ما بعد العلمانية: خارطة إيضاحية
ديميتري أوزلانير
ترجمة رسلان عامر
في السنوات الأخيرة، وبالترافق مع حركات الربيع العربي وتداعياتها، كثر الحديث على الساحة العربية عن العلمانية، واشتد الجدل فيها بين أنصارها وخصومها، وفي الوقت الذي ما تزال فيه العلمانية لدينا تطرح من قبل أنصارها كحل، بات الحديث في الغرب -مهد العلمانية- يدور عن "ما بعد العلمانية" (postsecularism)، ما قد يبدو أنه حديث عن تراجع أو نهاية العلمانية هناك، ويجعل دعاة العلمانية العرب وكأنهم يطرحون حلا تجاوزه التاريخ أو ثبتت لاجدواه!
فما هي حقيقة المسألة؟
في هذه الدراسة يقدم الباحث الروسي المختص ديميتري أوزلانير (Дмитрий Узланер) شرحا واضحا لما يعنيه هذا المفهوم، ومع أننا قد نختلف مع الباحث قليلا أو كثيرا في العديد من الآراء التي يطرحها، إلا أن هذه الدراسة يمكن أن تكون مهمة للباحثين والمهتمين العرب، نظرا لندرة واقتضاب المنشور حول هذا الموضوع.
وفيما يخص المؤلف فهو من مواليد 21 يناير 1984، موسكو، الاتحاد السوفييتي السابق، عالم ديني وفيلسوف وعالم اجتماع وناشر روسي، وخبير في العمليات الدينية الحديثة، وتراجع العلمانية وما بعد العلمانية؛ مرشح (candidate) في الفلسفة، ومحاضر جامعي (docent)؛ رئيس تحرير المجلة العلمية "الدولة والدين والكنيسة في روسيا والخارج" (State, Religion and Church)؛ مدير مركز دراسة الدين في الأكاديمية الروسية للاقتصاد الوطني والإدارة العامة التابعة لرئاسة الاتحاد الروسي؛ وزميل باحث في مدرسة موسكو العليا للعلوم الاجتماعية والاقتصادية.
ومن الجدير ذكره أنه تم في متن الترجمة وضع المصطلحات الأجنبية العائدة إلى اللغة اللاتينية في أقواس مربعة [] وذلك ليسهل تمييزها على القارئ، وهي موجودة بهذه الصيغة في متن النص الروسي الأصلي، أما الكلمات أو الأسماء الموجودة في أقواس منحنية () فهي كلمات أو أسماء من اللغة الإنكليزية أو سواها من اللغات الغربية الحديثة.
-المترجم
*
من الصعب تحديد متى تم استخدام مصطلح "ما بعد العلمانية" لأول مرة في الأدبيات العلمية والاجتماعية والسياسية. يمكن القول فقط أنه في التسعينيات من القرن العشرين، بدأ بالظهور في الأعمال البحثية المكرسة لنقد النظرية والتطبيق الحديثين للعلمانية[1]. حازت "ما بعد العلمانية"على تركيز انتباه الفلاسفة السياسيين، وعلماء الاجتماع، ومن ثم وسائل الإعلام، إلى حد كبير بسبب الفيلسوف الألماني يورچن هابرماس (Jürgen Habermas)، الذي، كما يليق بالمفكر الحقيقي، "كان أول من شعر بالأهمية" وتحدث عن "حالة المجتمع ما بعد العلمانية" بعد الأحداث المأساوية لـ 11 سبتمبر، الأمر الذي فجّر، بحسب هابرماس، "العلاقة المتوترة بالفعل بين المجتمع العلماني والدين"[2].
بعد ذلك الاقتحام الفكري لهابرماس، ونتيجة له إلى حد كبير، حدث نمو شبيه بالسيل في الاهتمام بقضايا ما بعد العلمانية. في كل من الغرب[3] وروسيا[4]، واحدة تلو الأخرى، راحت تُنشر الدراسات والمقالات حول هذا الموضوع. تقدم محركات البحث على الإنترنت دليلًا بليغًا على ذلك: إذ أعطت ڠوڠل في عام 2004 بضعة آلاف فقط من الروابط لكلمة "Post-Secular " (ما بعد علماني)، أما في عام 2012 - فما يقرب من 70 مليونًا. ومع ذلك، فإن نمو الاهتمام وحتى الموضة الغريبة بما بعد العلمانية لا تشير بأي حال من الأحوال إلى أن المفهوم نفسه قد تم شرحه بالكامل، بل على العكس من ذلك، حتى في المنشورات العلمية[5]، ناهيك عن المقالات الصحفية، لا يذهب تصور ما بعد العلماني في كثير من الأحيان إلى أبعد من مجرد فكرة مجردة، وإن كان الحدس صحيحًا تمامًا: "كان هناك القليل من الدين من قبل، ولكن الآن هناك الكثير منه"، هذا هو السبب في أن محاولة تحديد النقاط الدلالية الرئيسة لإشكالية ما بعد العلمانية تبدو أكثر واقعية من أي وقت مضى بل وضرورية بشكل عاجل.
ما بعد العلمانية كواقع تجريبي جديد:
حتى وقت قريب، بين الباحثين، وتحت تأثيرهم في الفضاء العام، كانت الفكرة السائدة هي أن الدين والحداثة غير متوافقين[6]: كلما زاد أحدهما، قل الآخر، والعكس صحيح. العلمنة، أي "فقدان الدين لأهميته الاجتماعية"[7]، كان يُنظر إليها على أنها جزء لا يتجزأ من الحداثة بحد ذاتها. والواقع أن التحديث الراديكالي، المصحوب بالتوسع الحضري والتصنيع والتطور السريع للمعرفة العلمية والتحولات السياسية، كسر أسلوب الحياة التقليدي المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالدين. تم إعطاء هذا الأخير دور الرمز المحتضر للعصور الوسطى، والذي، بغض النظر عن الخير أو الشر، كان يجب استبداله ببديل علمي علماني.
ومع ذلك، في التسعينيات من القرن العشرين - وربما حتى قبل ذلك - مع فشل المشروع الإلحادي السوفيتي، وصعود الحركات الأصولية، وتطور أشكال التدين غير التقليدية، أصبح من الواضح أن الوضع قد تغير نوعياً. على وجه الخصوص، استوعب يورچن هابرماس المذكور أعلاه بحساسية شديدة الواقع الجديد، الذي لا يؤثر فقط على المجتمعات الإسلامية أو المسيحية الشرقية التي تعتبر غريبة بالنسبة لأوروبا، ولكن أيضًا على مهد العلمانية، أي أوروبا نفسها. لفت هابرماس الانتباه إلى عدد من الحقائق التي تتعارض جوهريًا مع الفكرة الأوروبية القائلة بأن الدين في العالم الحديث يلعب دورًا هامشيًا حصريًا، أكثرها وضوحًا هو أن وسائل الإعلام تقدم جزءًا مهمًا من الصراعات الحديثة على أنها دينية، والتي يمكن لأي أوروبي أن يستخلص منها استنتاجًا واضحا حول "مدى انتشار وعيه العلماني نسبيًا على نطاق عالمي". هذا يقوض الإيمان العلماني باختفاء الدين في المستقبل المنظور ويحرم مثل هذه الرؤية للعالم من الحمية والحماسة المنتصرة. علاوة على ذلك، تعمل الأديان على تقوية مواقعها داخل الدول القومية. وبحسب هابرماس، فإن "الكنائس والمنظمات الدينية تتولى بشكل متزايد دور"المجتمعات التأويلية" (interpretive communities) التي تؤثر على المجال العام في بيئة علمانية، حيث يمكنهما التأثير في تشكيل الرأي العام والإرادة العامة، والمساهمة في مناقشة الموضوعات الرئيسة، بغض النظر عن مدى قوة حججها"، أخيرًا، "الوجود المرئي للجماعات الدينية" الأجنبية "المفعمة بالحياة في البلدان الأوروبية «لا يؤكد فقط الفرضية القائلة بأن الدين ليس مهمشًا بأي حال من الأحوال، ولكنه أيضًا "يحفز الانتباه إلى الكنائس والجماعات الطائفية "الخاصة"، فجوار المسلمين يجبر إخوانهم المسيحيين بطريقة أو بأخرى على ربط أنشطتهم بممارسة دين "منافس"»[8].
تثير فكرة الانتصار الكامل للعلمنة المزيد والمزيد من الأسئلة والاعتراضات. صرح عالم الاجتماع الأمريكي پيتر بيرڠر (Peter Berger)، الذي كان سابقًا أحد أكثر المدافعين حماسة، في إحدى المقابلات التي أجراها نوعا ما مؤخرًا: «أعتقد أن ما كتبته أنا ومعظم علماء الاجتماع الدينيين الآخرين في الستينيات حول العلمنة كان خطأ. لقد انطلقنا من الاقتناع بأن العلمنة والحداثة تسيران جنبًا إلى جنب. كلما زاد التحديث، زادت العلمنة. لم تكن هذه نظرية مجنونة، حيث كانت هناك حقائق تدعمها. لكن في الأساس، أعتقد أنه كان خطأ. معظم العالم اليوم ليس علمانيًا. إنه متدين جدًا» [9].
ألا يزال هناك بعض الأحكام غير المغلوطة في نظرية العلمنة؟ حاول عالم الاجتماع الأمريكي خوسيه كازانوڤا (José Casanova) في كتابه "الأديان العامة في العالم الحديث"[10] تحديد ثلاثة معاني رئيسة تم استثمارها في مفهوم العلمنة، وتم الحديث عن: 1) فقدان الدين لأهميته الاجتماعية. 2) خصخصة الدين. 3) التمايز الاجتماعي وتحول الدين إلى أحد أنظمة المجتمع الفرعية، إلى جانب العديد من الأنظمة الأخرى. وفقًا لكازانوڤا، في الظروف الحديثة، يحتفظ مصطلح "العلمنة" بأهميته التجريبية فقط بالمعنى الثالث[11]، حيث يكفي مجرد متابعة الأخبار للفت الانتباه إلى الزيادة الملحوظة بشكل متزايد في الدور الاجتماعي للدين و"عودته إلى العمومية" النشطة بشكل متزايد، والتي يسيطر خلالها بشكل مشروع وناجح تمامًا على الفضاء العام، ما يساعد الحرية وحقوق الإنسان على عدم فقدان أهميتهما بعد أن "خرج التحديث عن مساره"[12]. على وجه التحديد، يوضح كازانوڤا بالضبط كيف ساعدت الأديان في تصميم الفضاء العام في بولندا، فضلاً عن تسهيل النقاش العام حول القيم الليبرالية في الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن طلال أسد (Talal Asad)، الذي ينتقد كازانوڤا، يشير بحق إلى أنه حتى بالمعنى الثالث، يمكن التشكيك في العلمنة، لأنه "إذا أصبح الدين جزءًا لا يتجزأ من السياسة الحديثة، فهذا يعني أنه لم يعد بإمكانه عدم الاكتراث بالمناقشات حول أي اقتصاد يجب أن يكون هناك، وما هي المشاريع البحثية التي يجب أن تحصل على التمويل، وما هي الأهداف الاستراتيجية لنظام التعليم الحكومي. يؤدي الاقتحام الشرعي للدين في هذه المناقشات إلى ظهور "الهجائن" الحديثة: لم يعد مبدأ التمايز البنيوي (structural differentiation)، الذي يتم بموجبه توطين الدين والاقتصاد والتعليم والعلم في مساحات اجتماعية مستقلة، صالحًا"[13]. وهكذا، تم دحض أطروحة العلمنة بكل المعاني الممكنة، ووجدنا أنفسنا في واقع تجريبي جديد تمامًا، لم يعد من الممكن وصفه بمساعدة المفاهيم السابقة. هذه هي الحقيقة التي يحاول مفهوم ما بعد العلمانية استيعابها.
غالبًا ما يثير التعزيز الملحوظ للأهمية الاجتماعية للدين مخاوف من "العصور الوسطى الجديدة" مع كل العواقب المترتبة على ذلك، مثل رفض انتصارات العصر الجديد وازدهار "الظلامية الدينية". تستند هذه المخاوف إلى الفكرة الشائعة إلى حد ما حول التناوب الدوري لفترات الإيمان وعدم الإيمان - "تذبذبات البندول"[14] من هيمنة الوعي الديني إلى هيمنة العلماني والعكس. هذا هو أساس مفهوم "إزالة العلمانية" (desecularization)، وهو قريب من "ما بعد العلمانية"[15]، وقد اقترحه في البداية پيتر پبيرڠر، ثم طوره ڤياتشيسلاف كاربوف (Вячеслав Карпов) نظريًا في مقالته "الأسس المفاهيمية لنظرية إزالة العلمنة".، ووفقًا لكاربوف، فإن «إزالة العلمنة هي عملية مضادة للعلمنة، يستعيد الدين خلالها تأثيره على المجتمع ككل، ردًا على عمليات العلمنة السابقة و/ أو العمليات المصاحبة لها»[16]. ومع ذلك، فإن الإشارة إلى "استعادة" وعكس العلمنة الواردة في مصطلح "إزالة العلمنة" تجعلها، من وجهة نظرنا، غير ناجحة تمامًا.
الواقع الجديد الذي يظهر أمام أعيننا ويطلق عليه "ما بعد العلمانية" لا يعني على الإطلاق العودة إلى عصر ما قبل الحداثة. إن ما بعد العلمانية، على عكس عدم العلمنة، تعني ضمناً مزيدًا من الحركة، وليس التأرجح العكسي للبندول. وهنا من الممكن تمامًا الاتفاق مع چريچور ماكلينان (Gregor McLennan)، الذي يعتقد أن البادئة "ما بعد" في كلمة "ما بعد علماني" يجب تفسيرها ليس بمعنى "ضد"(anti-) أو "خَلَف علماني" (after-secular)، بل بمعنى "علماني آكثر" (further-secular)[17]. لا تعني ما بعد العلمانية العودة إلى العصور الوسطى، كما يمكن أن يفهم في سياق الحديث، لأن وضعًا ما بعد علماني جديدًا ينشأ على الأساس الذي تم وضعه في سياق عمليات العلمنة التي استمرت لقرون، ونتائجها، تطوير المعرفة العلمية العلمانية، وتشكيل المؤسسات السياسية العلمانية، والقانون العلماني، وما إلى ذلك، من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تجاهلها[18]. أدت الديناميكيات الكاملة للحداثة، ولاسيما العلمنة نفسها، كجزء لا يتجزأ منها، إلى الواقع ما بعد العلماني مع يسمى بـ"هجائنه". لقد اتضح أن تلك ليست عملية تاريخية عالمية، وليست اتجاها عالميًا لا رجوع فيه، ولكنها مجرد مرحلة من مراحل تاريخ البشرية، والتي لها بدايتها ونهايتها.
وهكذا، فإن الأهمية الأولى والأكثر وضوحًا لما بعد العلمانية مرتبطة بدحض أطروحة العلمنة وتأسيس واقع تجريبي جديد، حيث لا يفقد الدين بأي حال أهميته الاجتماعية، بل على العكس من ذلك، يبدأ في لعب دور نشط في تطور العالم الحديث، صانعا "الهجونات" التي لم تدرس بعد بشكل كاف، أي التراكيب الهجينة (hybrids) من الديني والعلماني ، ولا يزال هذا الواقع الجديد بحاجة إلى وصف تفصيلي وتوثيق.
ما بعد العلمانية كموقف معياري جديد:
مع ذلك، في إطار النموذج ما بعد العلماني، يحاول العلم أيضًا الإجابة على السؤال المتعلق بالتبعات العملية التي ستترتب على الوضع الجديد على أداء المجتمع الحديث، الديمقراطي في المقام الأول. في هذا الصدد، قدم يورجن هابرماس مساهمة حاسمة في تطوير النموذج ما بعد العلماني. استمرارًا لخط الفكر الذي بدأه جون راولز (John Rawls)[19] في كتاباته حول "الاستخدام العام للعقل"، طرح هابرماس السؤال «كيف يجب أن نفهم دورنا كأعضاء في مجتمع ما بعد علماني، وماذا نتوقع من بعضنا البعض إذا أردنا، في دولنا القومية القوية تاريخياً، ضمان المعاملة الحضارية للمواطنين مع بعضهم البعض، على الرغم من التنوع غير المسبوق للثقافات ووجهات النظر الدينية للعالم؟»[20].
تنبثق صياغة السؤال هذه من المبادئ ذاتها لعمل دولة ديمقراطية دستورية حديثة. يلفت تشارلز تايلور (Charles Taylor) الانتباه إلى حقيقة أنه منذ القرن السابع عشر، تم استبدال المفاهيم الكـَوْنودينية (cosmo-religious) للنظام السياسي في أوروبا بفكرة أن المجتمع "يصعد من أسفل" ويوجد من أجل الحماية والمنفعة المتبادلة لأعضاء متساوين مع بعضهم البعض. تتطلب هذه المبادئ المعيارية المشاركة المتساوية لجميع أعضاء المجتمع في المناقشات حول القضايا ذات الأهمية العامة. يجب أن تنبع قوانين ومؤسسات مثل هذا المجتمع من الاتفاق والاقتناع بأن المجتمع ومستقبله ملك لجميع الأعضاء دون استثناء.
وهنا تبرز مشكلة التعددية في رؤيات العالم (world-views) لدى هؤلاء المواطنين، الذين، من الناحية المثالية، يجب أن يتوصلوا إلى اتفاق. لم تعد الإملاءات الأحادية لأية رؤية عالمية (على سبيل المثال، العلمانية) ممكنة، وذلك لسببين في آن واحد. لقد حددنا بالفعل الجانب المعياري: شرط المساواة بين المواطنين بغض النظر عن نظرتهم للعالم وتأسيس المجتمع الحديث على موافقة جميع أعضائه. ولكن هناك أيضًا جانب ثانٍ - معرفي، والذي نشأ بسبب خيبة الأمل في إمكانيات العلم ووجهات النظر العلمانية الرئيسة في الإجابة عن الأسئلة الأخلاقية العملية الرئيسة التي تهم الإنسان. يشرح خوسيه كازانوڤا الذي سبق ذكره حقيقة أن الأديان أصبحت أكثر نشاطًا في الفضاء العام من خلال المأزق الذي يقود التحديث العلماني إليه المجتمع. في معرض ترحيبه بظاهرة "الأديان الجماهيرية"، يلاحظ كازانوڤا أنها قادرة على القيام بدور إيجابي، على وجه الخصوص، لتصحيح بعض التجاوزات الخطيرة للحداثة، لأن «الدين خدم في كثير من الأحيان ولا يزال بمثابة حصن ضد "ديالكتيك التنوير" (dialectic of enlightenment)، ومدافع عن حقوق الإنسان والقيم الإنسانية ضد المجالات العلمانية ومطالباتها بالاستقلال الوظيفي الداخلي المطلق»[22]. يورجن هابرماس له تفسير مشابه: اهتمامه بالديانات - من نواحٍ عديدة وظيفي بحت - مرتبط تحديدًا بإدراك أن التقاليد الدينية يمكن أن تساعد "الحداثة المنحرفة"[23].
يفترض الموقف ما بعد العلماني، بحسب هابرماس، شروطًا جديدة للتفاعل بين الجماعات العلمانية والدينية، كل منها يعتمد على أساسه الفكري والثقافي والقيمي. في إطارهذه الظروف، يجب تطوير إجماع عادل، ومن أجل تحقيقه كل من الطرفين يجب أن يتحمل عبئًا متساويًا لضمان التواصل المثمر.
يحتاج الجانب العلماني إلى تهدئة حماسته وعدم الاعتراف فقط بحق المعارضين في الوجود الكامل والمشاركة في الحياة العامة والسياسية، ولكن أيضًا القبول بوجود بعض "المحتوى المعرفي" الحقيقي في الخطاب الديني، والذي يجب الاعتراف به وترجمته إلى لغة علمانية عامة، ثم استخدامه لتقوية أسس الدولة الديمقراطية الدستورية الحديثة.
يجب على الجانب الديني، بدوره، أولاً، أن يتصالح مع وجود الأديان ورؤى العالم الأخرى وأن يتخذ "موقفًا معرفيًا" تجاههم، أي إظهار الاستعداد لوضع هذه البدائل في الاعتبار، دون التشكيك طبعا في استثنائية تعاليم هذا الجانب الخاصة عن الخلاص. ثانيًا، يجب على المواطنين المتدينين تبني "موقف معرفي" تجاه صلابة المعرفة العلمانية والاحتكار الاجتماعي المُمَأسس للخبراء العلميين للمعرفة". هذا يعني الاعتراف بأن "عملية المعرفة المستقلة لا يمكن أن تتعارض مع المقولات ذات الصلة بالخلاص". ثالثا وأخيرًا، "يجب على المواطنين المتدينين أن يجدوا موقفًا معرفيًا تجاه الأولوية التي تتمتع بها القواعد العلمانية في الساحة السياسية أيضًا"[24]. إذا كان كلا الجانبين مستعدين لتحمل مثل هذا العبء، فإن المجتمع ما بعد العلماني سوف يتحول إلى شكل مستقر ومفيد للطرفين من حاملي وجهات النظر المختلفة إلى العالم.
آخر المتطلبات المطروحة على المواطنين المتدينين هو الأكثر إثارة للاهتمام: كونه عقلانيًا، يؤكد هابرماس بشكل لا لبس فيه على الأولوية المعرفية للنظرة العلمانية إلى العالم باعتبارها أكثر عقلانية، وأكثر عالمية، وبالتالي أكثر أهمية لتطور المجتمع. لن نتطرق الآن إلى مسألة مدى صحة موقف هابرماس هذا، بل سنلاحظ فقط أنه في هذه النقطة تتكشف النقاشات الأكثر نشاطًا بشأن المجتمع ما بعد العلماني: إذا كانت النظرة الدينية للعالم أقل أهمية من النظرة العلمانية، ولكن في نفس الوقت لا يزال بإمكان حامليها المشاركة في المناقشات العامة، فإلى أي مدى؟ بعبارة أخرى، أين يجب تثبيت المرشح بالضبط، ما يسمح للمحتوى الديني بالمرور أكثر فقط إذا تمت ترجمته إلى اللغة العالمية لوجهة النظر العلمانية التي يسهل الوصول إليها عمومًا؟ عند الدخول إلى فضاء عام؟ عند دخول مؤسسات دولة علمانية؟ عند دخول أنظمة دولة علمانية؟
لا يزال خط التفكير في ما بعد العلماني الذي وضعه هابرماس أحد الخطوط الرئيسة. من هنا ينشأ الخلاف المستمر بين "الشموليين" (inclusivists) و"الحصريين"(exclusivists)[25]، الذين يقترحون عرض طرق مختلفة لتنظيم الفضاء العام في موقف لا يمكن فيه لأي رؤية للعالم بعد الآن ، بناءً على الثقة في عقلانيتها الأكبر، أن تطالب بشكل افتراضي بالحق في "إملاء الخطاب الفردي".
وهكذا، في المعنى الثاني، ما بعد العلماني هو وضع معياري جديد يجعل من الممكن ضمان الوجود المستقر للمجتمعات الديمقراطية الحديثة في ظروف تعددية غير مسبوقة واستحالة إملاء خطاب فردي لأية رؤية أكثر عقلانية وبالتالي مميزة (على وجه الخصوص، وجهة نظر علمانية للعالم).
لكن هل الأمر بتلك البساطة، وما بعد العلمانية هي منظور جديد؟
إن تفسير ما بعد العلمانية في أعمال علماء اجتماع الدين والفلاسفة السياسيين، ولاسيما هابرماس نفسه، يمكن أن يخلق انطباعًا بأن ما بعد العلماني هو مفهوم بسيط للغاية، وجوهره هو الاعتراف بأن الإيمان الذي لم يتزعزع في السابق بالصلة التي لا تنفصم بين التحديث والعلمنة هو اعتقاد خاطئ، وبأن الدين ليس مهمّشًا، ولكنه على العكس، وإن كان بطريقة متناقضة، يستمر في التأثير بشكل كبير على حياة مجتمع حديث أصبح عالميًا الآن. وتتمثل المهمة الرئيسة لمثل هذا المجتمع بالتخلي عن الإملاء الأحادي للرؤية العلمانية للعالم وتطوير آليات عادلة للتفاعل بين المواطنين العلمانيين والدينيين، والتي لا تفرض "عبئًا غير متماثل" على أي من الجانبين وتتعامل بجدية مع المساهمة الهادفة التي يقدمها كل طرف.
ومع ذلك، فإن المفهوم البسيط والواضح لما بعد العلمانية يجب تعقيده إلى حد ما. الحقيقة هي أن النموذج ما بعد العلماني ليس مجرد إعلان للأطروحة حول تعزيز الأهمية الاجتماعية للدين، بل هو أيضًا منظور جديد يسمح للفرد بالنظر بشكل مختلف إلى الثنائية الدينية / العلمانية نفسها[26]، وكذلك إلى أيديولوجية وممارسة العلمانية. وبالفعل، فإن مصطلح "ما بعد علماني"، على عكس "إزالة العلماني"، يحتوي على إشارة إلى تطوير العلماني وتجاوزه، وتخطي حدوده. وإذا أخذنا في الاعتبار أن العلماني يُعرَّف في أغلب الأحيان على أنه شيء مخالف للدين، فإن ما بعد العلماني يعني أيضًا تجاوز للدين، ودخول الفضاء ما بعد الديني.
هناك فكرة عامة، ومن وجهة نظر الفطرة السليمة، فكرة منطقية تمامًا، والتي بموجبها يكون الديني والعلماني قطبين أبديين ومتعاكسين، يحلان محل بعضهما البعض على التوالي في مراحل مختلفة من العملية التاريخية. وبناءً على ذلك، يُنظر إلى العصور الوسطى على أنها فترة سيطرة للمبدأ الديني على العلماني، وفي العصر الحديث، على العكس من ذلك، يتولى المبدأ العلماني دفة القيادة، وفي عصرنا، حيث تتباطأ العلمنة بل وتزاح، هناك تحول آخر في التركيز على المبدأ الديني. يتضمن نموذج ما بعد العلماني إعادة التفكير في هذا الاعتقاد الشائع. واحدة من أكثر أطروحاته تناقضًا وإثارة للاهتمام هي أنه لا يوجد ديني وعلماني بحد ذاته. هذه ليست ثوابتا عابرة للتاريخ، ولكنها أشكال نشأت في التاريخ ببدايتها ونهايتها. الدين، الذي تزخر بتعريفاته كتب الدراسات الدينية المدرسية الحديثة، ليس جوهرًا أبديًا، ولكنه ثمرة عمليات تاريخية محددة تمامًا تم اختراعه وبنائه من خلالها. ومن المفارقات، أن هذا يحدث بالضبط عندما، وفقًا للتصورالتقليدي، تبدأ في أن تحل محله بداية علمانية متزايدة باستمرار، أي في العصر الحديث، لذلك دعونا نأخذ كلمة "دين" بين علامتي اقتباس ونفهم من خلالها البناء ذاته الذي يبدو اليوم أنه الوحيد الممكن، ولكنه في الواقع نشأ فقط في العصر الحديث. يظهر "الدين" كنتيجة للعلمنة، ونهاية العلمنة، للمفارقة، تعني اختفاء "الدين"، وانغماسه في غور التاريخ.
ما المقصود بالفرضية المتناقضة القائلة بأن الدين لا يظهر إلا في العصر الحديث[27]؟ هل يمكن القول بأنه لم يكن هناك دين من قبل؟
بادئ ذي بدء، نلاحظ أن الدين "بصورة مطلقة" غير موجود على الإطلاق: لقد فهمت المجتمعات المختلفة في فترات تاريخية مختلفة حقائق مختلفة تحت كلمات [religio] أو "religion"، اعتمادًا على ما كان يعتبر ذا قيمة هناك، وما يجب تحديده، إذا جاز التعبير، كـ "منسوب إلى القيمة"، باستخدام لغة الكانطيون الجدد. إن التفكير بطريقة أخرى يعني، وفقًا لأفلاطون، افتراض وجود أفكار ثابتة، وعلى وجه الخصوص، فكرة "الدين"، والتي هي النموذج الأولي للعديد من الأديان الواقعية التي كانت موجودة ولا تزال موجودة في التاريخ.
عُرفت كلمة "religio"[28] منذ العصور القديمة، وكانت تعني في تلك الأيام فضيلة خاصة تتمثل في "إعطاء شيء ما أو شخص ما كل ما هو له". لذلك، ربما تكون الترجمة الصحيحة لـreligio ليست "الدين" بل "التدين". في العصور القديمة، كان من الممكن ممارسة فضيلة "الموقف المناسب" هذه في ما يتعلق بمجموعة متنوعة من الأشياء: المحكمة، والقانون، والآباء، والآلهة، والعادات، وما إلى ذلك. مع بداية العصر المسيحي، تم تعديل معناها إلى حد ما: يشير أوغسطينوس في كتابه "مدينة الله"[29] إلى أنه يجب فهم الديني على أنه "موقف مناسب" ليس تجاه أي شيء، ولكن بشكل حصري تجاه الله الأعلى الواحد. استمر هذا الفهم للدين حتى بداية العصر الحديث، وقد أوضحه بشكل خاص توما الأكويني في "الخلاصة اللاهوتية". في وقت لاحق، يتراجع الدين كفضيلة إلى الخلف، وبالأدق، مع كل خطاب الفضائل[30]. لكن هذا يحدث، وفقًا لإرنست فيل (Ernst Feil)، في موعد لا يتجاوز منتصف القرن السادس عشر: «أجد حتى منتصف القرن السادس عشر <...> التزامًا قويًا بشكل ملحوظ بالمفهوم الروماني الكلاسيكي للدين <…> يشير الدين إلى القيام الدقيق والمفعم بالتوقير بكل ما يدين به الشخص لله أو للآلهة»[31].
على هذا يمكن الاعتراض بأننا لا نتحدث عن كلمة "دين"، والتي يمكن أن تعني حقًا أشياء مختلفة في عصور مختلفة، ولكن عن كيان عابر للتاريخ موجود في أي مجتمع، وإن كان تحت أسماء مختلفة. دعونا نحاول الإجابة على هذا الاعتراض أيضًا. بادئ ذي بدء، نلاحظ أن الجوهر نفسه لا يُدرك إلا من خلال الكلمات واللغة، إنه، كما تعلمون، "بيت الوجود"، وما لا يوجد في اللغة لا يوجد في الواقع.
ما هو "الدين" بالمعنى الحديث، الذي يُدعي أنه يُفهم جوهره العابر للتاريخ؟ أولا، يمتلك "الدين" كمفهوم عام عددًا من السمات المميزة، سواء كان ذلك "الإيمان بما هو فوق الطبيعي" أو "الارتباط بالمتعالي"، وبالتالي فقد عرف التاريخ تجسيدات مختلفة لهذه السمات العامة. ثانيًا، "الدين" هو نوع خاص من النظرة إلى العالم، ونوع خاص من المعتقدات، وأحكام حول الله وبنية العالم. ثالثا، "الدين" هو أيضًا شعور داخلي معين، دافع داخلي مخفي في أعماق روح الشخص. رابعا وأخيرًا، "الدين" هو نظام فرعي خاص للمجتمع مرتبط بخلاص الروح وعبادة الله، ويختلف عن السياسة والاقتصاد والقانون وما إلى ذلك.
وهنا يجب ملاحظة ما يلي على الفور: لم تعرف حقبة واحدة ولا ثقافة واحدة "الدين" في أي من المعاني المذكورة أعلاه. دعونا نقارن، على سبيل المثال، الوضع الأوروبي الحديث مع الوضع في العصور الوسطى[32]. أولاً، في العصور الوسطى لم تكن الـreligio مفهومًا عامًا عالميًا، ولم تكن المسيحية نوعًا خاصًا منه. في العصور الوسطى، كان هناك دين حقيقي واحد، جوهره هو عبادة الله الآب والله الابن والله الروح القدس. جميع الأديان الأخرى، إذا تم تطبيق كلمة "religio" عليها بشكل عام، تعتبر خاطئة. في العصر الحديث، يتغير الوضع، طبعا. على سبيل المثال، يذكر إيمانويل كانط في عمله "الدين في حدود العقل فقط" صراحةً أن هناك "دينًا واحدًا (حقيقيًا)، ولكن يمكن أن يكون هناك أنواع مختلفة من الإيمان"[33]. هذا الموقف يتم اليوم تقديمه في جميع كتب الدراسات الدينية المدرسية تقريبًا. ثانيًا، لم تكن الـreligio رؤية للعالم أو حكمًا أو نظامًا عقائديًا. في العصور الوسطى، كان الـreligio يُفهم على أنه فضيلة، أو طبيعة الفرد الذي رفع أفعاله إلى مستوى المشاركة في حياة الثالوث. يكتب توما الأكويني عن هذا بالتفصيل في "الخلاصة اللاهوتية"، الفضيلة هي تعريفه الرئيس الواضح والصريح للـreligio[34]، على الرغم من أنه يستخدم هذا المفهوم أحيانًا بمعانٍ أخرى. لم يكن الدين نظرة إلى العالم، ناهيك عن نوع من "الإيمان بما هو خارق للطبيعة". ينشأ هذا الفهم لاحقًا، وفقًا لـ دبليو. سي. سميث (Wilfred Cantwell Smith)، بحلول القرن السابع عشر، عندما تصبح الأسئلة الرئيسة أسئلة في الإبستيمولوجيا، أي نظرية المعرفة: عندها يتم التعامل مع "الدين" في المقام الأول على أنه مجموعة من الأفكار التي يجب تحليلها بناءً على مدى صحتها من وجهة نظر العقل. وفقًا لسميث، من الآن فصاعدًا، في تعريف الدين، ليس المفتاح هو ماهية "الدين"، ولكن ما "يعلّمه الدين"[35]. هذا الفهم للدين هو الذي تم تسجيله في نظريات التنوير، وكذلك، على سبيل المثال، في الماركسية السوفيتية، التي اعتبرت أن السمة الأساسية للدين هي "الإيمان بما هو فوق الطبيعي" وانتقدت هذا الاعتقاد من وجهة نظر العقل. ثالثًا، لم يكن الـreligio دافعًا داخليًا محضًا مخفيًا في أعماق الروح البشرية. الـreligio في العصور الوسطى هو مجموعة من المهارات التي أصبحت "طبيعة ثانية" من خلال التمرين المنتظم للعقل والجسد. والكنيسة ليست مجرد مؤسسة إرشادية، بل هي آلة قوية تنقل الشخص من حالة إلى أخرى باستخدام أوسع نطاق من الإجراءات التأديبية: من الإرشاد إلى عقوبة الإعدام كإجراء جذري، وفي ذلك تستخدم موارد السلطات الدنيوية. في وقت لاحق ظهر "دين المشاعر" عند فريدريش شلايرماخر(Friedrich Schleiermacher)، وقد وصل إلى ذروته في الخطاب الشائع الآن حول "الروحانية". أخيرًا، لم يكن الـ"religio" نظامًا فرعيًا محددًا للمجتمع مرتبطًا بخلاص الروح وعبادة الله. هذا هو الأكثر وضوحًا، نظرًا لأن تمايز المجتمع إلى أنظمة فرعية مختلفة تسترشد بمنطقها الخاص وقيمها الخاصة (المزيد حول هذا أدناه) هو وفقًا لمنظري التحديث الرئيسين (ماكس ڤيبر (Max Weber)، يورجن هابرماس، تالكوت بارسونز(Talcott Parsons))، السمة الرئيسية للمجتمع الحديث. لم تعرف العصور الوسطى ولا العصور القديمة مثل هذا التمايز[36]. هل من الممكن عزل "الدين" عن العالم المسيحي في العصور الوسطى كمجال منفصل، متميز عن السياسة أو الاقتصاد؟
تشير النقطة الأخيرة إلى تغيير رئيس أدى، في الواقع، إلى ظهور "الدين" الحديث: تحول الدين من أمر شامل ومتغلغل إلى واحد من أنظمة المجتمع الفرعية التي لا ينبغي أن تتدخل في السياسة والاقتصاد، كما تشير إلى تحول الدين إلى شأن شخصي حميمي تقريبًا. في هذا الفصل يتم في الواقع فعل بناء وخلق "الدين" على أعتاب العصر الحديث. كتب سبينوزا في رسالته "التعريف يعني النفي": «من أجل تحديد شيء ما، من الضروري تحديد حدوده، توضيح أين ينتهي وأين يبدأ وما لا يشكله بحذاته». كان تأسيس حدود "الدين" بالتحديد هو ما بدؤوه بالضبط في بداية العصر الجديد.
من أكثر الشخصيات البارزة في هذا الصدد جون لوك (John Locke)، الذي تولى في الواقع مهمة فصل "الدين" عما هو ليس دين. كان لوك مدفوعًا بدوافع نبيلة: لقد أراد التسامح والحرية الدينية، ولكن باسم هذا الهدف كان عليه تحديد الدين بصرامة، ووضع حدوده في الاهتمام بـ "الحياة الآخروية" و"خلاص الروح"[37]. ومع ذلك، فإن المسائل المتعلقة "بالأمور المدنية" و"شؤون الحياة"، بحسب لوك، يجب نقلها إلى مجال اختصاص السلطات العلمانية. فكرة لوك مفهومة تمامًا: لضمان الحرية الدينية والتسامح، من الضروري تقييد نطاق مسؤولية الدين بشكل صارم، وإلا فسيتم في الحالة المعاكسة إعلان كل شيء عملا من أعماله، وأي اصطدام مع نشاط هذه الجماعة أو تلك سيتم اعتباره على أنه انتهاك للحرية الدينية المتوقعة[38]، (ولهذا لم يكن لوك مستعدًا لتوسيع مبدأ التسامح الديني ليشمل البابويين، أي الكاثوليك الذين لم يعترفوا بحدود الدين التي حددها).
في الأدبيات الاجتماعية، يتم وصف عملية اختراع "الدين" عادةً باستخدام أطروحة التمايز الاجتماعي. جوهر هذا المفهوم بسيط. بالمعنى الأكثر عمومية، التمايز هو عملية تعقيد للمجتمع من خلال تخصصه: كل وظيفة تبدأ مؤسسة منفصلة في أن تكون مسؤولة عنها[39]. كما يشرح كاريل دوبليري (Karel Dobbelaere)، نتيجة للتحديث، يتم تمييز المجتمع وفقًا للخطوط الوظيفية، وتتطور النظم الفرعية الوظيفية المقابلة (الاقتصاد، السياسة، العلم، الأسرة، إلخ). يعمل كل نظام فرعي على أساس العنصر الوسيط الخاص به (المال، السلطة، الحقيقة، الحب)، وكذلك على أساس قيمه وقواعده الخاصة (النجاح، فصل السلطات، الوثوقية والموثوقية، الأهمية القصوى للحب، إلخ)[40]. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذا التمايز التجسيد الوحيد الممكن لجوهر الاقتصاد والسياسة والقانون والعلم، وأخيراً الدين. إن ظهور "الهجائن" ما بعد العلمانية يسلط الضوء فقط على التاريخية والزمانية والضعف في نهاية المطاف لهذا التمايز.
ما ينطبق على "الديني" ينطبق أيضًا على الجزء الثاني من الانقسام الثنائي (dichotomy)، أي العلماني[41]. لم يكن العلماني بالمعنى الحديث موجودًا قبل العصر الحديث. العلماني، مثل "الديني"، يمكن أن يظهر فقط كنتيجة لعملية طويلة من التحولات التاريخية والجهود المبذولة لتكوينه (في المقام الأول بسبب عدد من التعارضات: عقلانية / غير عقلانية؛ عقل / مشاعر؛ معرفة / إيمان؛ نور/ ظلام؛ تقدم / تراجع؛ طبيعي / خارق للطبيعة؛ ذكوري / أنوثي؛ شجاعة / جبن؛ حرية / عبودية؛ من هذا العالم / من عالم آخر، الجزء الأول منه يشير إلى العلماني، والثاني إلى الديني). اسمحوا لي أن أقتبس من هايدغر:
..» يمكن تفسير بعض ظواهر العصر الجديد على أنها علمنة للمسيحية، ولكن في الواقع، كل الحديث عن العلمنة هو تفكير قاصر مضلل، لأن العلمنة هي ردة (apostasy) تفترِض مسبقًا عالماً ستنتقل إليه هذه الردة وتدخل فيه. لكن بيت القصيد هو أن العصر [saeculum]، هذا العالم، الذي يتم من خلاله تحقيق الردة من خلال العلمنة سيئة السمعة، لا يوجد بمفرده ولا يظهر بمفرده عندما نغادر العالم المسيحي«[42].
بدلاً من المحاولات المضللة للتفكير من منظور نوع من الانقسام الثنائي العالمي إلى "ديني / علماني"، يقترح النموذج ما بعد العلماني فهم الانتقال من العصور الوسطى الدينية إلى العصر الحديث العلماني، وأخيراً، إلى ما بعد العلمانية الحالية كتغيير متسلسل للأنظمة المعرفية (epistemes) المختلفة مع ما يخصها من "القواعد اللغوية للمفاهيم" وما يتعلق بها من "أشكال الحياة" المختلفة. هذه الأنظمة المعرفية، بالطبع، مترابطة داخليًا، لكن هذا لا يلغي الفجوة النوعية التي تحدث في الانتقال من واحدة إلى أخرى.
بالنسبة للعصور الوسطى، هنا، باستخدام لغة علم اجتماع الدين، يجدر الحديث ليس عن "العصر الذهبي" للتدين أو عن عصر الكنيسة الكلية والتقوى، بل عن "عصر النظام الاجتماعي المنظم بالمتطلبات الدينية"[43]. من الواضح أن الانقسام إلى ديني وعلماني كقطبين متعارضين يجب أن يكون موضع تساؤل. في العصور الوسطى، كان كل شيء دينيًا لدرجة أنه حتى الانقسام إلى علماني وديني تم تصوره في إطار الصورة ذات المركزية الألوهية للعالم. اسمحوا لي أن أقدم اقتباسًا موسعا من الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور، يتأمل في نظرية القرون الوسطى والتحولات التي تمر بها أثناء الانتقال إلى العصر الحديث:
«دعونا نحلل بعض سمات "العلماني" كمقولة تم تطويرها في إطار المسيحية اللاتينية. في البداية كان جزءًا من ثنائية. كان على العلماني أن يتعامل مع "العصر" – أي مع الوقت الدنيوي (profane) - على عكس ما كان عليه الزمن الأبدي أو المقدس. كان يُنظر إلى بعض الفترات والأفراد والمؤسسات والأفعال على أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالوقت المقدس، أو العلواني، في حين أن البعض الآخر - على أنه يتعلق فقط بالوقت الدنيوي. هذا هو السبب في أنه يمكن التعبير عن انقسام مماثل من خلال استخدام الثنائية "روحي / زمني" (على سبيل المثال، الدولة كأداة للكنيسة في الفضاء الدنيوي). وهكذا، اعتبر كهنة الرعية العاديون "علمانيين" لأنهم عملوا خلال "العصر"، على عكس الكهنة "النظاميون" الذين كانوا في رهبنة، والذين عاشوا وفقًا لقواعد نظامهم الرهباني.
بناءً على ذلك، نحصل على أبسط تعريف لـ "العلمنة"، الذي ظهر في عصر الإصلاح ويعني أنه تم إخراج بعض الوظائف أو الممتلكات أو المؤسسات من سيطرة الكنيسة ونقلها إلى العلمانيين (laymen).
نُفِّذت مثل هذه التحولات في الأصل داخل نظام كان متماسكًا بفعل ثنائية شاملة؛ تنتقل الأشياء من مساحة إلى أخرى داخل نظام إحداثيات محدد. مع الحفاظ على هذا الفهم لـ "العلماني"، تتحول العلمنة إلى عملية عادية نسبيًا، يمكن مقارنتها بإعادة ترتيب الأثاث في غرفة، حيث تظل نقاط دعمها الرئيسة دون تغيير.
ومع ذلك، بدءًا من القرن السابع عشر، ظهر ترتيب (configuration) جديد، مفهوم جديد للحياة الاجتماعية، حيث يستنفد "العلماني" كل ما هو موجود. ونظرًا لأن "العلماني" كان يشير في البداية إلى الوقت الدنيوي أو اليومي بدلاً من الوقت الأعلى، كان من الضروري إيجاد مثل هذا الفهم للدنيوي، والذي لن يتطلب أي إشارة إليه. لذا استمر استخدام الكلمة وكأن شيئًا لم يحدث، لكن معناها خضع لتغيير جذري - تم تغيير القطب المقابل تمامًا. من الآن فصاعدًا، لم تتماشَ المعارضة مع خط البعد الزمني، حيث كان للمؤسسات "الروحية" مكانتها الخاصة. أصبح العلماني بمعناه الجديد غير متوافق مع أي ادعاءات حول هذا العالم ومصالحه المطروحة باسم شيء متعال. من الواضح أن أولئك الذين شاركوا الفهم الجديد لـ "العلماني" اعتبروا أن مثل هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، وأن النظرة الدينية للعالم نفسها تستحق الحق في الوجود فقط طالما أنها لا تتحدى مصالح السلطات الدنيوية والصالح الإنساني الدنيوي».
وهكذا، فإن الانتقال من العصور الوسطى الدينية إلى العصر الجديد العلماني ليس مجرد تأرجح في البندول من القطب الديني إلى العلماني، بل هو تحول في الترتيب بأكمله، ما يعني تغييرًا في جميع نقاط الأساس المعتادة، التي يوضح طلال الأسد بعض جوانبها: []
«في عملية العلمنة، يحدث انعكاس أيديولوجي ملحوظ<…>. في البداية، كان "العلماني" [saeculum] جزءًا من الخطاب اللاهوتي. العلمنة [saecularizatio] كانت تعني الانتقال المشروع من الحياة الرهبانية (النظامية) [regularis] إلى الحياة المُجازة (أي التي تتبع قوانين الكنيسة المسيحية-المترجم) [saecularis]، بعد الإصلاح الديني (Reformation)، بدأ يُفهم على أنها نقل ملكية الكنيسة إلى أيدي العلمانيين، أي "تحريرها" وتحويلها إلى أيادٍ خاصة، وبالتالي إلى أعمال تجارية. في الخطاب الحديث، يقدم "العلماني" نفسه على أنه الأساس الذي يولد منه الخطاب اللاهوتي (كشكل من أشكال الوعي الزائف) الذي ينعتق منه هذا الأساس تدريجياً في حركته نحو الحرية[45]».
لا يعني الانتقال إلى حالة ما بعد العلمانية مجرد "تأرجح آخر في البندول"، ولكن على وجه التحديد تحول جديد في التشكيل الموصوف، بل في أنظمة الإحداثيات الأساسية. على وجه الخصوص، يتم اختراق الحدود الواضحة بين الديني والعلماني، والتي تم تأسيسها داخل النموذج العلماني. "الدين" لا يعود، "الدين" على العكس يختفي، إذا كنا نعني به ما تم قبوله منذ بداية العصر الحديث. إن أبرز مثال على مثل هذا التحول يظهر في الإسلام المعاصر، الذي لا يعترف بشكل قاطع بالحدود التي تم وضعها في العصر الحديث، كما يلاحظ ألكسندر كيرليجيف (Александр Кырлежев):
«يظهر الإسلام السياسي على الصعيدين الوطني والعالمي، وهو يدمر العقيدة الرئيسة للعلمانية: الدين خارج السياسة، وكذلك خارج القطاعات المستقلة الأخرى في الكل الاجتماعي الثقافي المتمايز. تتطلع أيديولوجية الإسلاموية (islamism) إلى العالمية، وبالتالي إلى ذروة أهمية الديني. قد تكون: دولة إسلامية، حزب إسلامي، حقوق إسلامية (بما في ذلك فهم خاص لحقوق الإنسان: انظر إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام لعام 1990)، ثقافة إسلامية، وحتى اقتصاد إسلامي»[46].
لا يكرر التشكيل الجديد لما بعد العلماني بأي حال من الأحوال حالة العصور الوسطى، إنه بالتحديد وضع جديد يتم بناؤه على الأساس الذي أرسته عدة قرون من هيمنة المعرفة العلمانية. عندما يتحدثون اليوم عن "عودة الدين"، وأن "الدين يزيد من تأثيره على السياسة والاقتصاد والثقافة"، فهذا يعني ضمنيًا أن مساحة العلماني، حيث يعود الدين، لا تزال موجودة. يعود "الدين" (ومع ذلك، فقد ذكرنا بالفعل النسبية الكاملة لهذا الاختفاء / العودة)، لكنه لا يعود إلى مكان فارغ، بل يعود إلى المشهد الذي تشكله عمليات العلمنة. وبما أننا داخل هذه العملية، فلا يزال من غير الواضح ما هي أشكال "العودة" - الاختفاء التي ستتخذها.
يتجلى صراع الديني والعلماني في أشكال غريبة مثل "الملحدين الأرثوذكس" (orthodox atheists)[47]، الذين تحت تأثير التطور العلمي والتقني، ليسوا مستعدين للإيمان بالله، وأكثر من ذلك بالتجسد الإلهي، ولكن بنفس الوقت يشعرون بالحاجة إلى دمج الجانب الديني بطريقة ما في هويتهم، على الأقل على المستوى الثقافي البحت. يُلاحظ بالضبط نفس التناقض وعدم التوافق في أسماء المواقع الحضرية، عندما يؤدي، على سبيل المثال، شارع لينين أو زقاق الرواد إلى الكاتدرائية الرئيسة التي تم ترميمها تمامًا. لايزال هذا التناقض الظاهر في حاجة إلى قبول في إطار الانتقال إلى مرحلة ما بعد العلمانية. ومع ذلك، وبغض النظر عن كيفية تطور هذا التشكيل الجديد ما بعد العلماني، فمن الواضح أنه ليس من تقدم المعرفة العلمانية، سواء من العلوم الطبيعية أو الإنسانية؛ ولا من تكوين الأشكال الحديثة للروح البشرية، ولاسيما من الذاتية، وإضفاء الطابع الفردي على الوعي البشري، واستقلالية العقل البشري؛ ولا من تطور النظام الاقتصادي والسياسي والقانوني، وما إلى ذلك، ومع كل الرغبة لم يعد من الممكن ببساطة رفضه. سوف يرتبط الوضع ما بعد العلماني بتحول التشكيل السابق، ولاسيما التعارضات المتضمنة فيه، ولا يزال يتعين علينا ملاحظة تقلبات هذا التحول.
وهكذا، فإن ما بعد العلماني ليس فقط واقعًا جديدًا ووضعًا معياريًا جديدًا، بل هو أيضًا رؤية جديدة، من خلال موشور يمكن للمرء أن ينظر إلى الماضي بطريقة مختلفة تمامًا ويتساءل عن بعض الحقائق الشائعة والتي بدا أنّ لا جدال فيها. وهذا بلا شك هو العنصر الواعد الأكثر إثارة للاهتمام، ولكنه ، للأسف، أقل العناصر دراسة في ما بعد العلمانية.
خاتمة:
أود أن أنهي هذا المقال بقليل من التفكير في طبيعة عصر التنوير، الذي يُزعم أنه يتم التراجع عن مُثله في عصر ما بعد العلمانية. في مقالته ما هو التنوير؟[48] يجادل ميشيل فوكو بأن الفكرة الرئيسة لمشروع التنوير هي "النقد المستمر لوجودنا التاريخي"[49]، المصمم لتعزيز "عمل الحرية اللامتناهي"[50]. المفكر، الذي يقوم بهذا العمل، يجب أن "يمسك بالنقاط التي يكون فيها التغيير ممكنًا ومرغوبًا فيه، وفي نفس الوقت يحدد الشكل الدقيق الذي ينبغي إعطاؤه لهذا التغيير"[51]. التأمل في إطار النموذج ما بعد العلماني هو في الأساس استمرار لعمل التنوير. عندما نتحدث عن ما بعد العلماني، فإننا لا نتحدث عن قفزة بسيطة إلى بعض المواقف غير العلمانية، بل نتحدث عن تحول محتوى علماني مُضعـَف بشكل واضح، وعن البحث عن حدوده وأمديته، وعن إشكالية بعض لأشياء التي قد تبدو واضحة من وجهة نظر العلمانية. ما بعد العلمانية ليس رفضًا للعلمانية. يحدث العمل ما بعد العلماني داخل العلمانية نفسها، والتي كما لو كانت، في عملية "الاختبار التاريخي والعملي للحدود التي يمكننا تجاوزها"[52]، تتخطى نفسها وتصبح ما بعد علمانية. نحن نتجه نحو آفاق جديدة، عندما يصبح "العلماني" ما بعد علماني و"الديني" يصبح ما بعد ديني. يكتب الفيلسوف واللاهوتي الأمريكي جون كابوتو(John Caputo) عن هذا الأمر: «أنا أصر على أن أسلوب التفكير" ما بعد العلماني "يجب أن يظهر كنوع من تكرار التنوير، كاستمرار للتنوير - بوسائل أخرى، مثل التنوير الجديد، الذي يكون مستنيرا بالنسبة لمحدودية القديم. يجب فهم "ما بعد" في "ما بعد العلمانية" ليس بمعنى "انتهت اللعبة"، ولكن بمعنى "بعد اجتياز" الحداثة، حتى لا نتحدث عن النسبية اليسارية غير العقلانية، ولا عن سقوط جديد في عصر ما قبل الحداثة المحافظ، المختبئ تحت نوع من ما بعد الحداثة »[53]. فليتأمل كل من يتحدث عن "شفق العقلانية" وبداية "عصور مظلمة" جديدة في هذه الكلمات.
*
حواشي المؤلف:
1-على وجه الخصوص، في عام 1997، في عمله "لماذا أنا لست علمانيًا"، يشير ويليام كونولي (William Connolly) إلى احتمالات " التفاعل لدى روح ما بعد العلمانية" بين أنصار الأديان المختلفة كبديل عن الفهم العلماني أحادي البعد للفضاء العام. ومع ذلك، فإن مصطلح "ما بعد العلماني" ليس مفهومًا راسخًا بعد، كما يتضح من غيابه في فهرس المفاهيم في نهاية الكتاب. انظر: كونولي دبليو (Connoly W.)، لماذا أنا لست علمانيًا، مطبعة جامعة مينيسوتا، ص 158.
2- هابرماس ي. (Habermas J.)، الإيمان والمعرفة // ي. هابرماس، مستقبل الطبيعة البشرية. موسكو: دار "ڨيس مير" (Весь Мир)، 2002. ص 117.
3- سنذكر فقط أهمها: أنواع العلمانية في عصر علماني / مايكل وارنر(Michael Warner)، جوناثان ڤان أنتويرپين (Jonathan VanAntwerpen)، كريج كالهون (Craig Calhoun) (محررون). كامبريدج: مطبعة جامعة هارفارد، 2010؛ خطاب ما بعد العلماني، مقالات عن المنعطف الهابرماسي لما بعد العلماني/ پيتر لوسونزي (Peter Losonczi)، أكاش سينڠ (Aakash Singh) (محرران)، مينستر: ليت-فيرلاغ (LIT-Verlag)، 2010؛ استكشاف ما بعد العلماني: الديني والسياسي والحضري / آري إل مولينديك (Arie L. Molendijk)، جوستين (Justin Beaumont) بومونت، كريستوف جيدان (Christoph Jedan) (محررون)، ليدن بوسطن: بريل، 2010؛ قوة الدين في المجال العام / إدواردو مينديتا (Eduardo Mendieta)، جوناثان ڤان أنتويرپين (محرران). نيويورك: مطبعة جامعة كولومبيا، 2011؛ إعادة التفكير في العلمانية / المحررون: كريج كالهون، مارك يورجنسمير (Mark Juergensmeyer)، جوناثان ڤان أنتويرپين، أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2011؛ أسئلة ما بعد العلمانية: الدين في المجتمع المعاصر/ محررون. فيليب س. چورسكي (Philip S. Gorski)، وديڤيد كيومان كيم (David Kyuman Kim)، وجون توربي (John Torpey)، وجوناثان ڤان أنتويرپين. نيويورك ولندن: مطبعة جامعة نيويورك، 2012. بالإضافة إلى ذلك، سيتم نشر العديد من المنشورات حول هذا الموضوع قريبًا.
4- يمكن ذكر الطبعات التالية: مجلة "لوغوس" (Логос) العدد 3 (82) لعام 2011 (عدد خاص عن "فلسفة ما بعد العلمانية؛ مجلة "الدولة والدين والكنيسة في روسيا والخارج" العدد 2، 2012 (عدد خاص حول "الدين في سياق ما بعد العلماني")؛ سلسلة مقالات في مجلة "كونتينينت" (Континент): أ. كيرليجيف (Кырлежев А.) عصر ما بعد العلمانية // مجلة كونتينينت؛2004؛ العدد 120؛ أ. موروزوف (Морозов А.) هل حان عصر ما بعد العلمانية؟ // مجلة كونتينينت،2007، العدد 131؛.د. أوزلاندر (Узланер Д)، بأي معنى يمكن أن يسمى العالم الحديث ما بعد العلماني؟ // مجلة كونتينينت،2008، العدد 136.
5-هذا واضح، على سبيل المثال، في بعض المقالات التي نُشرت في عام 2010 في مجموعة "استكشاف ما بعد العلماني: الديني والسياسي والمدني" / آري إل مولينديك (Arie L. Molendijk) وجوستين بومونت (Justin Beaumont) وكريستوف جيدان (Christoph Jedan) (محررون)، ليدن - بوسطن: بريل، 2010.
6-لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع، انظر: د. أوزلاندر: من الحداثة العلمانية إلى "الجمعي": نظرية اجتماعية حول العلاقة بين الدين والحداثة // الدولة والدين والكنيسة في روسيا والخارج، 2012، العدد 1 ((30، ص 8-32.
7- ويلسون ب. (Wilson B)، الدين في المجتمع العلماني: تعليق اجتماعي، لندن: واتس، 1966، صXIV.
8- يورڠان هابرماس، ضد "الإلحاد المتشدد" (ما بعد المجتمع العلماني - ما هو؟) // المجلة الروسية.07/23/2008
(http://www.russ.ru/pole/Protiv-voinstvuyuschego-ateizma ، 01/13/2013).
9- بيرغر پ. ل. (Berger P. L.)، التواضع المعرفي: مقابلة مع ل. پ. بيرغر، القرن المسيحي (The Christian Century)، 29 أكتوبر 1997، ص 974.
10- كازانوفا ج. (Casanova J. Public)، الأديان العامة في العالم الحديث، مطبعة جامعة شيكاغو، 1994.
11- انظر: ج. كازانوڨا، إعادة النظر في الأديان العامة // الدين. ما وراء المفهوم / تحرير: هـ. دي ڤريس.( H. De Vries) نيويورك: مطبعة جامعة فوردهام 2008.
12- كازانوڨا ج. الدين العام في العالم الحديث.
13- طلال أسد (Asad T.)، تكوينات العلمانية: المسيحية والإسلام والحداثة، ستانفورد، كاليفورنيا: مطبعة جامعة ستانفورد، 2003. ص 182.
14-كارياينين ك. (Каариайнен К.)، فورمان د. (Фурман Д)، التدين في روسيا في التسعينيات // الكنائس القديمة، المؤمنون الجدد: الدين في الوعي الجماهيري لروسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي، بطرسبورغ، موسكو، ليتني ساد (Летний сад)، 2000.
15-پ. ل. بيرغر، نزع العلمنة (desecularization) عن العالم: نظرة عامة عالمية // نزع العلمنة عن العالم: عودة الدين والسياسة العالمية (تحرير پ. ل. بيرغر )، واشنطن العاصمة، ڠراند راند را پيدز (Grand rapids) 1999، ص: 1-18؛ بيرجر پ. ل. العلمنة ونزع العلمنة؛ پ. فليتشر (P. Fletcher)، هـ. كاوانامي (H. Kawanami) ، د. سميث (D. Smith)، ل. وودهيد (L. Woodhead)، الأديان في العالم الحديث: التقاليد والتحولات، روتليدج (Routledge)، 2002. ص 291-298.
16- كاربوف ف. (Карпов В.) الأسس المفاهيمية لنظرية نزع العلمانية // الدولة والدين والكنيسة في روسيا والخارج، 2012، العدد 1 (30)، ص 136.
17-يقترح ماكلينان استخدام البادئة "infra-"، والتي تعني "أدنى، علاوة على ذلك" لنقل المعنى الذي يضعه في ما بعد العلمانية. انظر: چ. ماكلينان (G. McLennan) مساحات لما بعد العلمانية // استكشاف ما بعد العلماني: الديني والسياسي والمدني/ تحرير آري إل مولينديجك (Arie L.Molendijk)، جوستين بومونت (Justin Beaumont)، كريستوف جيدان (Christoph Jedan) (محررون)، ليدن بوسطن: بريل (Brill)، 2010. ص 41-42.
18- في الواقع، حتى الراديكالية الإسلامية هي ظاهرة دينية حديثة، انفصلت بنتيجة التحديث عن الثقافة، وعن التقاليد، وعن استمرارية الأجيال، واختزلت في الشعارات الأيديولوجية البسيطة التي يتم تعميمها باستخدام أحدث وسائل الاتصال - الإنترنت، الشبكات الاجتماعية، إلخ... (حول ظاهرة التطرف كـ "دين بلا ثقافة" انظر: روي أو. (Roy O)، الجهل المقدس: زمن الدين بلا ثقافة، سويْ (Seuil)، 2008).
19- راولز ج. (Rawls J.)، إعادة النظر في فكرة التفكير العام، دورية القانون بجامعة شيكاغو (The University of Chicago Law Review)، صيف. 1997 المجلد. 64. العدد. 3. ص 765-807.
20- هابرماس ي. المجتمع ما بعد العلماني - ما هو؟ الجزء 1 // الصحيفة الفلسفية الروسية، أبريل 2008، العدد 4 (18).
21- تايلور تش. (Ch. Taylor)، ماذا تعني العلمانية؟ // تايلور تش. المعضلات والصلات، مقالات مختارة، كامبريدج، ماساتشوستس؛ لندن، إنجلترا: مطبعة بيلكناپ (Belknap) في مطبعة جامعة هارفارد، 2011، ص 318.
22- كازانوڤا ج. الدين العام في العالم الحديث. ص 39.
23- هابرماس ي. الحدود بين الإيمان والمعرفة، عن تاريخ التأثير والمعنى الفعلي لفلسفة الدين عند كانط // يورڠان هابرماس، بين الطبيعية والدين، مقالات فلسفية، موسكو: ڤيس مير، 2011. ص 200.
24- هابرماس ي، الدين والدعاية// يورڠان هابرماس، بين الطبيعية والدين، مقالات فلسفية، موسكو: ڤيس مير، 2011. ص 131-132.
25- لمزيد من التفاصيل، راجع المقالات المختارة في قسم "الاستخدام العام للعقل" في مجموعة "استكشاف ما بعد العلماني": استكشاف ما بعد العلماني: الديني والسياسي والحضري، ص 311-402.
26- لقد كتبتُ بالفعل عن هذه الموضوعات، انظر: د. أوزلانر،"نزع السحر عن الخطاب: "الديني" و"العلماني" بلغة العصر الجديد، مجلة لوڠوس 2008، العدد 4، ص 140-159؛ د. أوزلانر:"مدخل إلى فلسفة ما بعد العلمانية، مجلة لوڠوس 2011، العدد 3، ص 3-32.
27- هناك مؤلفات مستفيضة حول هذا الموضوع: سميث دبليو سي (Smith W.C.)، معنى ونهاية الدين، نيويورك: ماكميليان (Macmillan)، 1962؛ طلال أسد، أنساب الدين. بالتيمور: مطبعة جامعة جونز هوبكنز، 1993؛ بيرن پ (Byrne P.)، الدين الطبيعي وطبيعة الدين: إرث الديئية (Deism)، لندن ونيويورك: روتليدج، 1989؛ فيل إي (Feil E.)، ريليجيو (الدين)، باندي 1-4، جوتنجن: فاندنهويك وروبريخت، 1986-2007؛ دوبوسون د. (Dubuisson D.) البناء الغربي للدين: الأساطير والمعرفة والأيديولوجيا، بالتيمور: مطبعة جامعة جونز هوبكنز، 2003؛ هاريسون پ. (Harrison P.) "الدين" والأديان في التنوير الإنجليزي، مطبعة جامعة كامبريدج، 1990؛ فيتزجيرالد ت. (Fitzgerald T.)، خطاب حول المدنية والبربرية: تاريخ نقدي للدين والفئات ذات الصلة، أكسفورد، نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد، 2007؛ ماسوزاوا ت. (Masuzawa T.) اختراع أديان العالم، أو كيف تم الحفاظ على العالمية الأوروبية في لغة التعددية، شيكاغو، لندن: مطبعة جامعة شيكاڠو، 2005؛ مولنار أ. (Molnar A.) بناء فكرة الدين في أوائل أوروبا الحديثة // طريقة ونظرية في دراسة الدين،. 2002 المجلد14 ؛ اختراع الدين: إعادة التفكير في الإيمان بالسياسة والتاريخ (محرران: دي آر بيترسون (D. R. Peterson)، دي والهوف (D. Walhof))، نيو برونزويك، نيوجيرسي، لندن: مطبعة جامعة روتجرز، 2002؛ ديسپلاند م. (Despland M.) الدين في الغرب: تطور الأفكار والحياة، مونتريال: فيدس (Fides)، 1979؛ الدين في التاريخ. الكلمة، الفكرة، الواقع/ الأديان في التاريخ. الكلمة، الفكرة، الواقع (محرران: م ديسپلاند، ڠ. ڤالي (G. Vallee))، واترلو: مطبعة جامعة ويلفريد لوريير، 1992.
28- للاطلاع على أصل كلمة "دين" انظر: إ. بينڤينيست (Бенвенист Э.)، قاموس المصطلحات الاجتماعية الهندوأوروبية، ترجمة من الفرنسية، موسكو: بروجرس يونيفرس، 1995، الجزء2، الكتاب3.
29- أوغسطين، عن مدينة الله، الكتاب 10، الفصل الأول.
30- ماكنتاير أ. (Макинтайр А.)، بعد الفضيلة، بحث في نظرية الأخلاق، موسكو: المشروع الأكاديمي، 2000.
31- فيل إ. (Feil E.)، من الدين الكلاسيكي إلى الدين الحديث: عناصر التحول بين 1550 و1650 / الدين في التاريخ، الكلمة، الفكرة، الواقع /الأديان في التاريخ،الكلمة، الفكرة، الواقع واترلو: مطبعة جامعة ويلفريد لوريير، (المحرران: م. ديسپلاند، ج. ڤالي)، 1992، ص 32.
32-لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، انظر: كاڤانو دپليو تي. (Cavanaugh W.T.)، أسطورة العنف الديني. الأيديولوجيا العلمانية وجذور الصراع الحديث، مطبعة جامعة أكسفورد، 2009. ص 76-79.
33- كانط إ. (I. Kant)، الدين في حدود العقل فقط، الأعمال الكاملة لكانط في 8 مجلدات، المجلد 6، موسكو: تشورو، 1994، ص 114.
34-انظر: الأكويني. (Aquinas)، الخلاصة اللاهوتية (Summa Theologica) II.
35-سميث دبليو سي (Smith W.C.)، معنى الدين ونهايته، نيويورك: ماكميلان (Macmillan) 1962، ص39..
36-أذكّربأن هيجل استخدم لأول مرة مفهوم "الدين السياسي" بدقة من أجل وصف خصوصيات المجتمع الروماني مع الإيمان بالعديد من الآلهة. انظر: هيجل ڠ.ڨ.ف. فلسفة الدين في جزئين،الجزء 2، ص 191.
37-لوك ج. (Locke J.)، رسالة في التسامح الديني// جون لوك، أعمال مجمعة في 3 مجلدات، موسكو، دار ميسيل (Мысль)، 1988، المجلد الثالث، ص 95-96.
38-في الواقع، هذا هو بالضبط ما يحدث اليوم، عندما يعلن المسلمون، على سبيل المثال، الحياة الأسرية كجزء من دينهم ويعتبرون محاولات إخضاعها للقوانين العلمانية انتهاكًا للحرية الدينية.
39- ويلسون ب (Wilson B)، الدين في المجتمع العلماني: تعليق اجتماعي، واتس (Watts)، 1966، ص 56؛ بيرجر پ. ل. الواقع الاجتماعي للدين، هارموندسورث (Harmondsworth): پينجوين (Penguin)، 1969، ص 113.
40-دوبليري ك. (Dobbelaere K.)، نحو منظور متكامل للعمليات المتعلقة بالمفهوم الوصفي للعلمنة // مناظرة العلمنة (محرران: دبليو إتش سواتوس (W. H. Swatos)، دي في إيه أولسون(D. V. A. Olson))، لانهام، بولدر، نيويورك، أكسفورد: مؤسسة راومان وليتلفيلد (Rowman & Littlefield) للنشر،2000، ص 22-23.
41-هناك أيضًا قدر لا بأس به من الأبحاث حول هذا الموضوع. بادئ ذي بدء، انظر: ميلبانك ج. (Milbank J.)، اللاهوت والنظرية الاجتماعية: ما وراء العقل العلماني، وايلي بلاكويل (Wiley-Blackwell)، 2006؛ طلال أسد تشكيلات العلمانية: المسيحية والإسلام والحداثة، مطبعة جامعة ستانفورد، 2003.
42- هايدجر م. (Heidegger M.). العدمية الأوروبية // م. هايدجر، الوقت والوجود، مقالات وخطب، سانت بطرسبرغ، ناؤوكا(Наука)، 2007، ص 166.
43- ويلسون ب (Wilson B)، التحولات المعاصرة للدين. أكسفورد: مطبعة كلارندون ، 1976. ص 10.
44- تايلور تش. ماذا تعني العلمانية؟ ص 304-305.
45-طلال أسد، تشكيلات العلمانية: المسيحية والإسلام والحداثة،مطبعة جامعة ستانفورد، 2003، ص 192.
46-انظر مقال ألكسندر كيرليجف المنشور في نفس العدد من مجلة "Otechestvennye Zapiski" (سجلات الوطن).
47- يشير مصطلح "ملحد أرثوذكسي" إلى تصريح ألكسندر لوكاشينكو (Aleksandra Lukashenko): "أنا ملحد، لكني أرثوذكسي ملحد"؛ وقد وصف الفيزيائي سيرچي كاپيتسا (Sergey Kapitsa) نفسه بنفس الطريقة تمامًا.
48- فوكو م. (Foucault M.) ما هو التنوير؟ // م. فوكو. المثقفون والقوة. موسكو: براكسيس، 2002 المجلد .1.
49- المرجع السابق، ص 348-349.
50-المرجع السابق، ص 353.
51-المرجع السابق، ص 353.
52- المرجع السابق، ص 354.
53-كابوتو ج. ( J. Caputo)، كيف أصبح العالم العلماني ما بعد علماني // مجلة لوغوس، 2011 عدد 3 (82)، ص 201.
***
المادة منشورة من قبل "الجمعية السورية للعلوم الاجتماعية"
ما بعد العلمانية: خارطة إيضاحية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق