديم أو ترفضه، فالعهد القديم كله ما يزال معترفا به كجزء من الكتاب المقدس، كما أن هذه المسيحية لم تدن الصراعات الدينية بين المذاهب المسيحية أو تتبرأ منها، وهي لن تفعل ذلك، لأن كل ذلك جرى تحت غطاء نفس المقدس، الذي لم يتغير بعد في المسيحية وبقي ثابتا، لكن تغيرا كبيرا حدث في آلية التعاطي مع هذا المقدس، نتيجة التطور الشامل الذي شهده الغرب في كل ميادين الحياة، بما في ذلك الميدان الديني، واليوم لا يستطيع أي متطرفون مسيحيون في الغرب إشعال فتنة طائفية، لأن الواقعين الديني والاجتماعي تطورا فيه إلى درجة لم يعودا فيها قابلين لمثل هذه الفتن.

هذا أمر ما يزال بعيد المنال على الساحة العربية المأزومة على كافة الصعد، وحتى على المستوى الفقهي، الذي لا ينفي ما فيه من مواقف متباينة الإيجابية ورافضة للداعشية والإرهاب التكفيري قطعا أنه فقه مأزوم، وأنه يساهم بدور كبير في إنتاج الواقع الديني والواقع الاجتماعي المأزومين بدورهما، فمعظم الفقه والفكر الإسلاميين المعاصرين، هما معاصرين فقط، ولكنهما ليسا عصريين، فهما ما يزلان تابعان بشدة لفقه وفكر السلف، المحاطين بهالات من التقديس والتعظيم، وبذلك يصبح كل من الفقه والفكر الإسلاميين المعاصرين الذين يتعاملان مع الحاضر بذهنية وأساليب الماضي عاجزين عن تلبية متطلبات العصر وتحدياته، وبدلا من أن يكونا جزءا من الحل، يصبحان جزءا من المشكلة، وذلك عبر تكريسهما لحالة التخلف الاجتماعي، التي يشكل التخلف الديني نواتها، في حاضر ما يزال يشكل امتدادا لمرحلة انهيار الحضارة العربية الإسلامية.

ما يفعله الفقه المعاصر في انتاج الأزمة، أكبر بكثير من مسألة الفتاوى والمواقف المقترنة بالسبي، وهو يتمثل بالمساهمة الفاعلة في إنتاج البيئة الاجتماعية القابلة للسبي، ففي مثل هذه البيئة، حتى لو أجمعت كل المرجعيات الإسلامية المعترف بها على تحريم السبي بفتوى قاطعة شاملة، فالخطر سيبقى قائما، وببساطة، فكما يحدث العنف الجنسي وسواه من العنف الوحشي في الصراعات في مجتمعات ليس لديها متطرفون دينيون يبيحون السبي، ولكن العنف فيها يحدث نتيجة الانهيار الإنساني المتربتط بالتدهور الاجتماعي، فهذا العنف سيبقى ممكنا في أوضاع مماثلة في المجتمعات العربية، ويمكنه أن يحدث بأشكال أفظع من السبي نفسه، وفي مثل هذه الأحوال يمكن لبعض الحالات أن تعيد انتاج لبوس ديني تحت مسمى "السبي" لهذا العنف الجنسي، وهو لن يكون عندها الأسوأ عمليا!

الفقه المعاصر يساهم بجريانه الغالب في مجاري الماضي بقسط أساسي من عملية انتاج واقع ديني مأزوم، أما الأجزاء الباقية فتنتجها ظروف التدهور الاقتصادي والسياسي والثقافي وغيرها  من أصعدة التدهور، وهذا ينطبق على الواقع الاجتماعي ككل، وفي المحصلة نكون قد وصلنا إلى حالة تدهور اجتماعي شاملة تتضمن حالة من التدهور الديني في مجتمع تقليدي متدين، وهكذا يصبح الدين نفسه أكبر مواقع إنتاج التوحش.

 

 

11- الخلاصة:

 

إن العلاقة بين تخلف الفقه الإسلامي والواقع الديني والواقع الاجتماعي هي علاقة جدلية، فالواقع الديني المعاصر في المجتمعات الإسلامية المعاصرة هو بشكل عام نتاج تفاعلي مشترك لموروث إسلامي آت من عصر الانحطاط الإسلامي، ويهيمن عليه فقه سلفي مقيّد بتقاليد السلف من جهة، ولظروف اجتماعية داخلية متردية من جهة ثانية، وتدخلات خارجية طامعة من جهة ثالثة، وهذا الواقع الديني المتردي نفسه تلعب فيه العوامل الاجتماعية دورا فاعلا، وهو بدوره يعود فينعكس عليها سلبا لينتج واقعا اجتماعيا شاملا مأزوما، وهكذا دواليك من جدلية الفعل ورد الفعل.

وباختصار يمكن القول أن التردي المستفحل على كل من المستويين الديني الجزئي والمجتمعي الكلي يعود إلى العوامل التالية:

1-    موروث تاريخي متخلف يشكل امتدادا لمرحلة انهيار الحضارة العربية الإسلامية.

2-    فقه إسلامي متسلّف، ويشكل بشكل رئيس جزءا من هذا الموروث المتخلف.

3-    أنظمة حكم سلطانية فاسدة ترسخ وتفاقم حالة التخلف وتستغلها.

4-    قوى اجتماعية رجعية وطفيليات اقتصادية ومصالح انتهازية من مصلحتها بقاء حالة التخلف والاستبداد.

5-  أطماع خارجية خبيثة تستغل كل ما تقدم في أجنداتها وسياساتها المغرضة، سواء في المنطقة العربية أو العالم الإسلامي أو على الصعيد العالمي ككل.

 

في هذه الظروف الشديدة التردي، لا يعود غريبا أن ينتشر الإرهاب والعنف بمختلف أشكالهما، وبما أن المجتمعات العربية والإسلامية ما تزال مجتمعات شديدة التدين، فمن الطبيعي لتأزّم هذه المجتمعات أن يجد في الدين الموقع الأنسب للتعبير عنه كما وكيفا، فينتج بذلك مفرزات إسلامية مأزومة، تبلغ درجتها الأكثر حدة في التظيمات والشخصيات التكفيرية، وبناء على ذلك يمكن التأكيد على أن الحركات الإرهابية كداعش والقاعدة وبوكو حرام وطالبان وأمثالها، هي منتـَجات (بفتح التاء) للأزمة وليست منتِجات (بكسر التاء) للأزمة، وأنها "مفاعيل أزموية" أكثر منها "فواعل أزموية"، أي أن التأزم والتطرف الموجودان على الصعيد الديني المعاصر، والمرتبطان جدليا بتأزم الواقع الكلي في المجتمعات الإسلامية هما اللذان صنعا هذه التنظيمات، التي تحولت بدورها إلى أدوات فاعلة في زيادة التأزم والتطرف.

كل أزمة في كل مجتمع مأزوم يكون لها مفرزاتها، وهي تفرز هذه المفرزات وفق المعطيات المتوفرة في مجتعمها، وحيث يكون الدين عنصرا فاعلا، فهي بلا شك ستنتج الكثير من المفرزات ذات الشكل الديني، وهذا لا ينحصر في الإسلام وحده، فـمثلا"جيش الرب الأوغندي"، الذي تأسس عام 1986، والذي تتهمه الأمم المتحدة بقتل قرابة 100 ألف شخص، وخطف أكثر من 60 ألف طفل خلال 27 عاما([61])، إضافة إلى القيام بالآلاف من جرائم العنف الجنسي، يمكن اعتباره نموذجا داعشيا مسيحيا، وهو نتاج بيئة اجتماعية مسيحية مأزومة، أما اغتيال المهاتما غاندي عام 1948على يد المتعصبين الهندوس، فهو عمل إرهابي أدى إليه تأزم المجتمع الهندي يومها على كل من النطاقين الهندوسي والإسلامي وسواهما، وإذا ما رجعنا قليلا إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي في الغرب الأوروبي، فسنحد أن تأزم الأوضاع الاجتماعية أنتج مثلا الحركتين النازية والفاشية المتطرفتين في ألمانيا وإيطاليا، على إثر انتشار الثقافة القومية في الغرب الأوروبي الذي شهده القرن التاسع عشر، واستمر حتى مرحلة متقدمة من القرن العشرين.

في المنطقة العربية يأتي التطرف غالبا من بوابة الإسلام، بسبب انتشار الإسلام، في أوغندة جاء التطرف من بوابة المسيحية، في الهند يأتي من بوابات عديدة..هندوسية وإسلامية وسيخية وسواها، فيما شهد الغرب الأوروبي سابقا تطرفا من البوابة القومية، وهكذا دواليك..

في كل ما تقدم، الأزمة هي التي تنتج التطرف بما يتوفر لديها من معطيات واقعية، وليس الدين أو القومية أو سواهما حصريا، ولكن كل ذلك يمكنه أن يلعب أدواره المختلفة في إنتاج الأزمات بالتفاعل مع العوامل الرئيسة الأخرى.

 

إذاً عند النظر في الإرهاب المعاصر على الساحة الإسلامية، بما في ذلك ما تم إحياؤه من مظاهر بربرية كالسبي والرق، علينا ألا نؤخذ بالمظاهر الدينية، ونحصر فيها هذا الإرهاب، الذي ينتج في محصلة مجموعة متكاملة من العوامل الواقعية.

وبالتالي لا يمكن انتظار تطور متكامل على الصعيد الديني أو الفقهي بدون تطور اجتماعي، وبالعكس، فلا يمكن للحل الاجتماعي أن يتحقق مع بقاء الجانب الديني في المجتمع مأزوما!

وهذا يعني أن المطلوب هو التنمية والتطوير الشاملان، على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وسواها، وهذا يقتضي بناء الدولة الوطنية الديمقراطية العصرية.

أما على الصعيد الديني، فيمكن للدين أن يلعب أدورا مختلفة في هذه العملية، فهو بكل تأكيد سيلعب دورا معرقلا للحل إن استمر الفقه في مسيرته المتسلّفة المتخارجة مع العصر هذه، أو يمكنه أن يساهم بدور إيجابي في عملية التطور إن تمكن من التخلص من مأزق "سرمدة الشكل الموروث" من الإسلام، الذي أفلس فعليا مع انهيار الحضارة العربية الإسلامية، ولكن الاعتراف بهذه الحقيقة يحتاج إلى نظرة عقلانية وليس إلى ذهنية غيبية.. لا تنظر إلى الواقع إلا بمنطار ميتافيزيقي من خارج الواقع، وهذا ما يستمر الفقه المعاصر بغالبه في فعله وإن اختلفت الدرجات.

إن مسار تنويريا تحديثيا إسلاميا هو عملية يمكن إطلاقها بشكل واقعي كما حدث في حركة النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر، فالإسلام ليس منظومة عقائدية مغلقة منتهية، ومؤطرة في نموذج محدد، كما يتعامل معه غالبية الفقهاء المعاصرين، رغم أنهم كثيرا ما يختلفون فيما بينهم، لكنه ليس بعد ذلك الخلاف أو الاختلاف الذي "يصنع نوعية فاعلة" وينتج "إسلاما عصريا" قادرا على التعامل مع العصر وقابلا للاستجابة لمقتضياته، أما إذا استمرت مواجهة الحاضر بوجه مستدير إلى الماضي، فسيستمر انتاج التخلف والتوحش إلى أجل طويل، وستكون الضريبة المدفوعة باهظة.

بالطبع هذا المسار التنويري وإن كان مهمة يجب أن يقوم بها الفقهاء، ومثل هؤلاء الفقهاء موجودون، ولكنهم أصواتهم مغمورة اليوم في ضجيج التطرف والتعصب الذي ينتجه الواقع المأزوم، ولن يغدو مسموعا بمعجزة، لكنه سيغدو مسموعا أكثر فأكثر، بقدر ما يتواكب مع جهود حازمة أخرى لبناء المجتمع الحديث، فيتعزز بها ويعززها.

 

*

 

 

مراجع البحث:

 

(1) كتب:

1-أبي يعلا محمد بن الحسين الفراء الحنبلي، الأحكام السلطانية، صحّحه وعلق عليه محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت، 2000.

2- غلوريا غاجيولي، العنف الجنسي في النزاعات المسلحة: انتهاك للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، مختارات من المجلة الدولية للصليب الأحمر 96، 2014.

3-سؤال وجواب في السبي والرقاب، ديوان البحوث والافتاء- الدولة الإسلامية، مكتبة الهمة، 5 محرم 1436.

https://www.igfm.de/wp-content/uploads/2018/11/IS-Fragen-und-Antworten-zu-Gefangenen-und-Sklaven.pdf

4- السبي.. أحكام ومسائل، ديوان البحوث والإفتاء- الدولة الإسلامية، ط1، 2014:

http://www.jihadica.com/wp-content/uploads/2017/10/al-saby.pdf

5-شادي إبراهيم عبد القادر مدلل، السبى فى صدر الإسلام،أطروحة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، كلية الدراسات العليا، فلسطين، 2010.

6-روجيه غارودي، الولايات المتحدة طليعة الانحطاط، ترجمة مروان الحموي، ط 2، دار الكاتب، دمشق، 1998.

7- محمد محمد الحسين، الإسلام و الحضارة الغربية، ط1، دار الفرقان للنشر والتوزيع، 1975.

8- محمد قطب، شبهات حول الإسلام، دار الشروق، ط 21، القاهرة، 1992.

9- محمد الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ج3، دار الكتب العلمية، بيروت، 1971.

10-أبو العلا بن راشد بن أبي العلا الراشد، ضوابط تكفير المعين عند شيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب وعلماء الدعوة الإصلاحية، مكتبة الراشد، الرياض، 2004.

11-مجموع الفتاوى لابن تيمية، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، المجلد 19، دار الكتب العلمية، بيروت، 1971.

12-مجــدي بــن محمــد بـن علـي، التجديد في علم الجهاد في سبيل الله، دار الإصلاح والتجديد:

http://www.dar-eslah.com/

13-عمر محمود أبو عمر، الجهاد والاجتهاد: تأملات في المنهج، ط1، دار البيارق - عمان،1999.

14- سيد قطب، معالم في الطريق، ويكيبيديا الإخوان المسلمين:

https://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=مـعالم_في_الطريق

 

(2) مواقع إلكترونية:

1- قاموس المعاني:

https://www.almaany.com/

2-Wikipedia:

https://www.wikipedia.org/

3-اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب، مكتبة حقوق الإنسان- جامعة مينيسوتا:

http://hrlibrary.umn.edu/arab/b092.html

4 - الاتفاقية الخاصة بالرق، جامعة منيوسوتا- مكتبة حقوق الإنسان:

http://hrlibrary.umn.edu/arab/b028.html

5-بوابة العدل التونسية:

http://www.e-justice.tn/

6--طريق الإسلام:

http://iswy.co/

7--ملتقى أهل الحديث:

https://www.ahlalhdeeth.com/

8- مشروع المصحف الإلكتروني، جامعة الملك سعود:

http://quran.ksu.edu.sa/

9- موقع"الإمام عبد العزيز بن باز":

https://binbaz.org.sa/

10-موقع الإسلام سؤال وجواب:

https://islamqa.info/ar/

11-الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين:

https://www.ikhwanwiki.com/

12- موقع الأنبا تقلا هيمانوت-تراث الكنيسة القبطية الأرثوذكسية:

https://st-takla.org/P-1_.html

13-موقع الشيخ صالح الفوزان:

http://www.alfawzan.af.org.sa/

14- بوابة الحركات الإسلامية:

http://www.islamist-movements.com/

15- دار الإفتاء المصرية:

http://www.dar-alifta.org/

16-موسوعة الجزيرة:

https://www.aljazeera.net/encyclopedia

 

 

 

 

 

*

 

 

‏18‏/08‏/2019



[2] - أبي يعلا محمد بن الحسين الفراء الحنبلي، الأحكام السلطانية، صححه وعلق عليه محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت، 2000، ص 141-143.

-[3] غلوريا غاجيولي، العنف الجنسي في النزاعات المسلحة: انتهاك للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، مختارات من المجلة الدولية للصليب الأحمر 96، 2014، ص 504.

-[4] المرجع السابق.

[5] - قائمة سوداء لمرتكبي العنف الجنسي في 9 دول.. 5 منها عربية، الخليج أونلاين، ‏16‏/04‏/2018:

https://alkhaleejonline.net/مجتمع/قائمة-سوداء-لمرتكبي-العنف-الجنسي-في-9-دول-5-منها-عربية

[6] - Comfort women, Wikipedia:

-https://en.wikipedia.org/wiki/Comfort_women

 

[7]- سؤال وجواب في السبي والرقاب، ديوان البحوث والافتاء، الدولة الإسلامية،  مكتبة الهمة، 5 محرم 1436:

https://www.igfm.de/wp-content/uploads/2018/11/IS-Fragen-und-Antworten-zu-Gefangenen-und-Sklaven.pdf "

[8] -شبكة الجزيرة، تنظيم الدولة يبرر سبي الإيزيديات، 14‏/10‏/:2014:

https://www.aljazeera.net/news/humanrights/2014/10/14/تنظيم-الدولة-يبرر-سبي-الإيزيديات

[9] - السبي.. أحكام ومسائل، الدولة الإسلامية- ديوان البحوث والإفتاء، ط1، 2014، ص 6:

http://www.jihadica.com/wp-content/uploads/2017/10/al-saby.pdf

[10] - اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب، مكتبة حقوق الإنسان- جامعة مينيسوتا:

http://hrlibrary.umn.edu/arab/b092.html

[11] - يوسف سبيتي، هل شرع الإسلام السبي، موقع بينات، 17\02\2015:

http://arabic.bayynat.org/ArticlePage.aspx?id=15699

[12] - الاتفاقية الخاصة بالرق، جامعة منيوسوتا- مكتبة حقوق الإنسان:

http://hrlibrary.umn.edu/arab/b028.html

[13]- بوسف الهزاع، الرق والسبي... حلال متروك أم حرام حتى حين؟!، إيلاف، ‏10‏/08‏/2014:

https://elaph.com/News/930760.html?source=Web&year=2014&month=8&page=10&per-page=10

[14] - لؤى على، شيخ الأزهر داعش لا تمثل الإسلام ولا ترتبط به من قريب ولا من بعيد،اليوم السابع، 28\07 \2015:

https://www.youm7.com/story/2015/7/شيخ-الأزهر-داعش-لا-تمثل-الإسلام-ولا-ترتبط-به-من/2281884

[15] -منى الحيدري، رسالة المملكة إلى الإعلام الغربي..”داعش“ لا تُمثل الإسلام، جريدة الرياض،30\09\ 2014:

http://www.alriyadh.com/980868# 

[16] - هاشم غرايبة، السبي في الإسلام، موقع سواليف، 27\05\2018:

https://sawaleif.com/السبي-في-الإسلام-د-هاشم-غرايبه -348132/  

[17]-  علي البخيتي، الإسلام والإرهاب.... ما بين الحقيقة والخداع، كريتر سكاي،‏23‏/04‏/2019:

https://cratersky.net/articles/828

[18] -  مجدي خليل، هل تمثل داعش الإسلام أم المسلمين؟ الموقع الرسمي للأخ رشيد، 17\03\2016:

https://v1.brotherrachid.com/ar-jo/مقالات/ArticleID/37/هل-تمثل-داعش-الإسلام-أم-المسلمين؟

[19] - شادي إبراهيم عبد القادر مدلل، السبى فى صدر الإسلام،أطروحة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، كلية الدراسات العليا، فلسطين، 2010، ص 20-21.

[20] - المرجع السابق، ص 24-27.

[21] - منع الرق، بوابة العدل التونسية:

http://www.e-justice.tn/index.php?id=430

[22] - إعلان تحرير العبيد، ويكيبيديا:

https://ar.wikipedia.org/wiki/إعلان_تحرير_العبيد

[23] - العبودية في الولايات المتحدة، ويكيبيديا:

https://ar.wikipedia.org/wiki/العبودية_في_الولايات_المتحدة

[24] -تاريخ العبودية، ويكيبيديا:

https://ar.wikipedia.org/wiki/عبودية

[25]-  روجيه غارودي، الولايات المتحدة طليعة الانحطاط، ترجمة مروان الحموي، ط 2، دار الكاتب، دمشق، 1998، ص 39.

[26]- المرجع السابق، ص 39-40.

[27] - معتز بالله عبدالفتاح، هل «داعش» تمثل الإسلام؟ بوابة "الوطن" الإلكترونية، 10\10\ 2014:

https://www.elwatannews.com/news/details/573519

[28] -  محمد جلال قصاص، محمد عبده نموذجاً ... من زرعه؟ ومن حصده؟ طريق الإسلام، 10‏\01‏\2008:

http://iswy.co/e48ui

[29] - حامد الحجازي، الشيخ محمد محمد حسين رحمه الله ترجمته وأعماله، ملتقى أهل الحديث، منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين، 25\03\2008:

https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=131363

+ محمد محمد الحسين، الإسلام و الحضارة الغربية، ط1، دار الفرقان للنشر والتوزيع، 1975، ص 61.

[30] - محمد قطب، شبهات حول الإسلام، دار الشروق، ط 21، القاهرة، 1992، ص 51-52.

[31] - محمد الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ج3، دار الكتب العلمية، بيروت، 1971، ص 302:

https://books.google.com/books?id=OttLDwAAQBAJ&printsec=frontcover&hl=ar#v=onepage&q&f=false

[32] -أبو العلا بن راشد بن أبي العلا الراشد، ضوابط تكفير المعين عند شيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب وعلماء الدعوة الإصلاحية، مكتبة الراشد، الرياض، 2004، ص 324.

+مجموع الفتاوى لابن تيمية ، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، المجلد 19، دار الكتب العلمية، بيروت، 1971، الفتوى 1878 ص 78:

https://books.google.com/books?id=JAZ7DwAAQBAJ&printsec=frontcover&hl=ar#v=onepage&q&f=false

[33] - جامعة الملك سعود، المصحف الإلكتروني، القرآن الكريم - تفسير ابن كثير - تفسير سورة آل عمران - الآية 19:

http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura3-aya19.html

[34] - عبد العزيز بن باز، حكم الزعم بصحة أي أديان غير الإسلام، موقع"الإمام عبد العزيز بن باز":

https://binbaz.org.sa/fatwas/1995/حكم-الزعم-بصحة-اي-اديان-غير-الاسلام

[35] - الإسلام سؤال وجواب، تفسير قوله تعالى: ( إِنَّ الدِّين عند الله الإسلام )، 22‏/11‏/2019:

https://islamqa.info/ar/answers/287024/تفسير-قوله-تعالى-ان-الدين-عند-الله-الاسلام

[36] -موقع الأنبا تقلا هيمانوت-تراث الكنيسة القبطية الأرثوذكسية:

https://st-takla.org/Bibles/BibleSearch/showVerses.php?book=53&chapter=14&vmin=6

[39] - توفيق حميد، داعش إسلامية حتى يثبت العكس، قناة الحرة، 19\11\2017:

https://www.alhurra.com/a/isis-azhar-islam/403285.html

[40]- في كنيسة الروم ذكرى الـ 40 ألف شهيد الذين ارتقوا يوم احتل العرب دمشق، ‏Christian Orthodox Sword‏، فيسبوك، 26\07\2019:

https://www.facebook.com/story.php?story_fbid=460765781171296&id=189507341630476

[41] -مجــدي بــن محمــد بـن علـي، التجديد في علم الجهاد في سبيل الله، دار الإصلاح والتجديد، ص 7:

http://www.dar-eslah.com/

[42] - الجهاد، إخوان ويكي..الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين:

https://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=الجهاد

[43] - المرجع السابق.

-[44]عمر محمود أبو عمر، الجهاد والاجتهاد: تأملات في المنهج، ط1، دار البيارق - عمان،1999، ص 5.

-[45]سيد قطب، معالم في الطريق، ويكيبيديا الإخوان المسلمين:

https://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=مـعالم_في_الطريق

[46] - الأدلة من الكتاب والسنة على تحريم التشبه بالمشركين، الإسلام سؤال وجواب، السؤال رقم 120211، 20\7\2008:

https://islamqa.info/ar/answers/120211/الادلة-من-الكتاب-والسنة-على-تحريم-التشبه-بالمشركين

[47] -نكبة «الإيزيديات» تعيد «السبي» للواجهة.. وفقهاء يرونه الآن «منكراً وفحشاء»، صحيفة الحياة،\23 08\2014:

http://www.alhayat.com/article/589031/نكبة-اليزيديات-تعيد-السبي-للواجهة-وفقهاء-يرونه-الآن-منكرا-وفحشاء-

[48] - صالح الفوزان، بلوغ المرام، موقع الشيخ صالح بن فوزان الفوزان، 24-03-1439هـ:

http://www.alfawzan.af.org.sa/ar/node/17586

[49] - فتوى وهابية "تجيز سبي النساء والاستمتاع بهن"، بوابة الحركات الإسلامية، 25\08\2015:

http://www.islamist-movements.com/31003

[50] - المرجع السابق.

[51] - العجلوني يتراجع عن فتوى "السبي" و"ملك اليمين"، أخبار الأردن - جو24، 13\03\2013:

http://www.jo24.net/post.php?id=28087

[52] - دار الإفتاء المصرية، الرد على داعش في سبي النساء،05‏/11‏/2015:

http://www.dar-alifta.org/ar/ViewFatwa.aspx?ID=12815&LangID=1&MuftiType=0

[53] - بوابة الحركات الإسلامية، المرجع السابق.

[54] -نكبة «الإيزيديات» تعيد «السبي» للواجهة.. وفقهاء يرونه الآن «منكراً وفحشاء»، صحيفة الحياة،\23 08\2014:

http://www.alhayat.com/article/589031/نكبة-اليزيديات-تعيد-السبي-للواجهة-وفقهاء-يرونه-الآن-منكرا-وفحشاء-

[55]- بوسف الهزاع، الرق والسبي... حلال متروك أم حرام حتى حين؟!، إيلاف، ‏10‏/08‏/2014:

https://elaph.com/News/930760.html?source=Web&year=2014&month=8&page=10&per-page=10

[56] - أنباء "سبي" داعش لنساء إلإيزيديات تُغضب عضو شورى سعودي.. وناشطون يردون بتسجيل للفوزان، سي.إن.إن بالعربية، ‏11‏/08‏/2014:

https://arabic.cnn.com/middleeast/2014/08/11/fawzan-issa-iraq-twitter

[57] - صحيفة الحياة، المرجع السابق.

[58] - المرجع السابق.

[59] - يوسف سبيتي، هل شرّع الإسلام سبي النساء؟! موقع بيّنات، 17\02\2015:

http://arabic.bayynat.org/ArticlePage.aspx?id=15699

[60] -Saint Mary's Press, The New American Bible, Brian Singer-Towns, 2005, Page 7.

        أو : http://www.vatican.va/archive/ENG0839/__P1.HTM


[61] - جيش الرب، موسوعة الجزيرة،‏10‏/02‏/2014:

https://www.aljazeera.net/encyclopedia/movementsandparties/2014/2/10/جيش-الرب 

 

*

البحث منشور على شبكة "مؤمنون بلا حدود"

مشكلة السبي في الإسلام و إشكالاتها بين الماضي والحاضر

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق