فهرس المحتويات

الخميس، 30 ديسمبر 2021

التأويل في اللاهوت المسيحي: سفرنشيد الأناشيد نموذجا

 

        التأويل في الكتاب المقدس- نشيد الإنشاد نموذجا

 رسلان جادالله عامر

  


    للتأويل علاقة وثقى بالدين، و ربما ليست مبالغة القول أن نشأة التأويل ارتبطت بالدين أكثر من أي عامل سواه، منذ بدأ العقل البشري بامتلاك منهجية التفكير المنتظمة، و أخذ يراجع ما لديه من معتقدات و أفكار مقدسة، ليجعلها ذات معان أعمق تتجاوز شكلها الحرفي المرفوض لما فيه من  تسطح و سذاجة،لا يتحقق فيهما الانسجام بين مـُركبـّتي الحقيقة، الإيمانية و العقلانية.  

 

    و مع ظهور الأديان التاريخية الكبرى، كان التأويل قد قطع بدوره شوطا مواكبا في التطور، و مما لا شك فيه أن اللاهوت المسيحي، الذي تشكل في البيئة الثقافية الهلينستية التي كان للفلسفة فيها حضور قوي، فتأثر بها و تفاعل معها، لعب دورا كبيرا في تطور الهرمنيوطيقا، و هذا ما تتابع لاحقا  في كل مراحل النهضة الأوربية الحديثة، التي  جعلت التأويل في المحصلة ميدانا معرفيا مستقلا بذاته.

 

    لقد  تركزت الهرمنيوطيقا في المسيحية  بشكل رئيس على تأويل نصوص الكتاب المقدس بما يخدم العقيدة و يتناسب مع الظروف و الضرورات الموضوعية المحيطة، وهذا ما  فعلته اليهودية بدورها أيضا، و في ما يلي ستبحث هذه الدراسة في نشأة و تطور كل من التأويلين، اليهودي و المسيحي، للكتاب المقدس بشكل عام، و هذا ما  سيتضمنه الفصل الأول من هذه الدراسة، أما  فصلها الثاني  فسيتركز بشكل خاص على سـَفر " نشيد الإنشاد".

 

 الفصل الأول:

نشأة و تطور التأويلين اليهودي و المسيحي

 

   1- التأويل اليهودي:

 

    بعد دمار مدينة أورشليم على يد نبوخذ نصر عام 607 ق.م. هرب الآلاف من أهلها إلى مصر، ثم انتقل العديد منهم إلى مدينة الإسكندرية التي أسسها الإسكندر المقدوني بعد استيلائه على مصر عام ٣٣٢ ق.م ، و التي أصبحت لاحقا مركزا للحضارة الهلينية، و حافظت على موقعها الهام حتى خلال الفترة الرومانية، و هناك التقى اليهود بالثقافة اليونانية، و تفاعلوا معها إيجابا و سلبا.

 

    و في  جدلهم و جدالهم مع هذه الثقافة المتقدمة، بدأ يهود الإسكندرية يستخدمون أساليب جديدة لمواجهة التحديات التي وضعها أمامهم الفكر الفلسفي اليوناني، مستفيدين في ذلك من تجربة المفكرين اليونانيين أنفسهم في التعامل مع أساطيرهم الدينية الخاصة، فمنذ قرون كان هؤلاء المفكرون قد اقتنعوا بأن الأساطير اليونانية التي تتحدث عن الآلهة و العمالقة و الخارقين لا يقبلها المنطق، فأعادوا طرحها بأسلوب جديد، يقوم على التفسير المجازي أو الرمزي، و أدى نمو الفلسفة في اليونان القديمة.. إلى تطور المنهجية العقلانية، التي عززت هذا الأسلوب في تفسير الأساطير، الهادف إلى إيجاد معان أخرى، أو معان أعمق، مخبأة تحت السطح الظاهري لهذه الأساطير، ترتبط بظواهر طبيعية أو بقيم إنسانية، و كثيرا ما اعتمدت هذه العقلانية على أصول كلمات (etymologies) مزعومة، لتفسير الأساطير بعيدا عما كان فيها من إشارات إلى الآلهة، و الكائنات الخارقة، و الوحوش الخرافية، فمثلا فسر الكاتب اليوناني القديم بالايفاتوس (Palaiphatos) أسطورة الأميرة يوروبا (Europa)، التي حملها كبير الآلهة زيوس إلى كريت على ظهره عندما تنكر على شكل ثور وسيم، على أنها مجرد حادثة اختطاف امرأة من قبل رجل كريتي  كان يدعى "تاوروس"، و اسمه  (Tauros) يعني "الثور" باليونانية، و بنفس هذا الأسلوب العقلاني، أصبحت سكيلا (Skylla)، الكائن الوحشي الآكل للحم البشر، الذي هاجم أوديسيوس، في ملحمة الأوديسيا، هي مجرد تسمية لسفينة قراصنة أشرار قاموا بهذا الهجوم ([1])، و  في هذا السياق الفكري الساعي لعقلنة الأساطير، كان  لأطروحة الكاتب اليوناني يوهيميروس (Euhemerus)، الذي برز قبل الميلاد  بثلاثمئة سنة تقريبا، ثأثيرا كبيرا و مديدا على تاريخ تفسير الأساطير، بنظرتها التي ترى أن الآلهة كانوا في الأصل أناسا عظماء، رفعهم التبجيل الشعبي على أعمالهم الجليلة إلى مستوى الألوهة([2]).

 

    كان على المفكرين من يهود الإسكندرية أن يواجهوا التحدي العقلاني المطروح من قبل الفكر اليوناني، على جبهتين:

   أولاهما هي الجبهة التوفيقية الذاتية، حيث سعى المفكرون اليهود المتأثرون بالثقافة اليونانية  فيها لإيجاد توافق و انسجام ذاتي داخلي بين معتقدهم الديني اليهودي، و الفكر العقلاني اليوناني  الذي اكتسبوه، و حل ما بينهما من تعارض.

   و ثانيهما، هي الجبهة الدفاعية الموضوعية، التي كان على هؤلاء المفكرين فيها أن يردوا على  الهجوم الخارجي على اليهودية من قبل المفكرين اليونانيين، و اعتبارهم لها مجموعة من الخرافات و الحكايات، لرد الاعتبار إلى اليهودية، التي  ظلوا كمنتمين إليها يرونها ديانة الحق الوحيدة.

   و في كلا الموقفين، وجد مفكرو اليهود الحل عند اليونانيين أنفسهم، فاقتبسوا منهم مبدأ التفسير المجازي لقصصهم الدينية التي تتعارض بشكلها الحرفي مع المنطق..

 

    و من أشهر هؤلاء المفكرين، كان فيلون الاسكندري (Philo of Alexandria) (25 ق.م - 50م.)، وكانت اليونانية لغته الأساسية، و مرجعه الكتابي، هو الترجمة اليونانية السبعونية (Septuaginta) للأسفار اليهودية، و في وقت تبادل فيه اليونان و اليهود الرفض العقائدي و الثقافي، جمع فيلون بين االثقافه اليونانية والنشأة اليهودية،‏ على ما بينهما من خلافات و تعارضات، و حافظ على إيمانه‏ بأن اليهودية هي الدين الحق،‏ لكن بخلاف الكثيرين، كان على قناعة بأن الأسفار اليهودية تحتوي مضامين فلسفية، و لحل التعارض بينها و بين الفلسفة اليونانية، و إظهارها أمام اليونان بطريقة مقبولة، لجأ فيلون إلى الأسلوب المجازي في تفسير الأسفار اليهودية، و كان قد سبقه العديد من اليهود في ذلك، و منهم مثلا من فسّر إبراهيم بالنور أو العقل، وسارة بالفضيلة، لكن فيلون تميز عليهم  بجعله التأويل مذهباً قائماً بحد ذاته، ومنهجاً  محددا في الفهم([3]).

 

  ورأى فيلون أن التأويل الباطني للنص المقدس هو بمثابة روحه، أما التفسير الحرفي فهو مجرد جسم لهذا النص، و هو يؤدي إلى الضلال، و هكذا أوّل فيلون جنة التوراة بأنها ملكوت الروح، وشجرة الحياة بأنها خوف الله، و هابيل بأنه التقوى الخالصة، وقابيل بأنه الأنانية ([4])،  كما فسر الأنهار الأربعة في الجنة  بأنها الفضائل الأربعة الأصيلة، فنهر فيشون يمثل التعقّل،‏ ونهر جيحون يشير إلى الرزانة،‏ فيما يرمز نهر دجلة إلى الثبات، ونهر الفرات إلى العدل([5])، و هكذا دواليك...

    لم يعر اليهود أفكار فيلون اهتماما يُذكر، و أهملوها بعد موته،‏  بعكس المسيحيين الذين تأثروا كثيرا بمنهجه و تعاليمه، حتى أن أوسابيوس (Eusebius) وبعض آباء الكنيسة اعتقدوا أنه اهتدى إلى المسيحية،‏  كما اعتبره هيرونيموس (Jerome) واحدا من آباء الكنيسة، و به تأثر أوريجانوس أشهر المؤولين المسيحيين، كما لعبت كتاباته و تعاليمه عن اللوغوس (‏الكلمة الإلهية)‏ دورا هاما في تطوير عقيدة الثالوث في المسيحية‏ ([6]).

 

      مع استمرار و تطور عملية تفسير النصوص المقدسة عند اليهود، تغيرت أشكال التفسير و أساليبه و غاياته، بما يتناسب مع تغيرات الزمان و المكان والظروف.

 

 و في العصر الوسيط  طور الأحبار اليهود أربعة مناهج لتفسير التوراة، كل منها يخاطب شريحة من الجمهور حسب درجة وعيها و ثقافتها، و لكل منها مستوى فهمه الخاص للنص و مضمونه وغاياته، وقد أطلق اليهود على هذه المناهج تسمية (Pardes) ([7])، و تعني "البستان" أو "الفردوس"([8])، وهي تسمية تتألف من الحروف الأولى (PaRDeS) لأربع مصطلحات وهي:
1- بشاط (Peshat)، وهو المعنى المباشر، البسيط أو الحرفي للنص.
2- رمز(Ramez)، وهو المعنى العميق، المجازي أو الرمزي.
3- دراش (Derash)، وهو المعنى الجدلي أو القياسي، و يدخل فيه التفسير الوعظي و الأخلاقي، و المنطقي، و المقارني.                                                                      .
4- سود (Sod وهو المعنى الباطني، السراني أو الروحي.

 

   وغاية كل أنماط البارديس هي الوصول إلى المعنى الأشمل للنص، وهي لا تتناقض من حيث المبدأ مع بعضها، و غالبا ما يكون هناك تداخل كبير بين المناهج، فمثلا قد يتأثر الفهم المباشر لآية ما بتفسير باطني لها، أو قد يتم تحديد "مجاز" ما  بـ "قياس" الكلمة مع معان أخرى لنفس الكلمة.

 

 إضافة إلى ذلك في القرن الميلادي الثالث تقريبا، بدأ ت تظهر مقاربة باطنية (mystical) في تفسير الكتاب المقدس على أساس الافتراض بأن التوراة تحتوي على معرفة سرية بشأن الخلق و تجليات الله، و الطريقة الوحيدة لكشف هذه الأسرار هي معرفة كيفية فك شيفرة النص و حلها، و كان الباطنيون اليهود يعتبرون أن أي فارق بسيط  في فهم النص، من النص بأكمله و حتى كل حرف من حروفه، كافيا لتكوين فكرة في اكتشاف الأسرار الإلهية، و يمكن للمرء بعد أن يكشف هذه الأسرار أن يستخدم النص في الطقوس الباطنية للتأثير على كلا العالمين السماوي و الأرضي، وتعتبر أسماء الله أحد أعظم مصادر القوة، ويفترض فيها أن تكون مخفية  في أشكال مختلفة في جميع أنحاء النص، و يمكن كشفها إضافة إلى جوانب أخرى من المعرفة الخفية بالعمل الدؤوب على النص وإعادة ترتيب الفواصل بين الكلمات فيه.

  و قد اعتمد الباطنيون على منهجية البارديس، وبالأخص "السود" منها، و لكنهم ذهبوا في ذلك إلى أبعد مدى، و تجاوزوا كل تفسير يقوم على معنى النص، ليفسروا النص بناء على "مبناه"، و محتواه من كلمات و حروف و فواصل، و دخلوا في ما يسمى بـ "علم الحروف و الأرقام"، و هذه عموما سمة الحركات الباطنية في التاريخ، و من أشهر الطوائف اليهودية في هذا المجال، طائفة "القبالاه" (Kabbalah)، التي بدأت بالظهور في القرن الميلادي الثاني عشر و ما تزال موجودة حتى اليوم.

  و للبحث عن المعاني العميقة الخفية والسرية للكلمات وراء الحروف، طوَّرت القبالاه ثلاثة أساليب لتأويل النصوص المقدسة، وهي:

أ – جيماتريا(gematria ‫)([9]) (حساب الحروف و الأرقام)، و تستخدم لمعرفة المعاني من خلال القيمة العددية للكلمات، و هي طريقة سبق و ساهم أيضا في تطويرها كل من الآشوريين و البابليين و الإغريق.

ب - نوتاريكون (notarikon) ([10]) وهي إيجاد كلمات أخرى لها دلالة ما من خلال استخدام الحرف الأول أو الأخير من الكلمة المراد تفسيرها؛ أو باستخدام كل من الحرف الأول و الأخير، أو الحرفين المتوسطين معا لتشكيل كلمة أخرى.

ج – تيمورا(temurah) ([11])، وتعني إعادة ترتيب الكلمات و الجمل في النص الكتابي للوصول إلى معناه الباطني الأعمق.

 

   تعتمد القبالاه على أطروحة الفيض (emanations) الإيزوتيريكية (esoteric و تستخدم مصلح السفيروت (Sephirot) ([12])، و هو مفهوم أساسي فيها، ويعني "الفيوض"، و مفردها "سفيرا" (Sephirah)، و عددها في القبالاه عشرة منها المذكر و منها المؤنث، و من خلالها يـُظهر الله نفسه، و يخلق بشكل واع كلاً من العالم الفيزيائي، و سلسلة العوالم الميتافيزيقية السيفيروتية، التي يرمز كل منها إلى صفة مختلفة من صفات الله.

  أول طرح لهذه الفكرة نجده في كتاب "سفر ييتزيرا"(Sefer Yetzirah) القبالي، الذي يشكل مع كتاب "الزوهار" (Zohar) أساس القبالاه.

  تتألف السيفيرات من عشرة عناصر أو شخصيات، موزعة على ثلاثة مراتب، و تنتمي إلى أربعة عوالم، و هي :

 

المرتبة

الفيض

معنى الاسم

في التوراة

الملاك

العالم

ما فوق الوعي

كيتير

Keter

التاج

 

 

 

 

العقل الواعي

خوخام

Chokhmah

الحكمة

آدم

 

عالم الفيض

Atzilut

بيناه

Binah

الفهم

حواء

 

عالم الخلق

Beri'ah

العواطف الواعية الأولية

 

خيسيد

Chesed

الإحسان

إبراهيم

ميخائيل

عالم التكوين

                

Yetzirah

غيفوره

Gevurah

الحذر

إسحاق

جبرائيل

تيفيريت

Tiferet

الجمال

يعقوب

رفائيل

العواطف الواعية الثانوية

 

نيتساخ

Netzach

الخلود

موسى

 

هود

Hod

المجد

هارون

 

ييزود

Yesod

الأساس

يوسف

 

ملاخوث

Malkuth

المـُلك

داوود

 

عالم الفعل    

Assiah

 

 

    في العصر الحديث، و مع صعود و نمو حركة التنوير((Enlightenment في القرن الثامن عشر، و ما تلاه، تأثر اليهود بدعوتها لإخضاع العقل للدين، و مناداتها بحرية المعتقد.. و المساواة بين الناس، و ظهرت في أوساط اليهود تيارات مختلفة، ما يزال لها امتدادها  وحضورها الكبيرين حتى يومنا الحاضر، و هي:

1- التيار الإصلاحي، و هو التيار الداعي لفهم الدين و تأويل الأسفار المقدسة على أساس العقل، و بما يتناسب مع الظروف و الضرورات الموضوعية، و كان الفيلسوف اليهودي الألماني موسى مندلسون(Moese Mendelssohn) ([13])، (١٧٢٩-١٧٨٦م)، وحركة الهاسكالاه (Haskalah) التنويرية من أشهر ممثليه.

2- التيار التوفيقي([14])، و هو الساعي إلى المواءمة بين العقل و الدين، و قد  كانت حركة الأرثوذوكسية الجديدة (Neo -Orthodoxy) التي أسسها  رفائيل هيرس (S. R. Hirsch) (1808-1888م) من أشهر ممثليه، و هو يشكل استمرارا للتوجه الذي ظهر عند المـتأثر بابن رشد، الفيلسوف اليهودي ابن مأمون و أتباعه من يهود الأندلس، و فيه يعتبر العقل رديفا للدين و  تابعا له.

3- التيار الأصولي([15])، أو اليهودي الأرثوذوكسي، و يضم المتمسكين بالتقاليد الموروثة، و بالفهم الحرفي للأسفار المقدسة، الرافضين للتأويل، و المقاومين للاندماج، و كان من أشهر شخصياتهم الحاخام موسى صوفر (Moses Sofer) (1763-1863م)، الذي لعب دورا هاما في إيقاف مد حركة الإصلاح. 

4- التيار المشيحاني (أو الميسياني)، و فيه استمرت عقيدة انتظار المسيح اليهودي المخلص (Messiah).. عند طوائف كالحريديم([16])، فيما ظهرت طوائف أخرى تبعت مسحاء أدعياء، كيهود الدونمة الذين تبعوا شبتاي صبي في القرن 17 م، و الطائفة الفرانكية التي تبعت جيكوب فرانك في القرن 18 م، و غيرهم([17])..

5- التيار الباطني، و قد سبق الحديث عنه، و هو ما يزال ممثلا في عدة طوائف أشهرها القبالاه، و الحسيديم([18]) المتفرعة عنها، و التي أسسها بعل شم توف (توفي 1740م)، بهدف تشكيل نسخة شعبية من القبالاه.

 

 

2- التأويل المسيحي:

 

  الإيمان بالمسيح المخـّلص (المشيح بالعبرية) (Messiah)، هو معتقد أساسي في الدين اليهودي، و على مر زمانهم كان اليهود ينتظرونه، ليأتي كملك قومي عظيم، يقيم مملكة بني إسرائيل العظمى، التي ستسود على كل أمم العالم.

   و بقدر ما كانت الظروف تشتد و تسوء، كان الأمل بقدوم المسيح المنتظر يصبح أقوى، و توقع قدومه يصبح أقرب، و هذا هو ما كان عليه الحال أيام الحكم الروماني لفلسطين القديمة.

   لكن عندما ظهر يسوع الناصري بدعوته إلى المحبة و السلام، و فتح بابها أمام كل الأمم، و آمن به بعض اليهود، رفضه معظمهم لأنه لم يأت كبطل قومي بالصورة التي كانوا يتوقعونها.. بل و يريدونها، و في النهاية صـُلب كمرتد.

    و عندما تابع تلاميذه نشر رسالته، اصطدموا بمسائل في منتهى الجدية، كنشر الرسالة بين الوثنيين، و موقع ناموس موسى و الأسفار اليهودية القديمة في الدعوة الجديدة، و العلاقة بين يسوع المسيح و العهد اليهودي القديم ككل، و سواها..

   و في هذا السياق كان للقديس بولس، و هو الحبر اليهودي الفريسي السابق، الفضل الأكبر في تحديد ملامح الدين الجديد، و طرح المسيحية كديانة مستقلة، لا تتبع اليهودية، و لا تلغيها، و لا تستكملها، بل تستوعبها، وتعيد هيكلتها وهندستها بالكامل، وتنقلها من ميدان إلى ميدان آخر، و تحولها من ديانة قومية إلى ديانة عالمية، و تنقلها من العلاقة المبنية بين الله و الإنسان، وبين الإنسان و الإنسان على الشرائع و القوانين، إلى العلاقة التي تقوم على النعمة الروحانية.. و المحبة السامية.

    

   يرى بعض المؤرخين أنه لولا بولس، لما كان للمسيحية أن تكون أكثر من طائفة يهودية فلسطينية مغمورة تتبع يسوع الناصري، و لذلك ليس غريبا أن نجد لديه بشكل خاص إرهاصات نشأة التأويل المسيحي إضافة إلى وجودها بشكل عام عند بقية كتبة الأسفار الإنجيلية، ففي رسائل بولس، نجده يدعو إلى عدم فهم أسفار اليهود المقدسة فهما حرفيا، بل روحيا، فبهذا الشكل فقط  يمكن فهم العلاقة الوثيقة بينها و بين يسوع، وهذا ما نجده مثلا في رسالته (2كور 3: 6) حيث يقول أن « العهد الجديد هو عهد الروح، لا عهد الحرف، لأن الحرف يميت، أما الروح فتحيي»([19])، كما يقول في الرسالة نفسها أيضا (2كور 3: 14-18)  ما معناه "أن الغشاوة على البصيرة التي تمنع الفهم السليم للكتاب المقدس لا يمكن نزعها إلا بالإيمان بيسوع المسيح و الاهتداء إلى الرب فقط"، و ثمة في رسائله العديد من الآيات التي يدعو فيها إلى إعادة فهم النصوص الدينية فهما ينسجم مع الإيمان بمسيحية يسوع، و يستجلي معانيها المتوافقة مع رسالته.

   لكن دعوة بولس إلى إعادة فهم الأسفار اليهودية القديمة بروح الإيمان المسيحي الجديد، بقيت عنده توجها بدائيا يقوم على الإيمان وحده، و لم تتحول إلى منهج تأويلي متماسك، و هو نفسه يقول بهذا الخصوص في (1كور 2: 7) : «نتكلم عن حكمة الله الخفية السرية التي أعدها الله لنا قبل الدهور في سبيل مجدنا»، و في (1كور 2: 4) : « لم يعتمد كلامي و بشارتي على أسلوب الإقناع بالحكمة، بل على ظهور الروح و القوة».

 

  مع الانتشار و التطور اللاحق للمسيحية، و مواجهتها للتحديات المختلفة، وجب عليها أن تطور فكرها اللاهوتي و أن تدخل مضمار التأويل بشكل منظم، وهذا ما اقتضته بشكل عام الضرورات التالية:

 

I   - حاجة المسيحية لإثبات نفسها كدين جديد:

    حيث كان على الكنيسة أن تحدد العلاقة بين عهدها الجديد و العهد القديم، و موقفها من عقائد اليهود، و شريعة موسى، و أن تعيد تفسيرها بما ينسجم مع الإيمان الجديد، الذي احتلت فيه الكنيسة موقع الشعب المختار، و لم تعد البنوة فيه لإبراهيم بالدم، بل بالروح عبر الإيمان بالمسيح، و أصبح الختان فيه هو ختان القلب من الخطيئة و ليس ختان الجسد، و لم تعد الشريعة مجموعة من القوانين و الأحكام، بل أصبحت نعمة وبرا و محبة و سلاما.. و هكذا دواليك.

 

II    - حاجة الكنيسة لاستكمال هيكلها العقائدي و التنظيمي:

    فمع نمو و تبلور الكنيسة، صار لزاما عليها استكمال هيكلها العقائدي و التنظيمي، و وجب عليها أن تحدد موقفها من قضايا عقائدية مثل "الثالوث" و "الكلمة الإلهية" و "طبيعة المسيح"، و " الفداء و الخلاص"، و ما شابه، و مسائل تنظيمية و اجتماعية، كإدارة الكنيسة، و الخدمة فيها، و  قضية التبتل و الرهبنة، وهلم جرى..

 

III   - حاجة الكنيسة لتحديد العلاقة بينها و بين الكتاب المقدس:

    تبلورت الكنيسة الرسمية (الكنيسة الكاثوليكية الأرثوذكسية)، كما كانت تسمى بداية، في أجواء كانت المسيحية تنتشر فيها بدون وجود سلطة مركزية منظمة، و لذلك كثرت الأسفار المكتوبة، و اختلفت في ما بينها، و اختلفت معها العقائد و المذاهب المرتبطة بها، و لم تستطع الكنيسة أن تحسم أمر النصوص القانونية التي دخلت في "العهد الجديد" إلا في مجمع نيقيا عام 325 م، و فيه تم اعتماد 27 سفرا، بعد عدة مجامع سابقه، كان العدد يزيد فيها أحيانا أو ينقص، و خلال هذه المدة كان اللاهوت المسيحي قد تطور على يد "آباء الكنيسة"، وهم كبار رجال الدين و الكهنة، الذي عادت إليهم مسألة الاعتراف بالمرجعية التاريخية لأسفار العهد القديم  اليهودية، و تحديد أسفار العهد الجديد، و الرُسُوّ النهائي على شكل محدد "للكتاب المقدس" أو "البيبليا"، كما يعود إليهم البت في القضايا التي سبق الحديث عنها، و هؤلاء الآباء و ضعوا كتبا كثيرة يطلق عليها تسمية "التقليد الآبائي" أو الآبائيات" (Patristics) ، و هنا كان على الكنيسة أن تنظم العلاقة بين كل من الكتاب المقدس و الآبائيات، و بينها هي و بينهما .. بصفتها لا تقوم عليهما، و لكن على المسيح و الروح القدس.

 

IV   -  ضرورة الدفاع عن المعتقدات المسيحية الرسمية ضد المسيحية غير الأرثوذوكسية، و الهرطقة، و الوثنية، و الفكر الفلسفي:

   واجهت الكنيسة الرسمية (الكنيسة الكاثوليكية الأرثوذكسية)، تحديات من تيارات مسيحية أخرى، كالباطنية المسيحية، المعروفة بالغنوصية (Gnosticism)، التي لم تكن تعترف بدور الكنيسة في الخلاص، و كانت ترفض الإرث اليهودي، و إلهه يهوه، و تختلف مع الكنيسة في الكثير من القضايا الجوهرية؛ و اليهودومسيحية (Judeo- Christianity)، و التي اشتهر من طوائفها "طائفة الناصريين" (Nazarenes)([20])، و "طائفة الإيبونيين" أي "الفقراء" (Ebionites)، و هي طوائف كان معظم أعضائها من اليهود الذين آمنوا بيسوع، لكنهم أصروا على التمسك بشريعة موسى، و خالفوا الكنيسة التقليدية في العديد من معتقداتها، و رفضوا الثالوث، و بنوة المسيح لله، و اعتبروا المسيح مخلوقا، و هلم جرى؛ كما كان عليها أن تواجه لاحقا خلافات داخلية في الرأي، اصطلح على تسمية أصحابها بـ "المهرطقين" أو "الهراطقة"، على غرار "الأريوسية" (Arianism) التي تنفي لاهوت المسيح، و مذهب "الطبيعة الواحدة" (Monophysitism) الذي يقول بطبيعة واحدة للمسيح يمتزج فيها الإلهي بالبشري، بخلاف العقيدة الرسمية، و التي تقول بوجود طبيعتين في المسيح، إلاهية و بشرية، و غيرها.. هذا بإلإضافة إلى ما كان يحفل به المحيط القديم من وثنيات، و ديانات أسرار، و سواها من العقائد المختلفة، إضافة إلى وجود المدارس الفلسفية و ما وضعته من تحديات أمام الديانة الجديدة، و بالأخص منها الأفلاطونية المحدثة.

 

   و هكذا صار لزاما على التأويل المسيحي أن يتطور و يتمنهج، بشكل يكون فيه قادرا على الاستجابة لهذه المواجهات

 

   شيئا فشيئا، ومع تطورعلم اللاهوت المسيحي، أصبحت مسألة التأويل مسألة واعية ممنهحة في التقليد الآبائيّ، فقدم القدّيس يوستينوس الشهيد (Justin_Martyr) ([21])، (المولود في نهاية ق1 م.)،  ردا على كل من اليهود الذين لا يؤمنون بيسوع و لا يعترفون بالعهد الجديد، و الماركيونيّين ([22]) الذين يرفضون العهد القديم و إلهه يهوه، أوّل طرح منهجيّ لوحدة الكتاب المقدّس بعهديه القديم و الجديد، و أعطى فيه  للعهد القديم تصنيفا  ثلاثيا كنبوءة و شريعة و تاريخ مؤقت لليهود، و اعتبره  شاهدا على المسيح ، ثم تلاه  القديس إيريناوس (Irenaeus) ([23]) ،( المتوفى عام 202م) ، الذي  قدم – بدوره- صورة متكاملة  لكنيسة مسيحيّة عالميّة و كتاب مسيحيّ مؤلّف من العهدين القديم والجديد، و وضع مبادئ لاهوتيّة مهمّة حول وحدة الكتاب المقدّس وتفسيره، يعتبر فيها المسيح هو مبدأ التأويل المركزيّ في كلّ الكتاب.

   وفي القرن الثالث، في الإسكندرية، بلغ التأويل مستوى غير مسبوق بفضل العلامة أوريجانوس (Origen) ، الذي كان عالم لغة، ضليعا بالفلسفة، ومفسّراً وواعظاً ولاهوتياّ  كبيرا، وقد تابع أوريجانوس اعتبار المسيح محورا للكتاب المقدس و مفتاحا لتأويله، و أنشأ منهجيّة للفكر المسيحيّ استخدم فيها أدوات زمانه الفكريّة، و جمع فيها بشكل تفاعلي متجانس بين تيارات التأويل الهلينيّة واليهوديّة والمسيحيّة، في منظومة تفسيريّة ولاهوتيّة شاملة، تتوافق فيها أساليب البحث العقلي في ذلك العصر مع المعتقد الإيماني، و تـُحفظ فيها مكانة الكتاب والكنيسة، ليتمكن بذلك من التوجه إلى مختلف المفكرين، أو مواجهتهم، و قد صاغ  في التأويل نظريّة مميّزة تقوم على الجسد والروح والنفس، تقول أن الكتاب المقدس يفسر على ثلاثة أوجه:

1ـ فالرجل البسيط يكفيه "جسد" الكتاب المقدس.

2ـ والمتقدم في الفهم يدرك "روح" هذا الكتاب.

3ـ والكامل من الرجال هو الذي يفهمه بالناموس النفساني الذي يطـّلع على الغيب([24]).

   و عنه يقول الباحث البيبلي اليونانيّ يوحنا باناغوبولوس: « كان أوريجانوس ويبقى مؤسس التأويل الكتابيّ ورائده، و النبع الذي لا ينضب للتفسير الكتابيّ الصحيح».

   إلا أن نهج أوريجانوس في التأويل لاقى معارضة شديدة، فقد رفض منهجه من قبل "مدرسة إنطاكية"، التي لم تعترف بالـتأويل من حيث المبدأ([25])،  و بعد ذلك تم حرم أوريجانوس نفسه من قبل البابا ديمتريوس الكرام في أوائل القرن الثالث، ثم تأكد حرمه أيضا في عهد البابا ثيوفيلس في أواخر القرن الرابع.

 

   لكن مع ذلك استمر نمو وازدهار التأويل، و انتشر أنصاره  في شتى الأنحاء، و لمعت أسماء  كـ ديودوروس الطرسوسيّ (Diodorus of Tarsus)، وثيودودوس المبسويستي (Theodore of Mopsuestia)، و أوغسطين، وهيرونيموس، يوحنا كاسيانوس (John Cassian)، و الآباء الكابادوكيين و غيرهم.

 

   و لم تقتصر أشكال التأويل على الكنيسة الرسمية وحدها، فقد استخدمته التيارات المسيحية غير التقليدية بدورها، و لاسيما الغنوصييون، بصفتهم جماعات باطنية، و من أشهر الفرق الغنوصية التي أولت حتى سيرة المسيح نفسها، الفرقة الدوسيتية ([26])( Docetism) التي يعود اسمها إلى الفعل اليوناني (dokeĩn) "يبدو أو يظهر"، و التي ظهرت في القرن الثاني، و رفضت ناسوت يسوع المسيح، معتبرة أنه لم يمتلك بتاتا جسدا ماديا، و أن ظهوره البشري كان فقط في الصورة، و هذا يجعل كل مظاهر البشرية لسيرة يسوع، بما فيها الصلب، مجرد أفعال ظاهرية.

  فيسوع أقنوم إلهي، و تجسد الإله بكماله و جلاله و طهارته التامة في جسد إنساني ناقص ووضيع و غير طاهر، لا يليق قطعا بسمو الألوهة و عظمة قدرها، و لذا وجب إسقاط مهانة التجسد عنها بنفي الجسد، و تحويله إلى مجرد صورة ظاهرية فقط، صورة بشرية تقرب الله من الناس، ويبقى فيها منزها عن نواقص و مساوئ الجسد.

 

    في الأزمنة اللاحقة تابع التأويل الكنسي تطوره، لكن تأويل الكتاب المقدس في الكنيسة، مهما كانت الغاية المتوخاة منه، ظل مسألة مرتبطة بالتقليد الكنسي و قانون الإيمان، و الإرث الآبائي، و بذلك حققت الكنيسة التوازن الجدلي المتكامل بين سلطتها المرجعية و سلطة الكتاب، فالكتاب كان يقـرأ و يفسر في إطار الثوابت العقائدية التي قامت عليها الكنيسة، و المستمدة بدورها أساسا من روح الكتاب، و على أساس هذه المعادلة تعاملت الكنيسة مع أية مشكلة أو أمر مثير للجدل.

 

  هذه المعادلة، كسرتها لاحقا الحركة البروتستانتية، التي من ناحية ألغت الإرث الآبائي و اللاهوت الكلاسيكي، و احتفظت- من ناحية أخرى- بالثوابت الإيمانية التي ترسخت بفضل هذا الإرث الكلاسيكي، و رسخته بدورها، و بهذا الشكل جعلت البروتستانتيةُ من المسيحيةَ "ديانة كتاب"، و أصبح "الكتاب المقدس" من حيث المبدأ النظري المرجعية العليا و الوحيدة في الكنيسة، لكن بتخليها عن الإرث الكلاسيكي بما فيه التأويل الممنهج، فتحت البروتستانية الباب واسعا على أشكال مختلفة من التـأويل غير المنضبط من جهة، و هذا قد يكون من حسناته أحيانا الديناميكة العالية في الاستجابة لضرورات العصر، و من سيئاته في أحيان أخرى إحداث الفوضى و شرذمة عملية البحث و التجديد و  تدنية سويتها، لكن –من جهة ثانية – عززت أيضا إمكانية العودة بالفهم الديني إلى شكله الحرفي البدائي، المتخارج مع منطق و روح العصر.

 

   أما المسيحية الكلاسيكية، ولاسيما الغربية منها، فقد استمر فيها التأويل إلى اليوم وتطور، ليغدو أكثر استجابة لواقع العصر، فمثلا ، يقول الكتاب المقدس الأميركي الجديد (The New American Bible)،‏ و هو إحدى الترجمات الكاثوليكية،‏ عن (الإصحاحات ١-‏١١ من سفر التكوين )، التي تتحدث عن تاريخ الخلق من بدايته و حتى تدمير برج بابل، أنها لا يجب أن تفهم فهما حرفيا، لأنه :‏ « لجعل الحقائق الواردة في هذه الفصول واضحة للشعب الإسرائيلي المعنيّ بالحفاظ عليها، وجب التعبير عنها  بواسطة المفاهيم السائدة بين أولئك  الناس في ذلك الوقت، ولهذا السبب، يجب أن تميز الحقائق نفسها بوضوح عن غطائها الأدبي»([27]).‏

 

 الفصل الثاني

تأويل نشيد الأناشيد

 

1-   نبذة عن السفر:

  

    يدخل سفر "نشيد الأناشيد" (Shir Ha-Shirim بالعبرية) في عداد أسفار الكتاب المقدس اليهودي "التناخ"(Tanakh)، الذي ترى التقاليد الكتابية أن عزرا جمعه في القرن الخامس قبل الميلاد، ثم  تـُرجم إلى اليونانية في الترجمة السبعينية في القرن الثالث قبل الميلاد، و لم يعترض عليه حتى ذلك الوقت أحد، و لاحقا دخل هذا السفر دون أي اعتراض في الكتاب المقدس المسيحي "البيبليا" (Bible) مع بقية أسفار التناخ.

 

    و هذا السفر هو عبارة عن أناشيد حب حوارية بين حبيب وحبيبته، أو عريس و عروس،  يفترض عموما أنهما الملك  سليمان، و راعية غنم تدعى شولـَميت (Shulamite) ( نش 6 : 13)، و هما الشخصيتان الأساسيتان في النشيد، و يشاركهما في الحوار طرف ثالث ثانوي  يضفي على النشيد طابعا مسرحيا هو "بنات أورشليم".

 

   و بخصوص نسب هذا السفر ([28])  ثمة رأيان في الأوساط اليهودية و المسيحية، ، الأرجح بينهما، أن الملك سليمان بن داوود كتبه في النصف الثاني من القرن العاشر قبل الميلاد في أواخر حياته، و الثاني أنه كتب عن سليمان من قبل كاتب غير معروف.

 

   أما بخصوص محتوى السفر([29])، فثمة من يفسر محتواه تفسيرا حرفيا، و من يفسره تفسيرا  مجازيا، و كان ثمة من يرفضه و يطالب بحذفه.

  و بدورهم ينقسم المفسرون الحرفيون إلى فريقين:

-    فريق يرى أن السفر يدور عن ثلاثة شخصيات رئيسة، هم سليمان، و شولـَميت ، و شخص ثالث، هو الراعي الذي يتابدل الحب مع شولـَميت، التي تبقى وفية له رغم إغراءات الملك سليمان، و مغزى النص برأيهم هو الإعلاء من قيمة الوفاء في الحب.

-         و فريق يرى أن النص يدور فقط عن سليمان و شولـَميت، و قصة الحب التي جمعت بينهما.

   أما أنصار رمزية السفر، فيرون أن ثمة معان خفية في كل عبارة من عبارات السفر، و أن الحب البشري المذكور فيه يرمز إلى محبة الله لشعبه و لكل نفْس من هذا الشعب، و هذا التفسير هو الذي غلب يهوديا و مسيحيا على السفر.

  أما رافضي السفر، فسيتم الحديث عنهم لاحقا.

    

    و فيما يتعلق بشخصية شولـَميت يرى بعض الباحثين أن (Shulamite) ليس اسم علم، بل نسب جغرافي، وهو يعني "الشولمية" ([30])  أو "التي من شولم" (Shulem)، و يطابق العديد من الباحثين بين "شولم " و"شونم"، و شونم (Shunam) أو سولم (Sulam)هي بلدة على السفوح الجنوبية الغربية لجبال الدحي في مرج ابن عامر في فلسطين، و يعود تاريخها إلى عصر الفراعنة.

 

    فيما يرى آخرون أن هذا الاسم هو الصيغة العبرية المؤنثة لـ " سولومون "(Solomon) ، أي "سليمان"([31])، و يعني اسمها "المسالمة"، فيما يعني سولومون " المسالم" ([32])، و منهم من يطابق بينها و بين أبيشاج الشونمية، و هي فتاة فائقة الجمال كانت تخدم الملك داوود في أواخر شيخوخته، و كانت تضطجع معه دون أن يعاشرها كي تبعث الدفء في جسده (1مل 1: 1-4)، و بعد وفاته، طلب ابنه آدونيا الزواج منها، فعاقبه أخوه سليمان الذي خلف أبيه داوود في المـُلك بالقتل (1 مل 1: 13-25)، علما أنه سبق و أن عفا عنه عندما حاول انتزاع المـُلك  في أواخر أيام داوود قبل أن يوصي به لسليمان، ففي ذلك الوقت كانت معاشرة إحدى نساء الملك تعادل المطالبة بالعرش([33])، و قد اتخذ سليمان شولـَميت زوجة له بعد وفاة أبيه ([34])،  وثمة من يرى أنها قد لقبت بهذا اللقب لأنها أصبحت زوجة سليمان الملك، فيما يرى سواه أن هذا اللقب يعني "الشولمية"، و يطابق "الشونمية" نسبة إلى مسقط رأسها  شونم أو شولم.

 

   كما جرت وتجري محاولات أخرى لربط عروس السفر بابنة فرعون التي تزوجها سليمان كما يروى في الكتاب المقدس (1 مل 3: 1)، و يرى بعض الباحثين المعاصرين أن المقصودة هي (خارو) بنت الفرعون النوبيّ (مرنبتاح)، الذي يقال أن سجلاته تقول أنه عاصر سليمان الحكيم وصاهره و اقتبس من حكمته ([35])،، و كان ثيودوروس المصيصي (350-428م.) قد طرح طرحا مشابها اعتماد على آيات مثل: «أنا سوداء ([36]) و جميلة يا بنات أورشليم كخيام قيدار كشقق سليمان» من السفر (نش 1 :5) ([37])، فهي سوداء لأن شمس بلادها الحارة لوحتها، و على وصفها لنفسها أنها «سوسنة الأودية» (نش 2: 1)، حيث استخدمت فيه كلمة "شوشاناه" العبرية التي ترجع إلى أصل فرعوني، و هي تدل على نبات "عرائس النّيل"([38]و سواها من الآيات.

   كما يسعى بعض الباحثين للربط بين هذه الشخصية، و بين شخصية بلقيس ملكة سبأ، بناء على حديث شولـَميت عن سوادها، و على زيارة ملكة سبأ لسليمان الواردة في سفر الملوك الأول (1مل 10: 1-13)، لكن الكتاب المقدس لا يقول شيئا عن زواج سليمان و هذه الملكة. 

 

2-    إشكالية السفر:

  

    يحتوي السفر على ألفاظ غزلية صريحة من النوع الذي يمكن تسميته بالإيروتيكي، حيث تقول العروس مثلا: « ليقبلني بقبلات فمه لأن حبك أطيب من الخمر» (نش 1 :2)([39]) ، و «صرة المر حبيبي لي بين ثديي يبيت» (نش 1 :13)، «شماله تحت رأسي و يمينه تعانقني» (نش 2 :6)، و يقول لها العريس: « شفتاك كسلكة من القرمز، وفمك حلو .خدك كفلقة رمانة تحت نقابك» (نش 4 :3)، "ثدياك كخشفتي ظبية توأمين يرعيان بين السوسن» (نش 4 :5)، « ما أجمل رجليك بالنعلين يا بنت الكريم دوائر فخذيك مثل الحلي، صنعة يدي صَنّاع »، « سرتك([40]) كأس مدورة، لا يعوزها شراب ممزوج .بطنك صبرة حنطة مسيجة بالسوسن»، «ثدياك كخشفتين توأمي ظبية» (نش 7 :2-3)، «قلت أني أصعد إلى النخلة و أمسك بعذوقها و تكون ثدياك كعناقيد الكرم و رائحة أنفك كالتفاح» (نش 7 :8).

      و إلى ما هنالك من مثل هذه الألفاظ، و العبارات و التعابير التي يمكن اعتبارها جنسية.

 

      هذا بالطبع أثار ردة فعل سلبية تجاه هذا السفر عند بعض قدماء اليهود، و هذا يعود إلى الأسباب التالية:

 

1- كانت عقائد الخصب القديمة (religions of fertility)، ترى في الجنس علاقة مقدسة بسبب ارتباطه بالخصب الذي يشكل أساس الحياة عن طريق التناسل الذي يضمن استمرار و تجدد الحياة، و كل ما فيها من خيرات على مستوى الإنسان و الحيوان و النبات، و قد استمرت هذه الصورة للجنس طوال العصر الأمومي، لكن مع الانقلاب و التحول باتجاه العصر الذكوري، صارت الصورة تتغير شيئا فشيئا، و مع الإيغال في هذا العصر و تدني مكانة المرأة فيه، صار الجنس في حالات كثيرة ينتقل من موقع" المقدّس" إلى "المنجّس"، و يهبط من مستوى "الرفيع" إلى "المنحط"، و اليهودية، وليدة العصر الذكوري، هي واحدة من هذه الحالات، و لذا كلما كانت تصبح أكثر تطورا و تبلورا، كانت نظرتها إلى المرأة و الجنس تتدنى أكثر (فمثلا: طـُهر المرأة بعد الولادة إن أنجبت بنتا يحتاج ضعف مدة برائها إن أنجبت صبيا (لاو 12: 1-5) ، و الزوج و الزوجة بعد المجامعة يعتبران غير طاهرين حتى المساء حتى و لو استحما بالكامل بعد الجماع (لاو 15: 18))، و هكذا كان و لابد لسفر النشيد أن يأتيه اليوم الذي يثور فيه ضده الرفض ..انطلاقا من هذا المنطلق.

 

2- لم تكن الآثار الخصبية قد فارقت الأديان الوثنية في ذلك العصر، التي كان أصحابها يحيطون باليهود، و كثير من هؤلاء الوثنيون، كانت ما تزال لديهم طقوس جنسية الطابع، تنشد فيها أناشيد مشابهة لنشيد الأناشيد، و هذا جعل بعض الشخصيات اليهودية ترى فيه تشبها بالوثنيين، و دخيلا على الكتاب المقدس من إرثهم الفاسد، و مناقضا لعقيدة اليهود المعادية للوثنية، و التي تعتبر نفسها ديانة الحق الوحيدة.

 

3- الحب و الجنس هما من أكثر القضايا حساسية و اهتماما في حياة الإنسان، و من الطبيعي أن يتم تناولهما في كل مجالات حياته الثقافة و الإبداعية من المستوى الشعبي و حتى المستوى النخبوي، و كل أمم العالم لديها أدب و فن و غناء يتناول هذه القضايا بمعزل عن الدين، و اليهود لم يكونوا استثناء في ذلك، لكن مع تفشي ظاهرة عدم احترام الجنس و قرنه بالدنس و الحـِطـّة في بعض الثقافات، صار الأدب المتعلق به يعتبر مبتذلا و متهكتا، و هذا ما أصبح الحال عليه عند اليهود في الزمن الذي بدأت الاعتراضات ضد سفر النشيد تظهر في أوساطهم.

 

   و قد عزز هذه المواقف، أن هذا السفر كان قد دوّن بعد العودة من بابل، و لم يكن من أسفار ما قبل السبي، من ناحية، و من ناحية أخرى كان يستخدم كأغنية قصف و لهو من قبل بعض اليهود في الحانات و الولائم ([41]).

   

   هذه الاعتراضات و لنفس الأسباب وجدت طريقها لاحقا إلى اللاهوت المسيحي، و سنوجز في الفقرة التالية، بعض أشهر المواقف اليهودية و المسيحية من هذا السفر.

 

   3 - المواقف التاريخية من السفر:

 

    أول اعتراض مؤَرّخ على هذا السفر يعود إلى الحاخام شمعـَي (Shammai) الذي عاصر السيد المسيح، و قد سعى هذا الحاخام الذي كان يتبع الأسلوب الحرفي في تفسير الكتاب المقدس إلى حذفه من الكتاب، لكن مدرسة هليل (Hillel) اليهودية التقليدية أكدت قانونية السفر([42])، و عاد فأكدها مجمع جامنيا (Council of Jamnia) المنعقد عام 90 م. تقريبا ([43]).

 

   و قد أكد الحاخام عقيبا (Rabbi Akiba) على أهمية هذا السفر الاستثنائية فقال عنه : « العالم كله لا يساوي ذلك اليوم الذي أُعطيَ فيه نشيد الأناشيد لإسرائيل! الكتاب كله مقدس، و نشيد الأناشيد هو  قدس الأقداس. » ، و يبدو أنه كان ثمة بين اليهود من لا يشعر بقدسية هذا النشيد، فكان يغنيه في الولائم و الحانات، و هذا ما نهى عنه الحاخام بشدة : «إن ذلك الذي ينشد نشيد الأناشيد بطريقة غنائية في مأدبة، ويحوله إلى أغنية عامة، ليس له نصيب في العالم المقبل» ([44]).

 

  كما أكدت المدراش (Midrash) ( وهي مجموعة من التعليقات القديمة على التناخ) قانونية هذا السفر بالقول: «نشيد الأناشيد هو أسمى جميع الأناشيد، قـُدمت لله الذي سيحل بالروح القدس علينا. إنه النشيد الذي فيه يمتدحنا الله، ونحن نمتدحه» ([45])!

 

   مسيحياً، اعترف المسيحيون بأسفار التناخ كلها، و أدرجوها في كتابهم المقدس تحت مسمى "العهد القديم"، منفذين بذلك وصية القديس بولس الرسول، التي يقول فيها: « كل الكتاب موحى به من الله، و هو نافع للتعليم و التوبيخ، للتقويم و التأديب الذي في البر» (2تيم 3: 16).

  و فيما يتعلق بالنشيد، اعترف به كسفر من أسفار العهد القديم، و أخذت الكنيسة بالتفسير الرمزي للنص، و إن كانت لمفكريها رؤى مختلفة في ذلك.

 

   فمثلا، رأى العلامة أوريجانوس أن السفر يُشير إلى العلاقة بين السيد المسيح و الكنيسة ككل على مستوى الجماعة، من ناحية، و من ناحية ثانية إلى العلاقة بينه و بين النفس البشرية على المستوى الشخصي، و قد اعتبر أوريجانوس أن المؤمن في رحلته من هذا العالم إلى أورشليم السماوية ينشد أناشيد كثيرة، حتى يستقر في الملكوت السماوي فيترنم بنشيد الأناشيد.

   أما القديس هيرونيموس (340-420م) والقديس أغسطين (٣٥٤-٤٣٠م) وغيرهما فالسفر برأيهم يُشير إلى العلاقة بين السيد المسيح و بين جماعة المؤمنين ككل ممثلة بالكنيسة.

   بينما رأى القديس غريغوريوس النيصي (٣٣٥-٣٩٤ م)، و بعده برنارد من كليرفو (١٠٩٠-١١٥٣م) أن السفر يُعبّر عن العلاقة الشخصية بين السيد المسيح والنفس البشرية.

    فيما يعتقد بعض الكاثوليك أن هذا السفر يتحدث عن موضوع التجسد الإلهي، ويرون في العروس رمزا للقديسة مريم والدة المسيح ([46]).

 

  و موضوع التفسير الرمزي هذا سيناقش بمزيد من التفصيل لاحقا.

 

4- التفاسير اليهودية:

 

    بعد الاعتراضات التي أثيرت ضد السفر في القرن الأول، و تأكيد قانونيته في مجمع جامنيا، بدأ التفسير الرمزي يغلب على هذا السفر، الذي يقسمه معظم الباحثين إلى الأجزاء التالية:

 

   المطلع و يضم الآيات(1: 2-4)، وخمس قصائد تمثل فصول السنة، فالأولى (1: 5-2: 7)  تمثل فصل الشتاء وزمن المنفى و الفراق، و الثانية (2 :8- 3: 5) فصل الربيع وزمن الخطوبة، و الثالثة (3: 6- 5: 1) فصل الصيف والزواج، والقصيدة الرابعة (5: 2-6: 3)  الفترة ما بين الصيف و الخريف، فيما تحدثنا الخامسة عن فصل الخريف وقطف الثمار (6: 4-8: 4)،  ثم تتحدث الخاتمة (8: 5-7) عن قوة الحب و الغيرة، بينما تردد الأشعار الأخيرة (8: 8-14) بعض ما قيل في الأسفار الأولى([47]).

 

   و يربط المؤوّلون اليهود بين هذا التسلسل الدرامي في النشيد و مسار بني إسرائيل التاريخي، و تقلبات علاقته مع إلهه يهوه سلبا و إيجابا.

 

   وهذا ما نجده مثلا عند الرابي صموئيل بن مائير (Samuel ben Meir) (1080-1160م)، المعروف بعد وفاته بـ Rashbam)) في شروحاته على سفر النشيد([48])، حيث يقول أن " نشيد الإنشاد الذي لسليمان، هو النشيد الأجمل بين الأناشيد، و هو بالنسبة لباقي الأناشيد مثل إله الآلهة، إله عظيم ورائع و رب لكل الأرباب، كذلك هذا النشيد.

   أسسه و نظمه سليمان الملك و كتبه مسوقا بالروح القدس، رائيا فيه مستقبل إسرائيل في السبي و الشكوى و الابتعاد عن الرب، و كأن الرب هو العريس الذي فصل عن حبيبته، وبدأ يغني، و ينشد هذا النشيد و إسرائيل هي عروسته، و هي ترد عليه و تنشد له أيضا".

 

    ثم يتابع الرابي التفسير، فيفسر قول العروس في السفر: « ليقبلني بقبلات فمه» (نش 2:1) بأن هذا يدل على إعطاء الرب التوراةَ لشعب إسرائيل شفاها، أو من فم لفم.

   أما طيب العريس ورائحته الشذية (نش 3:1) التي تصل إلى الأماكن البعيدة فهي كناية عن أعمال الرب العظيمة في مصر التي وصل صيتها إلى بقية الأمم.

  و قولها «اجذبني ورائك» (نش 4:1)، فهذا كناية عن رجاء شعب إسرائيل أن يعطف عليه الرب و يعيده إلى رضاه و رعايته كما فعل حين حرره من العبودية في مصر.

 و يعني قولها "أنها سوداء و لكنها جميلة" (نش 5:1)، بأن الجمال هو أصلها، و هو يدل على طبيعة شعب إسرائيل المختار لإلهه، فيما يدل السواد على حالة الشعب العارضة في السبي و العبودية، و "كونها سوداء لأن الشمس لوحتها عندما صارت ناطورة في الكروم" (نش 6:1) ، فهو  يدل على استعباد الشعوب لشعب الرب، الذي سيتحرر في النهاية، و يعيده الرب كعروس إلى قصره الملكي.

  فيما يشبهه قولها (نش 6:5) "أن الحرس الطائف في المدينة ضربوها و جرحوها ورفعوا الإزار عنها"، بما فعلته الأمم بإسرائيل من سبي و استعباد بسبب تركه وصايا الرب.

   أما القول: «من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها تحت شجرة التفاح» (نش 8:5)، فيشير برأيه إلى خروج الشعب من مصر و إنعام الرب عليه بالتوراة. 

  و قولها في (نش 11:7) «تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقل و لنبت في القرى»، بأنه يعبر عن شوق إسرائيل للخلاص من العبودية، و عن الندم على معصية الرب.

  و يفسر الآية التي "تتمنى أن يكون العريس كأخ لها فتجده في الخارج و تقبله و لا يحزنوها" (نش 1:8)، بأنها تعبير عن حنين الشعب إلى الأيام القديمة، التي كانوا يعبدون فيها الرب و ينفذون وصاياه، فيحميهم و يرعاهم.

   و الآية التي تتحدث عن "كرم سليمان في بعل هامون، الذي دفعه للنواطير و أعطاهم الأجر المناسب"(نش 11:8)، بأنها ترمز إلى الأرض التي سيعطيها الرب لشعبه جزاء على الإيمان و تنفيذ الطاعة.

   ويفسر الآية التي تقول فيها : « أيتها الجالسة في الجنات الأصحاب يسمعون صوتك فاسمعيني» (نش 11:8) باستجابة الرب لشعبه، و إظهاره لملائكته الذين ينتظرون في السماء سماع صلوات الشعب التائب.

  أما الآية الأخيرة في السفر(نش 11:8)، التي تقول: «اهرب يا حبيبي و كن كالظبي أو كغفر الأيائل على جبال الأطياب»، فيفسرها بأنها تعبير عن لهفة الشعب أن يأتيه الرب سريعا مثل الظبي، و أن ينتهي هذا العالم و يأتي يوم الرب العظيم.

 

   أما الرابي جاك أبراموفيتش ([49]) (Rabbi Jack Abramowitz) فيرى أن السفر يتحدث عن محاولة الأمم اجتذاب إسرائيل بعيدا عن الرب، لكنها لا تصغي إليهم، و هو يفسر الكلمات و العبارات الواردة في السفر رمزيا على النحو التالي:

   خطوات العروس هي سَفـَر الشعب اليهودي إلي أورشليم ثلاث مرات في السنة للاحتفالات بأعياد الفطير و الحصاد و الجمع، والفخذان هما الأنابيب التي تَحمل الشراب علي المذبح، و السرة هي السنهدرين، و الخمر والقمح هما التعاليم المقدسة التي تتدفق مثل الخمر، وتغذي الناس مثل القمح، و الثديان هما لوحا الشريعة اللذان نقشت عليهما الوصايا العشر، و العنق هو الهيكل الشامخ الذي بناه سليمان، بينما العيون هم أحبار أورشليم، و الرأس هو الصندوق الذي توضع فيه الشريعة و يربطه اليهود برؤوسهم أثناء الصلاة، والشعر الطويل يرمز لشريعة النذير التي يكرس اليهود فيها أنفسهم لله لفترة من الزمن. 

   و الصعود على النخلة و الإمساك بأغصانها هو تعبير عن رضا الله عن أعمال الشعب اليهودي التي تشبه الثمار الصالحة.

    و في السَفر يطلب الله أن من الأحبار الاستمرار في التعليم و الإثمار للأمة، وتفرح إسرائيل بدورها بمحبة ربها لها، وتعلن للأمم عن استحالة ترك عبادة ربها، وتطلب منه أن يأخذها إلى الحقول بعيدا عن الاهتمامات العالمية، كي تتفرغ لخدمته، وترجو الاستيقاظ باكرا لدراسة شريعته وتنفيذ إرادته، ومتابعة النجاح في معرفة و تطبيق "الشريعة".

  ثم ينتهي الحديث بالقول أن أفعال إسرائيل القديمة و الجديدة كلها محفوظة عند الله.

 

   أما الترجوم (targum) فيرى أنّ النشيد يصور كل تاريخ إسرائيل بطريقة رمزية، بدءا من موسى إلى الخروج من مصر وإعطاء الشريعة وبناء الهيكل وتدشينه، والسبي والعودة وانتظار الملك المشيح، كما يمضي المدراش (midrash)  بدوره أيضاً على هذا النحو، فيعتبر مثلاً الآيات (2: 8-9)  في النشيد : «صوت حبيبي. هوذا آت طافرا على الجبال، قافزا على التلال،...»، تتحدث عن الفصح، فذاك الحبيب هو تارة الله نفسه، وتارة موسى، وتارة المشيح، الذي يشبـّه موسى به، فقد اتخذ عيد الفصح تفسيراً آخـِروياً (eschatological) ومشيحياً- أو ميسيانيا- (messianic) ([50]).

 

   هذه عينات من تفاسير اليهود الرمزية لسفر النشيد، و يبدو واضحا سعي هؤلاء المفسرين لربط كل آية من آياته بأحداث محددة من تاريخهم الذي يربطونه بدينهم، و الذي يصورنه كعلاقة غرامية مع ربهم، يتخللها الجفاء و اللقاء، و الوفاء و الخيانة، و الغيرة و الغضب، و المغفرة و السماح، و لهفة العشاق، و آلام الفراق، و مسرة اللقاء، و بهذا الشكل يصبح السفر الغرامي تصويرا رمزيا  لعلاقة الحب الرباني بين يهوه و إسرائيل، ممثلا بقصة حب بشرية مفهومة بين رجل و امرأة.

 

  أما في القبالاه فيعتبر سفر النشيد النص الأكثر باطنية([51])، و الذي  يلعب دورا أساسيا في التفسير الباطني للكتاب اليهودي المقدس كله، حيث تتم مطابقة الشيخينا (الوجود الإلهي الساكن) (Shechina) مع "السيفيرا" المؤنثة (ملاخوث) "المـُلك"، التي ترمز إلى الشعب اليهودي، و يمثلها في الجسد الشكل الأنثوي، و تتمم مطابقتها مع الحبيبة في نشيد الأناشيد، أما حبيبها، فتتم مطابقته مع السيفيرا الذكرية (تيفيريت) "الجمال"، التي تمثل المبدأ المركزي في تدفق العاطفة، و يمثلها في الجسد الجذع الذكري.

  و ترى القبالاه في هذا السفر كشفا للوحدة الجوهرية لله، وصفا لخلق العالم، و العهد مع إسرائيل، ومجيء العصر المسياني (الخلاصي)، و بشارة بالغاية الخلاصية للخلق.

 

5- التفاسير المسيحية

 

     سارت الكنيسة في موقفها من سفر النشيد على خطا اليهودية، و اعتبرته نصا مجازيا، يحمل معنى خفيا يختلف عن معناه الحرفي و يتجاوزه، و تابعت اعتباره نصا يعبر عن المحبة المقدسة التي تجمع الله و شعبه، فـ «الله محبة» كما يعرفه كتاب العهد الجديد (1يو 4 : 8)، و لكن بخلاف اليهودية التي كانت تراه معبرا عن محبة يهوه لإسرائيل، ربطت المسيحية التي اعتبرت نفسها "يهودية العهد الجديد" هذه المحبة بالمسيح، فالله قد أحب الإنسان إلى درجة أنه بذل ابنه الوحيد من أجل خلاصه (يو 3 : 16) ، فأصبح السفر يعبر عن محبة المسيح للكنيسة التي تشبه محبة العريس للعروس كما يقول القديس بولس الرسول في (أف 5 : 25)، و عن محبة الله للنفس البشرية المخطوبة إليه نفس المحبة، حيث يقول الله في (هو 2: 19): « و أخطبك لنفسي إلى الأبد بالعدل والحق والإحسان والمراحم»، و مصطلحات كـ "عرس، وعريس، وعروس"، استخدمها السيد المسيح في مواعظه و بشارته أكثر من مرة، حيث شبه ملكوت السماء بالعرس (متى 22:  2-13)، و شبه نفسه بالعريس (متى 25:  2-13)،فيما يقول القديس بولس - بدوره- عن رعايا الكنيسة بأنه يغار عليهم غيرة الله لأنه خطبهم ليزفهم لزوج واحد هو المسيح زفة عذراء طاهرة (أف 25:  24-27).

 

   هذه التعابير المجازية التي تتلاقى مع لغة نشيد الأناشيد أعطت الكنيسة المبرر لتتعامل معه بنفس السياق المجازي.. و تفسره بنفس الأسلوب التأويلي.

 

   أما الدوافع التي دفعت المسيحية لمتابعة النهج التأويلي لسفر النشيد فيمكن حصرها تقريبا في الأسباب التالية:

1-  لقد اعترفت المسيحية باليهودية كعهد بين الله و الإنسان معقودا مع إبراهيم وذريته عبر إسحاق الذي ينتمي إليه بنو إسرائيل، و يتم تحقيقه من خلال التزام إسرائيل بالوصايا و حماية و رعاية يهوه له بالمقابل، و اعتبرت نفسها شكلا استمراريا تجديديا، بل و جوهريا، من خلال المسيح و كنيسته، لهذا العهد، الذي يصبح في شكله القديم مجرد نسخة تمهيدية مؤقتة للعهد الجديد الدائم (عب 8 :13)،  الذي أقسم الله أن يجعل المسيح كاهنه إلى الأبد (عب 7 :21)، و هكذا وجدت الكنيسة نفسها ملزمة، بعد أن ضربت جذورها المسيحية عميقا في التاريخ اليهودي، و استمدت منه مرتكزاتها العقائدية التأسيسية التي أقامت نفسها عليها، أن تتابع الموقف التأويلي من سفر النشيد الذي بدأه اليهود، و لاسيما أن اعترافها به كجزء من الكتاب المقدس قائم أساسا على يهوديته.

2-  حاجة الكنيسة الماسة للتأويل، من أجل تحقيق الانسجام بين المعتقدات المسيحية و اليهودية، و جعل الأسفار اليهودية قابلة للقراءة كشهادات على مصداقية يسوع المسيح، فـ «غاية الناموس هي المسيح للبـِرّ لكل من يؤمن» (روم 10 :4)، و سفر النشيد له قابلية كبيرة للعب دور هام في ذلك، فمثلا أصبحت المخاطـَبة في النشيد بـ «أيتها الجميلة بين النساء» (نش 5 : 9) هي الكنيسة التي وحدها تستحق لقب العروس برأي القديس أوغسطين.

3-  استمرار النظرة السلبية للجنس في المسيحية، التي حافظت على انتمائها إلى نفس البيئة الثقافية الطهرانية التي كانت اليهودية قد وصلت إليها، و هذه النظرة طورتها المسيحية و جعلتها أكثر تطرفا، و هذا ما يجد جذوره في كلام القديس بولس كـ : «أما أعمال الجسد  فإنها ظاهرة و هي الزنا و الدعارة و الفجور.. » (غل 5 :19)، و « يحسن بالرجل ألا يمس امرأة، و لكن خوفا من الزنا فليكن لكل رجل امرأته و لكل امرأة زوجها» (1كور 7 :1-2).

  

    بدأ التأويل المسيحي لسفر النشيد في مرحلة مبكرة نسبيا، و قد قام أوريجانوس بتفسيره في القرن الثالث، و كان يعتبره سفر البالغين، لأن فيه معان متعالية لا يدركها إلا الناضجين روحيا، و قد كتب في مقدمة تفسيره له أنه «أغنية العرس لكل من العريس و العروس العفيفة في تمثيلية رمزية» ([52])، و نجده مثلا يفسر عبارة المطلع «فليقبلني بقبلات فمه» بأنها تعبير عن حال الحبيبة ( أي شعب إسرائيل) الذي كان الله يتواصل معه من خلف الحجب بواسطة الأنبياء، كالحبيب الذي يرسل أشواقه و قبلاته لحبيبته مع المراسيل، و التي – أي إسرائيل- لم تعد تكتف بهذا التواصل، وصارت تتلهف شوقا للقائه المباشر و التواصل التام معه، و فكرة التواصل المباشر مع الله هذه فكرة محورية في المسيحية، و هذا ما تحقق من خلال مجيء المسيح، و يعبّر عنه قول بولس: « إن الله، بعدما كلّم آباءنا مرات كثيرة بلسان الأنبياء كلاماً مختلف الوسائل، كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة بالابن .. » (عب 1 :1) ، كما نجد تفسيرا رمزيا آخر للسفر عند القديس أمبروسيوس (337-397م) يعتبر فيه هذا السفر رمزا للاتحاد بين السيد المسيح و النفس البشرية، و يشبهه بقصة إسحق و زوجته رفقة من العهد القديم (تكوين 24: 15-27) ، مقابلا بين المسيح و إسحاق من جهة، و بين الكنيسة ورفقة من جهة ثانية ([53])، كذلك  فسره رمزيا غريغوريوس النيصي (335-394م) ، الذي يقول في مطلع تفسيره : « أن إدراك أسرار هذا السفر - سفر العرس السماوي - هو موهبة يقدمها العريس السماوي لعروسه التي تختفي فيه، كما في ثوب ملوكي مقدس... لهذا لاق بالنفس أن تخلع عنها ثوب الأفكار الجسدانية حتى ترتفع بروح الرب إلى حجال عريسها وتتأهل للتمتع بأسراره» ([54])،

    في القرون الوسطى، كثرت التأملات و العظات المستمدة من سفر النشيد، وكتب عنه الكثير، و تعدت الاجتهادات التي بقيت تدور في فلك رمزية السفر، و كان روبرت الديوتزي (1129 م تقريبا) أول مفسر طابق بين القديسة مريم العذراء و العروس في السفر([55]).  

     كما فسره القديس برناردوس في القرن الثاني عشر، و القديس يوحنا الصليب (1542-1591م) ، و قد عبر كل منهما عن رغبة مشابهة لما قاله أوريجانوس عن رغبة العروس في لقاء الله المباشر، ثم فسرته في القرن السادس عشر القديسة تريزا الأفيلية التي تقول «إنّ النشيد يرسم خطّاً، عند قرّائه، بين مَن لا يجدون فيه سوى ذريعة للضحك ومَن يدركون، لأنّهم يعيشونه، "ما يجري بين الله والنفس".»، و كذلك فعل متى هنري (1622-1714م)، و سواهم ممن كتب في النشيد نصوصا تأويلية تعتمد القراءة الرمزية ([56]).

 

    لكن مع تقدم حركة النهضة في أوروبا الغربية، و تطور الفكر بشكل عام باتجاهات أكثر عقلانية و إنسانية، كان و لابد لآثاره من أن تنعكس على الفكر الديني التقليدي، و هذا ما أدى إلى بروز أصوات إصلاحية عديدة، منها ما بقي في إطار الكنيسة الكاثوليكية كأراسموس (Erasmus of Rotterdam) (1469-1539م) ، و منها ما وصل إلى درجة القطيعة معها كالزعيمين البروتستانتيين الشهيرين مارتن لوثر (1483-1546م)  و جون كالفن (1509-1564م).

 

   أعاد أراسموس، طرح فكرة بشرية الحب المطروح في النشيد، لكن دون فصله عن المحبة السماوية معتبرا أن الحب الزوجي بين الرجل والمرأة هو انعكاس للطبيعة الإلهية و البشرية  المتكاملة في المسيح، و تبعه في ذلك ميلانخثون (Melanchthon)، و هينريخ بولينغر (Heinrich Bullinger)  الذي بارك مسرات هذا الحب([57])، أما مارتن لوثر، فرغم مساعيه لتجاوز علم اللاهوت و التأويل التقليديين، فقد ظل يرى أن العريس في النشيد هو صورة مجازيَّة لله، أما العروس فتمثل مملكة سليمان أو الكنيسة أو النفس البشريَّة،  فيما حافظ جون كالفن على الاعتقاد بأن نشيد الإنشاد هو نبوءة شعريَّة عن إتحاد المسيح والكنيسة.

   أما القرون التالية فقد شهدت نمو نزعة التفسير المباشر للسفر، التي ترى فيه تعبيرا عن الحب البشري، كتفاسير هيجو كروتيوس (Hugo Grotius) (1583-1645م)، و وليلم ويستون (William Whiston)  (1667-1762م) ، و سواهما.

 

   هذا السفر كان يُقرأ في اليوم الثامن من الاحتفال بعيد الفصح الذي يشير إلى الحياة، وكأن النشيد يحمل نبوة عن الفصح الحقيقي الذي يخلص الإنسان فيه من الشقاء و من الموت ليدخل أبديًا إلى ملكوت السماء([58])، و قد تناولته عبر الزمن دراسات عديدة قام بها علماء وباحثي الكتاب المقدس، الذين يـُجمعون أنه دوّن في فترة ما بعد السبي في نهاية القرن الخامس ق.م. ، و لكن بداياته تعود إلى زمن أقدم من ذلك بكثير، و كما كان الحال يهوديا فكذلك كان مسيحيا، فقد تباينت حيال هذا السفر المواقف، و عدا عمن شككوا بهذا السفر أو رفضوه و اعتبروه خاليا من أي معنى أو رمز، الذين ذهب بعضهم إلى أنه ليس أكثر من مراوحة إنشائية تتكرر فيها الأفكار و التعابير و الألفاظ بلا ضابط، ولا يعدو كونه جمعا لمجموعة من الأغاني الشعبية التي كانت تنشد في الأعراس أو الولائم أو الحانات في ذلك الزمان، فقد انقسم الباحثون المعترفون به حول كل من محتواه و بنيته و تصنيفه، فمن حيث المحتوى قال البعض بحرفيته كيوحنا فم الذهب و تيودوروس المصيصي، الذي كان له به اعتراف من نوع خاص، فقد اعترف بنسبه لسليمان، لكن اعتبره مكتوبا من قبله لتبرير زواجه من ابنة فرعون الوثنية (1مل 11: 1) في وقت نهى فيه إله إسرائيل عن الزواج من الوثنيات، و لا يجوز بالتالي إدراجه في الكتاب المقدس، و أدين المصيصي لاحقا على هذا الرأي([59])، فيما قال آخرون برمزيته ككليمنت الإسكندري و أوريجانوس؛ و في ما يخص بنيته، فقد رأى فريق أنّ النشيدَ متماسك و متناسق في حبكته، التي تحمل تطورا و تصاعد دراميا في مجراه الساعي نحو غاية محددة و يعبر عن سيرة المسيح من المعمودية حتى الصليب و القيامة، فيما رأى فريق آخر خلوه من القصة الدرامية، و اعتبروه نوعا من أدب المـُثل و الحـِكم المعتمد على البلاغة في الوصف و التشبيه؛ أما في ما يتعلق بتصنيفه، فقد اعتبر فريق أنه ينتمي إلى التقليد النبوي، الذي نجده عند كل من إشعيا و إرميا وحزقيال  و هوشع ([60])، الذي يستخدم فيه تعبير الأعراس مجازيا في وصف علاقة يهوه بإسرائيل، فيهوه هو العريس، وإسرائيل هي العروس، و العلاقة بينهما تشبه علاقة الحبيبين بمحتوييها العاطفي و السلوكي، و ما يرتبط بها من مواقف و أفعال إيجابية و سلبية يقومان بها تجاه بعضهما البعض، و هذا يجعل النشيد بِمُجمله يمضي على خطا تلك الأسفار النبوية التي سبقته، و يترابط و يتكامل معها في وحدة اللغة التي يكون فيه العريس حينا راع و حينا ملكا، و يتحول إلى دراما متسلسلة الفصول تتواصل فيها نصوص الأعراس النبوية المتحدثة عن قصة حب يهوه وشعبه في العهد القديم، و التي تثمر بتحقق العهد واكتمال الحب و العرس في مجيء السيد المسيح، الذي يغدو هو العريس و الكنيسة و النفس البشرية هما العروس، بينما أدرجه فريق آخر في عداد أسفار الحكمة التي تسعى لتقديم النموذج الأمثل للسلوك البشري، و برأي هؤلاء أن النص يتحدث عن حالة حب بشري مثلى من حيث الشغف و الالتزام، فيما تشبّه الأسفار النبوية حالة حب يهوه و إسرائيل بقصة حب واقعية بكل ما فيها من عناصر الحرارة و الفتور و الوفاء و الخيانة من قبل أحد الحبيبين ممثلا بإسرائيل.. و المسامحة أو الغيرة و الانتقام من قبل الآخر ممثلا بيهوه.

  و يمكننا الربط بين المواقف المختلفة إلى حد ما، لنجد أحيانا تقاطعا بين القول برمزية و درامية و نبوية النشيد، فيما نجد بالمقابل في أحيان أخرى التقاء بين القول بحرفيته و خلوه من الدراما و انتمائه للحكمة في أحيان أخرى.

 

    ذاك بعض مما كان عليه الموقف من النشيد مسيحيا، و رغم مرور القرون، فالجدل حول النشيد ما يزال مستمرا حتى اليوم بين مفسر بالحرف و مفسر بالباطن، و ما تزال المواقف منه تتباين بين الرفض و القبول، و الإدانة و التمجيد.

                                                               

 

6- التفاسير الحديثة:

 

      في العالم المعاصر، ما يزال سفر النشيد موضع بحث و تأمل و اجتهاد، و ما زال ثمة من يفسر السفر جريا على أسلوب المؤولين القدماء، و يعتبره قصة عميقة رمزية المعنى عن الحب الإلهي للإنسان، الذي تعبر عنه آية "الله محبة".

 

   لكن اليوم و في ظل ما وصله إليه الفكر في العالم المتمدن من نضج على المستويين العقلاني و الإنساني، و ما يرافقهما من انفتاح في الموقف على كل من الدين و الجنس، أصبح ثمة العديد من اتجاهات التفسير المختلفة، التي يرى قسم من أصحابها أن النشيد لا يحتاج إلى تفسير رمزي يخرجه من دائرة التابو الجنسي، و يجب أن يقرأ بحرفيته كنشيد يتحدث عن الحب البشري بين الرجل و المرأة بكل أبعاده الروحية و العاطفية و الجسدية، فهذه العلاقة هي نعمة مباركة من الله الذي خلقهما، و هو القائل عندما خلق حواء في الجنة رفيقا لآدم «ليس حسنا أن يكون آدم وحده، فأصنع له معينا نظيره» (تك 2: 18)،  فالله قد خلق آدم  بحيث لم تكن الجنة بكل ما فيها.. بما فيها العلاقة المباشرة مع الله نفسه كافية لسعادته، و كان محتاجا إلى رفيق نظير يخرجه من وحدته هو حواء، وكان هو ذكرا و هي أنثى كما خلقهما الله (تك 1: 27)، و على هذا الأساس قامت العلاقة بينهما، و ليس فيها أي دنس إن هي ابتعدت عن الخطيئة و تمت بمشيئة الله و ناموسه، و السفر بالتالي هو اعتراف بهذا الحب و مباركة له.

   فيما يـَجمع فريق آخر بين الحرفية و التأويل و يقول أن السفر يتحدث عن كل من الحب الزوجي و الحب الإلهي، و هو يصور الحب الإلهي من خلال الحب الزوجي النقي، مقدما للإنسان بذلك أكثر صورة مفهومة عن الحب الإلهي، و السفر بذلك  يهدف الإعلاءَ من شأن العلاقة الزوجية بكل ما فيها، ولو لم تكن علاقة نبيلة مباركة لما عبّر السفر المكتوب بوحي و إشراف الروح القدس عن المحبة السماوية بها، فلا يمكن التعبير عن المقدس بواسطة المدنس، و بالتالي فالسفر يقدم هذه العلاقة في أصالتها الأولى، قبل الخطيئة و السقوط، و يعترف بها بهذه الصورة، التي يمكن أن تستعيدها إن هي قامت في إطار الإيمان بالمسيح و معمودية الروح القدس و بنوة الله التي تحرر و تطهر الإنسان من الإثم و الخطيئة.  

 

    هذه الطروحات، ليست غائبة عن العالم العربي، رغم أن الطرح التأويلي ما يزال هو الغالب عليها، و هذا مرتبط جذريا بهيمنة الثقافة التقليدية بطابعها الشديد المحافظة، و بالأخص في كل ما يتعلق بالدين و الجنس.

 

    عربيا، ما تزال الطروحات التقليدية هي السائدة في مختلف الكنائس العربية، و لاسيما الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية المصرية، التي تكثر فيها الكتابات المدافعة عن السفر و عن رمزية السفر، و هذا عائد بدرجة كبيرة إلى التحديات التي يضعها الإسلاميون بشكل خاص.. و العلمانيون إلى حد ما اعتمادا على هذا السفر، فالكثير من الإسلاميين ينتقده بكثافة و شدة، و يعتبره سفرا إباحيا  و وثنيا، منطلقا في ذلك من موقعه كإسلامي في بيئة ثقافية يقترن فيها الجنس العيب و الكلام فيه بالتابو عند كل من فيها من مسلمين و مسيحيين بل و علمانيين، و معتمدا على ما في السفر من تعابير جسدية جنسية، ليستخدم هذا كذريعة للهجوم على الكتاب المقدس و على المسيحية معه، فيما يقدم بعض العلمانيين دراسات تاريخية نقدية لهذا السفر و سواه من المسائل الدينية لا تلتزم بالطبع بالمعايير الدينية السائدة عند أهلها، رغم أن كتّابها بدورهم ليسوا جميعا متحررين من الإرث التقليدي، و لذا نجد ممثلي الكنيسة القبطية يتصدون للإسلاميين.. بل و يهاجمون حتى العلمانيين الذي يقولون أن سفر النشيد هو سفر جنسي، كما حدث في تعاطيهم مع  كتب سيد القمني  كـ " الأسطورة والتراث " و " رب الزمان "، فيما نحا القمص زكريا بطرس نحو الهجوم المعاكس مستخدما في كثير من الأحيان نفس السلاح الجنسي في رده على الإسلاميين في برامجه على فضائيات "الحياة" و "الفادي" و في أعماله المكتوبة مثل " الاعتراضات على  سفر نشيد الأناشيد و الرد عليهـا" و غيرها.. ليتعرض بدوره إلى حملة واسعة من الردود الأعنف من قبل الإسلاميين، و للانتقاد من قبل الكنيسة القبطية نفسها وعلى لسان البابا شنودة نفسه.

  و عدا عن ذلك، نجد العديد من الكتب و الدراسات الحديثة لأعلام في الكنيسة القبطية تتناول سفر النشيد بنفس المنهج التأويلي الرمزي، ومنها "تأملات في سفر نشيد الأناشيد " للبابا شنودة الثالث، "تأملات في سفر نشيد الأناشيد " للأنبا يؤانس أسقف الغربية، "كتاب إسحق أو النفس - القديس أمبروسيوس " للقمص تادرس يعقوب ملطي، "تفسير سفر نشيد الإنشاد"  للقس أنطونيوس فكري، "تفسير سفر نشيد الإنشاد"  القمص تادرس يعقوب ملطي([61])، و غيرها..

 

    فيما نجد باحثين كالآباء بولس فغالي و عبدو رحال و بيتر حنّا مدروس، وغيرهم، يقدمون طرحا تفسيريا مختلفا للنشيد يجمع بين الحرفي و الرمزي، يتكامل فيه الحب الإلهي و الحب الزوجي، فالحب الإلهي بدأ بخلق الله للإنسان ثم استـُكمل بالحب الزوجي الطاهر بخلق الشريك الزوجي في الجنة، و النشيد يرسم لنا صورة هذا الحب المتكامل ، فيقول الأب فغالي: «نشيد الأناشيد هو أوّلاً نشيد حبّ بين العروس وعريسها، بين الزوجة وزوجها. وهي لعمري أرفع صورة على وجه الأرض. وهو ثانيًا نشيد حبّ الله لشعبه وحبّ الشعب لربّه... نشيد الأناشيد هو مثَل عن حبّ الله يجد صورته البشريّة في حبّ الرجل لامرأته، وصورته الإلهية في حبّ الله لشعبه» ([62]).

  فيما يقول الأب مدروس: «يذكّرنا "نشيد الأناشيد" منذ آياته الأولى بسفر التكوين أي بجمال الخلق وبقصّة البشريّة، بدأها الحب الأعظم وهو حبّ الله للإنسان ثمّ الحب الخالد الذي يربط الرجل بالمرأة. و نجد في نشيد الأناشيد الجنّة أي البستان أو الفردوس، وكأنه يعود بنا إلى الجنّة الأولى» ([63]).

  و في إعادة التأصيل هذه للعلاقة الزوجية المبنية على السفر ذي اللغة الغرامية الجنسية، نجد إعادة اعتبار لها في بعدها الجنسي،  فهي ليست في هذا السياق آثمة من حيث المبدأ و لا هي دنسة، و المشكلة ليست في الجنس نفسه، بل في الخطيئة التي شوهته مرتين، أولاهما حين أدخلت إليه الشهوانية و النزوة، فانحدرت به إلى الدرك البهيمي و أفقدته عمقه الإنساني كجزء من علاقة شاملة على مستوى الجسد و النفس و الروح، و ثانيهما حين عادت بناءً على ما فعلته هي به بتصويره دنسا من حيث الجوهر، و  جعلت الدنس في طبيعته و ليس عرضا لحقه بسببها.

  ورد الاعتبار هذا يقتضي بالطبع رد الاعتبار للمرأة، التي  فقدت عبر العصور التساوي مع الرجل و تحولت إلى تابع له، و هي في الأساس "نظيرة له"، و هذه المساواة نجدها جلية  في السفر، الذي تحاور فيها العروس عريسها، و تعامله و تعبر عن موقفها منه بندية تامة و بنفس الشكل الذي يفعله هو تجاهها، و في هذا الشأن يقول الأب عبدو رحال: «إن ما يلفت انتباهنا ويثير تعجّبنا لدى قراءة النشيد هو أنه في زمنٍ كانت فيه المرأة خادمة للرجل، نرى في هذه القصائد أن الواحد يحب الآخر على قدم المساواة، في نضارة حنان لا يتنافى مع المصاعب»([64]).

   في هذه القراءات، أعيد الجسد الإنساني أيضا إلى مكانته الأصلية الأصيلة، فهو «ليس للزنا بل للرب»، و لم تعد أعماله «زنا و فسقا و فجورا» (غل 5 :19)، و هو الآن «هيكل للروح القدس» (1كور  :19-13و في الزواج يتحد الرجل و المرأة كزوجين و «يصير الاثنان جسدا واحدا، فلا يكونان اثنين بل جسدا واحدا... » (مر10 :7-8)، و هذا يعيدنا إلى آية النشيد «أنا لحبيبي وحبيبي لي» (نش 6: 3)، و بهذا الاتحاد الذي يوحدهما هما فقط لا مكان لثالث معها، و إلا فسدت  وحدتهما، و هكذا يصيران معا هيكلا ربانيا قدسيا.

 

   طرح مشابه نجده عند الأب يوحنا قمبر و الأب لويس خليفة في كتابهما المشترك "نشيد الأناشيد- أجمل نشيد في الكون" ([65])، من حيث قراءة النص في إطاره البشري، لكن هذه القراءة لا تتعدى هذا الإطار بتاتا نحو أية دراما رمزية، لا بين يهوه و إسرائيل، و لا بين المسيح و الكنيسة، و لا بين الله و الإنسان.

 

    و برأي المؤلفين النص خال من أية دراما و أية رمزية ، فـ «السفر واضح و لا مجال  لتعقيده أو ترميزه، إنه نشيد الحب الجسدي، لا أكثر و لا أقل» ([66])، فهذا النشيد لا يصف إلا حبا غراميا جنسيا بين شاب و فتاة، و قد تهربت منه التفاسير الرمزية، لأنها تخاف الجنس و لا تحترمه، و تصمه بالسوء و التفاهة و النجاسة، فيما يتغنى النشيد بالحب الإنساني بجسديته و روحانيته معا، و يصف بأوصاف عشقية جنسية واضحة مباشرة جمال جسدي الحبيب و حبيبته، و نشوتهما في ممارسة الحب و في الوصال الحميم، و هو لا يتحرج من و صف مفاتن الجسد بمنتهى الجرأة لأنها لها دورها الأساسي في إثارة هذا الحب الطبيعي، الذي ينظر إليه النشيد بعين الله التي تراه حبا صالحا، فالله قد خلق الإنسان ذكرا و أنثى، و بلقائهما الجسدي يصبح الحب فعلا معاشا و يستمر النوع البشري، و ما هذا بحب حيواني، و لا هو إثم أو دنس، فهو جزء من الحب الإنساني الذي يجتمع و يتكامل فيه الحب الجسدي و الحب الروحي معا([67]).

   و من غير المعقول أن يلجأ مؤلف النشيد إلى أوصاف جسدية جريئة إلى هذه الدرجة، ليجعلها رموزا تدل على الله أو المسيح أو الكنيسة أو نفس المؤمن، أو إلى مثلها من التعابير الجنسية الصريحة ليرمز بها إلى المحبة السماوية([68]).

 

   إذا النشيد يتحدث بواقعية بسيطة عن حب عاشقين، و لا ذكر فيه لله، ولا للزواج  والإنجاب، و هذه قصة من تلك القصص التي لا تحصى، التي كانت و مازالت تحدث كل يوم في حياة الإنسان، و هذان الحبيبيان يحبان بعضهما البعض بعنف و صدق روحيا و جسديا، و هما يريدان عيش هذا الحب بكافة أبعاده، و لا يريان في ذلك أي حرج، فهو حب إنساني متحرر و غير مشروط ، و بريء بكل ما فيه من جسدية، و هو غاية و قانون نفسه، و لا قيود فيه إلا وحدة و وحدانية الحبيبين، ديمومة الحب، مساواة الرجل بالمرأة، و براءة الحب الجسدي.

  

   لكن مع ذلك فالنشيد ثنائي المعنى، و المعنى الأول فيه، و هو المباشر، هو الحوار بين حبيبين، يعبران عن حبهما، و يتوقان إلى اللقاء لعيش و ممارسة هذا الحب الإنساني، الذي لا يقتصر على الشهوة الجسدية المشروعة وحدها، بل يشمل معها كل الأحاسيس و العواطف الإنسانية ، و حركات العقل و القلب و الجسد.

    أما المعنى الثاني ففحواه أن الحب الجنسي الطبيعي، أو الإنساني، ليس غريبا عن الحب الإلهي السماوي، فالحب الجسدي هو قبس من حب الله، و تعبير إنساني عنه، و هو ملازم له، و من المفترض، وفقا لروحانية الكتاب المقدس أن يجسد هذا الحب الغرامي حب الله، فهما لا ينفصلان، و في هذا يتجلى جوهر لاهوت نشيد الإنشاد، الذي يمضي من الحب الجسدي إلى الحب الصوفي، و من الحب الإنساني إلى الحب الإلهي، فالحب الإلهي لا يتحقق بدون حب إنساني، و الحب الإنساني لا يتم ويكتمل بدون الحب الإلهي([69]).

 

   و النشيد برأي الأبوين يهدف إلى إضفاء الكرامة على الحب الجسدي،باعتباره قبسا إنسانيا و إلهيا ملازما بأخلاقيته للحب الإلهي، و بعيدا عن التهتك و الإباحية، كما يهدف إلى جعل الحب الجسدي طريقا مألوفا، من الطرق النسبية التي يمكن من خلالها أن نبلغ المطلق الإلهي و نختبر الحب الإلهي، و جوهر النشيد و أهم ما فيه هو الحنان، و ليس الحب الجسدي بحد ذاته، فـ «هو أغنية حنان لا يرتوي ولا يحد، حنان الإنسان على الإنسان، و حنان الإنسان على الله، تماما كما حب الله للإنسان هو حنان لا ينتهي» ([70])..

 

7- نظرة نقدية معاصرة:

 

    سلف الكلام عن أن سفر النشيد يـُرجع تاريخيا إلى القرن الخامس ق.م.، و لم يسجل أي اعتراض ضده قبل القرن الميلادي الأول، و بعد إقرار السفر بشكل نهائي، بدأت المساعي لتفسيره تفسيرا رمزيا للخروج من مأزق اللغة العشقية الجنسية التي يتحدث بها النص، و هذه المساعي لم تتوقف على مدى ألفي سنة، و مازالت مستمرة حتى اليوم عند الكثيرين من رجال الدين المسيحي و اليهودي، و مازال السفر يهاجـَم من قبل بعض أتباع الأديان و المعتقدات الأخرى بدعوى "الجنس"، و يدافـَع عنه بأنه "ليس جنس"، و كأن المهاجم و المدافع متفقان على إدانة الجنس و إعابته، و هنا يحق لنا أن نتساءل عما أنجزته كل هذه المساعي التأويلية للنص بعد كل هذا الجهد الحثيث و التاريخ المديد!  

 

   يقول الأب عبدو رحال: «انطلاقاً من نشيد الأناشيد كُتِبت نصوصٌ تعتمد القراءة التمثيلية وهي من أجمل ما كُتِب في الأدب الروحي المسيحي»، كما يقول «لقد كان لنشيد الأناشيد التأثير الكبير في عمق الحياة التصوفية المسيحية على مر تاريخ الكنيسة»([71])، و مما لاشك فيه أن هذه الظاهرة بكل ما فيها من غنى التجربة ما كانت لتتم لولا اعتمادها على التفسير التأويلي للنشيد، لكن هذه المساعي التأويلية ساهمت في الجهة المقابلة بتكريس النزعة الدونية للجنس في التربية المسيحية، و إحداث شرخ بذلك بين الدافع الجنسي و الرغبة في القداسة، وهذا ما يعتبره علم النفس المعاصر مبعثا لزعزعة الاستقرار الداخلي في الإنسان و التصالح مع الذات.

 

    لقد أمّن المنهج التأويلي في تفسير السفر على مدى قرون طويلة للكنيسة التوازن العقائدي، لكنه لم يوقف الجدل حول النشيد، و لم يمنع التعدد في التفاسير و تتابع التفسير، رغم أن كل التفاسير التأويلية تنطلق من أرضية واحدة و تعتمد منهجية واحدة، فهي تبحث عن الحقيقة في النص، بل تسقط عليه حقيقة مفترضة، و لا تمشي مع النص بحثا عن معناه، الذي يمكن للنص نفسه أن يقود البحث إليه، و هنا يمكن القول أننا أمام حالة "إسقاط استباقي" على السفر تضع فيه فكرة مسبقة، ثم تسوق النص باتجاهها، بكل ما يقتضي ذلك من عسف و حيلة و ابتكار، و قد سعى كل مؤوّل من موقعه الإيماني إلى تأويل النص تأويلا ينسجم مع معطيات المعتقد الذي يتبعه، فأوله اليهودي بما يناسب اليهودية.. و أوله المسيحي كما تقتضي المسيحية، و كانت التقاليد الإيمانية المتبعة في كلتا الديانتين هي الحاكم و الناظم  الأساسي، الذي يقرأ و يفهم  النص في سياقه، و هذا ما أفقد النص شخصيته الخاصة، و حوله إلى مجرد موضوع بيد المؤوّلين، حاله يشبه العجينة و الخبازين.. التي يخبزها كل منهم كما يرتئي.

 

   لقد هرب المفسرون التأويليون من معنى الحرف في السفر المقنن إلى باطن مزعوم، و لكن لغة النص لا يمكن تجاهلها، فمؤلف النص يستخدم لغة جنسية صريحة واضحة، و هذا يضعنا أمام الاحتمالات التالية لتفسير موقف كل من مؤلف السفر و المقنـِّن الذي أدرجه في الكتاب المقدس:

 

  الأول: هو أن المؤلف، الذي يعود إلى عصر سليمان، و هذا أمر لا دليل يثبته من الناحية التاريخية، يستخدم لغة مجازية–كما يقول المؤولون- و  يعبر من خلالها عن الحب السماوي بصيغة الحب الجنسي، و أنه فعل ذلك باستخدام أكثر أشكال الحب المعروفة عند الإنسان حميمية، إلا أن هذا يقتضي الاعتراف بأنه ما كان ليفعل ذلك لو كان ثمة أية نظرة سلبية لهذه العلاقة في زمانه تقرن الحب الجنسي بالنجاسة، فليس من المعقول أن يذهب المؤلف إلى التعبير عن المقدس بواسطة المنجس، و بما أن تقنين ( canonization) السفر تم بعد خمسة قرون تالية، على يد عزرا كما تقول المصادر اليهودية، فهذا يقتضي أيضا أن تكون مسألة المجازية والرمزية معروفة و متواترة، و أن السفر قنن على هذا الأسـاس، لكن ليس ثمة أي دليل على أن هذا ما كان عليه شأن السفر قبل و عند تقتنينه، فما تفيد به المعطيات التاريخية هو أن التفسير الرمزي للسفر ظهر هو الآخر بعد أكثر من خمسمائة سنة على تقنينه، وبعد أن قامت الاعتراضات على مصداقيته، التي ما كانت لتقوم يومها لو أن مجازية السفر كان متعارفا عليها سابقا، و لذا لابد من طرح السؤال عما يثبت فعليا المجازية أو الرمزية  في كلام المؤلف و ينفي الحرفية، أهو شيء داخل النص أم خارجه؟ فإن كان سند المجاز موجودا داخل النص، فأين هو، و كل ما في النص قابل بالكامل لأن يكون حديثا عن حب جنسي؟ و هذا لا ينطبق على الأسفار النبوية الأخرى التي تستخدم المجاز في وصف علاقة الله و شعبه كحال أسفار إشعيا، إرميا، حزقيال، و هوشع.

    هناك اختلاف جلي بين سفر النشيد، و  بين هذه الأسفار، ففيها تشبـّه إسرائيل في  بعض الفقرات بالعروس أو الزوجة، و يشبه يهوه بالزوج، و تلعب إسرائيل دور الزوجة الخائنة التي تخون زوجها و تزني مع الأغراب، و هذا كناية عن الارتداد إلى عبادة الأوثان، و عصيان يهوه، الذي يلعب دور الزوج الغيور، فيغضب من زوجته و يطلقها أو يعاقبها بشدة إلى حين، و لكنه يبقى دوما الزوج المحب الداعي زوجته للتوبة، الساعي لاستعادتها، و الواثق من نجاحه في هذا في نهاية الأمر، و هذا قاسم مشترك بين تلك الأسفار، و المجاز فيه واضح لا لبس فيه، و المعنى رغم مجازيته مباشر، و ليس بحاجة إلى تأويل و لا لافتراض وجود أي معنى متوار خلف المعنى المباشر.

    و عدا عن تشبيه إسرائيل بالزوجة الخائنة الزانية، و يهوه بالزوج الغيور الناقم، و هذه فقرات لا تشكل إلا أجزاء محدودة من تلك الأسفار، فليس ثمة أية تعابير غزلية أو أوصاف تشبيبية ، أو  إفصاح عن أشواق و رغبات و نوازع عشقية جنسية كحال النشيد، المستغرق كليا في هذه اللغة، و الذي تغيب عنه بدوره صفة الخيانة عن عروسه المؤنثة، التي تظهر بمظهر العاشقة الولهانة الوفية لمعشوقها، و المناظرة له في كل شيء، في علاقة مثلى يكرس فيها كل منهما نفسه كليا و حصريا للآخر.

    هنا في النشيد لا مجاز في المعنى المباشر ذي الطابع الأيروتيكي الواضح، و هذا ما اقتضى افتراض وجود معنى آخر متوار للخروج من حرج الغائية الجنسية للتعبير المباشر للسفر، و هذا حرج لا وجود له في الأسفار الأخرى، التي ليس فيها مثل هذه الغائية، و التعبير الجنسي الموجود فيها ليس هدفا بحد ذاته، بل هو مجرد وسيلة لتصوير قبح خيانة إسرائيل لربها.

   أما خارج النص في النشيد، فلن نجد من سند للمجاز إلا ثقافة التناقض بين المقدس و الجنس التي حملتها الأجيال اللاحقة، و التي نشأت فيها منهجية التأويل لتلافي الإحراج الجنسي الظاهر في حرفية النص، و هكذا يصبح احتمال وجود معنى باطني رمزي للسفر عند المؤلف مجرد افتراض واهي السند.  

 

   الثاني: ما تقدم ينفي أيضا إمكانية أن يكون عزرا قد قنن السفر باجتهاد خاص منه بمجازية معناه، و هنا سنجد أنفسنا أمام حقيقة أن عزرا قد قنن نصا إيروتيكيا، و لم يطرح أي تفسير مجازي لذلك، و هذا يفترض أيضا أن إدراج السفر في الكتاب المقدس رغم استخدام لغة الحب الجنسي فيه يعني أن هذه اللغة كانت مقبولة، و غير مبتذلة في أعراف بيئة المقنـِّن، و أن الكلام في هذا الشأن  كان غير محرم، و هذا يدل على أن الثقافة الجنسية في تلك البيئة، لم تكن تعيب الجنس و تقبحه، فاللغة و البيان لا ينفصلان عن الثقافة، التي لم تكن بدورها منفصلة عن الدين، فإذا وصلنا إلى هذه النتيجة بخصوص ثقافة بيئة الكاتب و لحظة التقنين، فهنا يمكننا أن نفترض أن المقنن قنن النص بفهمه الخاص له  كنشيد واقعي، لا تتعارض أو تتناقض فيه لغة الحب الجنسي مع المقدس، و أنه أدرجه في عداد أسفار الكتاب المقدس اعترافا بمكانة هذا الحب في الحياة الدينية، و ليجعله سفرا من أسفارها في كتاب الحياة الفعلية، لكن هذه تبقى مجرد افتراضات، فليس هناك أية شواهد تاريخية تدل على وجود مثل هذه النظرة إلى السفر في  كل من اللاهوتين اليهودي و المسيحي المقترنة برؤية إيجابية متعالية للعلاقة الجنسية، فعليا  العلاقة  قد شاب صورتها ما هو على العكس من ذلك، و لا يوجد ما يؤيد هذه الافتراضات ضمن نص السفر نفسه، فالنص بحد ذاته ليس فيه ما يتجاوز معناه المباشر كأنشودة عشق جنسية.

 

  الثالث: هو أن كلا من كتابة السفر و تقنينه تمتا بلامبالاة في ما يتعلق بتعارض كل من لغته و معناه مع المقدس الديني، فالكتاب المقدس الذي يروي العديد من قصص الجنس([72]) المعيبة، من زنى لوط بابنتيه، إلى زنى يهوذا بكنته ثامار، و داوود بـ بثشبع زوجة أوريا الحثي القائد العسكري في جيشه، و أمنون بن داوود بأخته ثامار، و سليمان الذي كان لديه سبعمائة زوجة و ثلاثمائة جارية، و الذي استمالته الوثنيات إلى عبادة ألهتهن في أواخر أيامه، وهلم جرى، لن يشكل وجود سفر غزلي جنسي إضافي فيه منسوب لسليمان كنشيد الإنشاد أي حرج خاص أمام هذه القصص الجنسية المباشرة التي لا تحتمل و لا تقبل التأويل، و هنا يمكن القول أن إدراج السفر في الكتاب المقدس يأخذ طابع التوثيق بشكل رئيس، حيث أدرجه عزرا في الكتاب المقدس بناء على فكرة شائعة تنسبه إلى سليمان، و كان هذا سببا كافيا للإدراج بغض النظر عن المحتوى.

 

   تعرضت الرؤية التأويلية للنشيد بشكل خاص، و للكتاب المقدس بشكل عام للكثير من النقد الفكري المعاصر، الذي وصل عند العديد من النقاد إلى درجة التهكم كما هو الحال في كتاب "التوراة، كتاب مقدس أم جمع من الأساطير" لـ ليو تاكسيل ([73])، الذي يقول في الصفحة 396 من كتابه هذا أن «ذوي الأفكار المتحررة لا يرون في هذا المؤلف الشهواني سوى أغنية عادية صيغت وفق ذوق ذلك العصر»، و يضيف في الصفحة التالية « بفضل هذه الخدعة الماكرة يقدمون نشيد الأناشيد إلى راهبات الأديرة كمادة للتفكير و تهدئة الدم الفائر... ».

 

    لكن صفة "شهوانية" ليست بالكلمة المناسبة لوصف هذا النشيد، فهو لا يتحدث فقط عن الجانب الرغبوي الحسي في العلاقة بين الحبيبين فيه، فهما حبيبان بكل معنى الكلمة، و بكل ما يتضمنه الحب من مضامين، و فيه يتكامل الوصف الجميل و الغزل المرهف و الرومانسية العالية و الإيروتيكا البعيدة عن التهتك و الفجاجة، كما تتدفق عواطف الحب الحارة الجياشة.. لتشكل مع بقية عناصر العشق الجنسي صورة متكاملة لعلاقة إنسانية حقيقية، تضع الإنسان في موقعه الصحيح في إنسانيته و طبيعته و علاقته مع الطبيعة.. التي تشكل في النشيد الحاضنة الحيوية الجميلة لقصة حب بطليه، التي لا تنفصل عن هذه القصة.

   و مما لاشك فيه أن وصم النشيد بالإباحية و المجون من قبل البعض، و هذا المسعى يمكن تسميته بـ "التأويل المضاد" هو افتراء مجحف، و إسقاط لصورة ممسوخة باطلة عليه، و هذا ناجم إما عن موقف عدواني مغرض مسبق، أو عن عقلية و نفسية متطرفتين متعصبتين و غير متوازنتين في إنسانيتها و لا متسالمتين معها، و هذا تعبير عن علاقة مريضة مع كل من الذات و الآخر.

 

    و يبقى أن نطرح السؤال، ماذا لو نجحت المساعي المطالبة بناء على حرفية النشيد بإزالته من الكتاب المقدس؟ هل كان السفر سيحفظ؟ أم كان سيندثر و هذا هو الأرجح مع ما هو متوقع من عدم الاكتفاء بحذف السفر من الكتاب، و ذهاب خصومه إلى حظره و منع تداوله كما حدث مع أسفار أخرى؟

  لقد أنقذ التأويل المجازي السفر، و حفظه للأجيال اللاحقة، و هو اليوم  يقرأ و يفسر و يستلهم بطرائق مختلفة و على نطاق واسع داخل و خارج الأطر التقليدية، و إن كان على الصعيد الديني الرسمي ما يزال سفرا مقدسا، و فهمه يتأثر عموما بالإرث و التقليد العقائدي، فهو يعتبر بالنسبة للمفكرين و الأدباء و الفنانين جزءا من التراث الإنساني الإبداعي في كل ما يحتمله من مباشرة و مجاز، و هو من قبلهم يفهم و يدرس في ضوء ما توصلت إليه العلوم المعاصرة و أساليب التفسير الحديثة، ليصبح مصدر إلهام لكثير من المبدعين، و مادة لكم كبير من الأعمال الفنية في الرسم و الشعر و الموسيقا و الغناء، و التأويل، و سواها...

    و في هذا السياق يقول الأديب توفيق الحكيم:

    "سحر هذا النشيد الأدباء و أهل الفنون على توالي العصور، و لعل أشهر من فتن به في العصور الحديثة رينان و أندريه جيد، فوضعه كل منهما في صيغة جديدة"([74]). 

 

   هذا "السحر" الذي يتمتع به نشيد الإنشاد لا يعود إلى محتواه الخاص فقط كنص غزلي جنسي، بل بنفس القدر إلى موقعه في كتاب مقدس، وهذا ما أعطاه أهمية استثنائية ما كان ليحظى بها لو كان نصا أدبيا و حسب، فهذه الخصوصية شكلت الأساس الذي قامت عليه التفاسير الرمزية، التي و إن تجاهلت المعنى المباشر للسفر فقد فتحت المجال واسعا لإعطائه معان رمزية تتجاوز البعد البشري في مباشرته، و هذه الرمزية اليوم لم تعد محصورة في إطار الكنيسة وحدها، بل تخطتها إلى العالم العـَلماني مع حفاظها على موقع النشيد كسفر كتابي و كنسي، فقراءة السفر فقط في إطار أدبي محض تجعله مجرد قصيدة غزلية جميلة لا تتميز عن غيرها من القصائد المشابهة إلا بقدمها التاريخي، و هذا يبقي النشيد على الأرض، و يبقي الحب الذي فيه في مستواه البشري، و يؤطره في حدود الواقع، أما قراءته في موقعه الديني، فهي التي تمنحه القدرة لتجاوز الواقع البشري الأرضي و الارتفاع في عوالم الرمز.

    و مما لا شك فيه، أن الرمزية الكنسية المعاصرة للسفر تختلف عن الرمزية العلمانية، و هي تندرج في إطار المساعي الكنسية المعاصرة لعصرنة اللاهوت و فهم الأسفار المقدسة فهماً يتناسب مع واقع العصر، و هذا ما يعزز التفسير الحديث المباشر للنشيد، و الاعتراف بالحب الجنسي الكائن فيه دون فصله عن الحب الإلهي، فيما تذهب الرمزية الكنسية باتجاه نصوص كانت في الماضي تفهم فهما حرفيا، لم يعد مقبولا في أيامنا، ساعية لتأوّلها تأويلا مجازيا مناسبا للعقل المعاصر..

   و هكذا يلعب التأويل بصفته وظيفة من وظائف العقل البشري الأساسية لعبته من جديد في تحقيق الانسجام بين العناصر المختلفة، و إعادة التوازن العقائدي لكل من الشخصية المتدينة و المؤسسة الدينية، و تقليص الفجوة بينهما و بين العقل العلمي الحديث و المجتمع العلماني المعاصر من ناحية، و  جسر الهوة بين العقل العلمي المنطقي المعاصر و الإرث البشري الأسطوري و الإيماني، مما يبقي هذا العقل في تواصل مع تاريخه الإنساني و يغني رصيده الإنساني من ناحية ثانية.  

 

*

 

   قائمة توضيحية لاختصارات  تسميات أسفار الكتاب المقدس المستخدمة في البحث (حسب الترتيب البروتستانتي)، مرتبة أبجديا:

 

1كور: رسالة القديس بولس الأولى إلى كورنثوس.

1مل: سفرالملوك الأول.

1يو: رسالة القديس يوحنا الأولى .

2تيم : رسالة القديس بولس الثانية إلى تيموثاوس.

2كور: رسالة القديس بولس الثانية إلى كورنثوس.

لاو: سفر اللاويين أو الأحبار.

أف: رسالة القديس بولس إلى أفسس.

تك: سفر التكوين .

روم: رسالة القديس بولس إلى روما.

عب: رسالة القديس بولس إلى العبرانيين.

غل: رسالة القديس بولس إلى غلاطية.

متى: إنجيل متى.

مر: إنجيل مرقس

نش: سفر نشيد الإنشاد.

هو: سفر هوشع.

يو: إنجيل يوحنا.

 

*


المحتويات:

 

مقدمة

 الفصل الأول: نشأة و تطور التأويلين اليهودي و المسيحي

  1- التأويل اليهودي

  2- التأويل المسيحي

 الفصل الثاني: تأويل نشيد الأناشيد

  1- نبذة عن السفر

  2- إشكالية السفر

  3- المواقف التاريخية من السفر

  4- التفاسير اليهودية

  5- التفاسير المسيحية

  6- التفاسير الحديثة

  7- نظرة نقدية معاصرة


قائمة توضيحية بتسميات أسفار الكتاب المقدس

 

 

*

سوريا- السويداء-شهبا

11-4-2017

     

 

 



[1] -الموسوعة البريطانية، النسخة  الرقمية : https://www.britannica.com/topic/myth

[2] - المرجع السابق.

[3] - د. عيد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين،" المعتزلة الأشاعرة، الاسماعيلية، القرامطة، النصيرية"، دار العلم للملايين، بيروت 1994، ص 756.

[4] - المرجع السابق، نفس الصفحة.

[5] - موقع  مكتبة برج المراقبة التابع لحركة شهود يهوه

 Watchtowe ONLINE LIBRARYhttp://wol.jw.org/en/wol/d/r1/lpe/2005442?q=philo&p=par

[6] - المرجع السابق

[8]-  د. عبد الرزاق أحمد قنديل، الأثر الإسلامي في الفكر الديني اليهودي،دار التراث بالقاهرة بالاشتراك مع مركز بحوث الشرق الأوسط، 1984م، ص 131.

https://en.wikipedia.org/wiki/Sephirot -[12] & https://ru.wikipedia.org/wiki/Сфирот

[13] - د. عرفان عبد الحميد فتاح ،"اليهودية، عرض تاريخي، و الحركات الحديثة في اليهودية"،دار البيارق و دار عمار ، عمـّان،1996، ط 1، ص 149.

[14] - د. عرفان عبد الحميد فتاح ،المرجع السابق، ص 163.

[15] - د. عرفان عبد الحميد فتاح ،المرجع السابق، ص 162.

[16] - جيل كيبل،" الحركات الأصولية المعاصرة في الديانات الثلاث"، ترجمة نصير مروة، دار قرطبة للنشر و التوثيق و الأبحاث، ليماسول-قبرص، 1992، ص169.

[17] - د. أسماء سليمان السويلم، الفرق اليهودية المعاصرة، قسم الدراسات  بكلية التربية بجامعة الملك  عبد العزيز، ص 229.

[18] - جيل كيبل،المرجع السابق، ص 189.

[19] - اعتـُمد في هذه الاقتباسات على نسخة "العهد الجديد"، المطبعة الكاثوليكية، بيروت،1969.

[20] - هذه الطائفة هي نفسها "طائفة النصارى"، التي عرفت بدرجة ما انتشارا في بلاد العرب، و عـُممت تسميتها لاحقا خطئاً ًعلى كل المسيحيين، و ما زال الكثير منا من العامة و المثقفين يستخدمن مصطلح "نصارى" بمعنى "مسيحيين". 

[21] - موقع "اللاهوت الدفاعي"، مسألة التأويل في الكنيسة قديماً.

[22] - الماركيونيون أو المارسيونيون ، نسبة إلى مؤسسها ماركيون (Marcion)، هي طائفة غنوصية ظهرت في القرن الثاني، و كانت ترفض الإرث اليهودي بكامله و تعتبره إرثا شيطانيا.

( فيليسيان شالي، موجز تاريخ الأديان، ترجمة حافظ الجمالي، دار طلاس، دمشق 1991، ط 1، ص231).

[23] - موقع "اللاهوت الدفاعي"، مسألة التأويل في الكنيسة قديماً.

[24] - د. عبد الرحمن بدوي، مرجع سابق، ص 757.

[25] - د. عبد الرحمن بدوي، مرجع سابق، ص 758.

[26] -  https://en.wikipedia.org/wiki/Docetism

[27] -Saint Mary's Press, The New American Bible, Brian Singer-Towns, 2005, Page 7.

        أو : http://www.vatican.va/archive/ENG0839/__P1.HTM

 

 

[28] - موقع الأنبا تكلا هيمانوت،  شرح كلمة نشيد الأناشيد

[29] - المرجع السابق.

[30] -  كالقس  الروسي المشهور ألكسندر مين (Alexander Men)، في الفقرة 20 من كتابه (Isagogika)، الموجود على موقع "مركز الكتاب المقدس" الروسي التالي :

 https://www.bible-center.ru/book/isagogika/002/003/000#chapter=isagogika~002~003~000

[33] -  هايدي حنا، الزواج في الكتاب المقدس، داوود.

[34] -  موقع الشهيد مارمينا، http://www.st-mina.com/dict/13/267.htm

[35] -  مجدي صادق،  منتدى أسرة البابا كيرلس السادس العلمية، توافق لوحة مرنبتاح مع الملوك الأول 9 : 16 يثبت أنه الفرعون المعاصر لسليمان

[36] - في ترجمات عربية أخرى للكتاب المقدس، ترد كلمة "سمراء" بدلا من "سوداء"، كـ (كتاب الحياة، ترجمة تفسيرية، جي.سي. سنتر، القاهرة، ط4، 1992)، أما الترجمات الإنكليزية، فترد في بعضها كلمة (black) و في الآخر (darckhttp://biblehub.com/songs/1-5.htm

[37] - استخدمت هنا، و ستستخدم لاحقا،  الترجمة العربية لنشيد الإنشاد، المعتمدة من قبل "موقع الأنبا تكلاهيمانوت التابع للكنيسة القبطية" على الموقع التالي": http://st-takla.org/pub_oldtest/22_song.html

[39] - في الإحالة إلإرجاعية إلى الكتاب المقدس، يذكر عادة اختصار يدل على السفر، مثلا (نشيد: نش،  تكوين : تك، وهلم جرى..)، ثم يذكر رقم الإصحاح (الجزء من السفر)، وبعده رقم الآية.

[40] - هناك العديد من الدراسات الأجنبية و بعض الدراسات العربية التي ترى أن كلمة "سرة" هي كناية عن " العضو الجنسي الأنثوي"، و عربيا نجد هذا في :

 - يوحنا قمبر ولويس خليفة "نشيد الإنشاد، أجمل نشيد في الكون"،  كلية اللاهوت الحبرية، جامعة الروح القدس، الكسليك، لبنان،1994، ص 68.

- القس ج.لود كار، نشيد الإنشاد، ترجمة إدوارد وديع عبد المسيح، دار الثقافة، القاهرة، 2001، ط1، ص 101.

 

[41] - عبده الرحال، مقالة "نشيد الإنشاد- قدس الأقداس"، موقع سلطانة الحبل بلا دنس.

[42] - موقع الأنبا تكلا هيمانوت، شرح الكتاب المقدس - القمص تادرس يعقوب، تفسير سفر نشيد الأنشاد - المقدمة

[43] -  Robert C. Newman, THE COUNCIL OF JAMNIA AND THE OLD TESTAMENT CANON,

http://www.ibri.org/RRs/RR013/13jamnia.html      

[44] -   Song of Songs,What does God want to teach us through this,

http://www.answering-islam.org/Andy/Songs/commentary.html      

[45] - موقع الأنبا تكلا هيمانوت، مرجع سابق.

[46] - موقع الأنبا تكلا هيمانوت، مرجع سابق.

[47] - عبده الرحال، مقالة "نشيد الإنشاد- قدس الأٌٌقداس"، موقع سلطانة الحبل بلا دنس.

[50] -  الأب عبده رحال، نشيد الأناشيد.. قدس أقداس الكتاب المقدس، موقع سلطانة الحبل بلا دنس

  https://en.wikipedia.org/wiki/Song_of_Songs -[51]  & https://ru.wikipedia.org/wiki/Песнь песней Соломона

[52] - نشيد الإنشاد للعلامة أوريجانوس، ترجمة حنا بسطا، كنيسة العذراء بالإسكندرية، عدد ظهور الصليب المجيد 17 سبتمبر 1976، ص 7.  

[53] -   موقع مكتبة الأنبا تكلا هيمانوت، كتاب إسحق أو النفس - القديس أمبروسيوس، القمص تادرس يعقوب ملطي

[55] - رياض قسيس، نشيد الأنشاد وثلاث طرق لتفسيره، موقع اللاهوت الدفاعي.

[56] -  الأب عبده رحال، نشيد الأناشيد.. قدس أقداس الكتاب المقدس، موقع سلطانة الحبل بلا دنس

[57] - Christine Christ-von Wedel, Erasmus of Rotterdam: Advocate of a New Christianity,University of Toronto Press, 2013,page 245.

 

[58] - مكتبة الأنبا تكلا هيمانوت، شرح نشيد الإنشاد- مقدمة، القمص تادرس يعقوب

[59] - Mark Giszczak,Was Theodore of Mopsuestia condemned for his views on the Song of Songs?, http://catholicbiblestudent.com/2011/01/was-theodore-of-mopsuestia-song-of-songs.html

[60] -  الأب عبده رحال، المرجع السابق.

[61] - موقع الأنبا تكلاهيمانوت، دراسات وتفاسير سفر نشيد الأنشاد

[62] - موقع مؤلفات و أعمال الخوري بولس فغلي،سفر نشيد الأناشيد

[64] -  الأب عبده رحال، المرجع السابق.

[65] -  يوحنا قمبر و لويس خليفة، نشيد الأناشيد- أجمل نشيد في الكون، كلية اللاهوت الحبرية- جامعة الروح القدس، الكسليك، لبنان، 1994.

[66] -  نفس المرجع ص 15.

[67] -  نفس المرجع ص 11.

[68] -  نفس المرجع ص 14-15.

[69] -  نفس المرجع ص 16.

[70] -  نفس المرجع ص 17.

[71] -  الأب عبده رحال، مرجع سابق.

[72] - جوناثان كيرتش، حكايا محرمة في التوراة، ترجمة نذير جزماتي،دار نينوى للدراسات و النشر، دمشق، 2005  

   و العنوان الحقيقي للكتاب هو "The Harlot By The Side Of The Road".

[73] - د. حسان ميخائيل إسحق، التوراة، كتاب مقدس أم جمع من الأساطير ، ترجمة  لكتاب : Léo Taxil, La Bible amusante pour les grands et les enfants

[74] - توفيق الحكيم ، نشيد الأناشيد، مكتبة الآداب و مطبعتها بالجماميز،1940م

 

 *

البحث منشور في مجلة "البحث منشور في

 "مجلة التأويلات- العدد الرابع"

التأويل في اللاهوت المسيحي: سفرنشيد الأناشيد نموذجا

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق