الفلسفة في آراء العلماء بين القبول والرفض
رسلان عامر
منذ نشأتها في بلاد الإغريق في أواسط الألف الأول قبل الميلاد، كانت الفلسفة غير منفصلة عن العلم، وكانت المعرفة العلمية الفلسفية واحدة، وقد استمر هذا الحال حتى القرن السابع عشر في أوروبا، فبدأ الفصل بين العلم والفلسفة مع بداية وتطور وانتشار المعرفة التجريبية فيها.
تلتقي الفلسفة مع العلم في أنها مثله تعتمد على المنطق، ولكن العلم الحديث يعتمد أيضا على التجربة، ورغم أن الفلسفة بدورها باتت في العالم الحديث تعتمد كثيرا على العلم، إلا أن وضع الفلسفة في هذا العالم ليس على ما يرام، وكذلك النظرة إليها في الأوساط العلمية الحديثة، لدرجة أن المرء يمكن أن يدهش من كثرة الآراء السلبية التي يبديها اليوم العلماء الحديثون بالفلسفة ودورها المعرفي الراهن.
مؤخرا أعلن عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكينغ الذي شغل نفس المنصب العلمي الذي كان يشغله نيوتن في جامعة كامبريدج في مؤتمر زايتجايست الذي نظمته شركة جوجل عام 2011 أن "الفلسفة قد ماتت"، وقد قال هوكينغ: «لماذا نحن هنا؟ من أين أتينا؟ تقليديا، هذه أسئلة للفلسفة، لكن الفلسفة ماتت. لم يواكب الفلاسفة التطورات الحديثة في العلم. الفيزياء على وجه الخصوص»، وأضاف: «أصبح العلماء حاملين لراية الاكتشاف في سعينا وراء المعرفة»، وبرأي هوكينغ العلم قادر على حل القضايا الفلسفية العالقة، ونظريات العلم الجديدة هي "التي ستقودنا نحو صورة جديدة ومختلفة للغاية عن الكونِ وموقعنا فيه".
ينضم هوكينغ في رأيه بالفلسفة هذا إلى الكثير من الآراء التي ترى أن الفلسفة في العالم الحديث قد فقدت دورها، وأن العلم اليوم قادر على أن يعطي الأجوبة الموثوقة معرفيا في كل المجالات التي كانت الفلسفة تطرح فيها الأسئلة وتحاول الإجابة عنها بالعقل وحده، ولكنها نفسها فشلت في تقديم أجوبة معرفية مؤكدة فيها، فيما نجح العلم في ذلك، والعلم اليوم هو من يمسك بزمام المعرفة في كافة ميادينها، التي أصبحت هذه المعرفة فيها مرتبطة بشكل وثيق بفروع العلم الطبيعية والاجتماعية والشكلية، ولم يعد للفلسفة دور يذكر، بعد أن انتزع منها العلم كل الميادين التي كانت هي سابقا من يتولى فيها عملية البحث.
وهذا المشهد تصفه سابرينا إي سميث، الأستاذة المساعدة في قسم الفلسفة بجامعة نيوهامبشير، بقولها: »إن الكثيرين يعتقدون أن العلماء قادرون على الإجابة عن الأسئلة الفلسفية، بينما الفلاسفة لا شأن لهم بالإجابة عن الأسئلة العلمية«، وهذا ما لا توافق عليه هي بالطبع.
ما يقوله هوكينغ يلتقي إلى حد كبير مع ما سبق قوله للعديد من زملائه الفيزيائيين المشهورين في القرن العشرين، حيث يقول الفيزيائي الألماني ماكس بورن أحد المطوّرين الأساسيين لميكانيك الكم: «لقد حاولت أن أقرأ الفلاسفة من جميع الأعمار، ووجدت العديد من الأفكار المنيرة، ولكن لم أحقق تقدمًا ثابتًا نحو معرفة وفهم أعمق، ومع ذلك، يمنحني العلم الشعور بالتقدم المطرد».
ويقول العالم البريطاني بول ديراك، وهو أحد مؤسسي ميكانيكا الكم: «الفلسفة مجرد وسيلة للحديث عن الاكتشافات التي تم تحقيقها بالفعل».
فيما يقول عالم الفيزياء الأمريكي ستيفن واينبرغ الحائز على جائزة نوبل:«كان العديد من موضوعات الفيزياء - المكان والزمان، والسببية، والجسيمات النهائية - موضع اهتمام الفلاسفة منذ العصور الأولى، لكن في رأيي، عندما يقوم الفيزيائيون باكتشافات في هذه المجالات، فإنهم لا يؤكدون أو يدحضون تكهنات الفلاسفة بقدر ما يظهرون أن الفلاسفة كانوا خارج نطاق اختصاصهم في التكهن بهذه الظواهر».
كما يقول عالم الفيزياء الأمريكي ريتشارد فاينمان المشهور في ميكانيك الكم:«فلسفة العلم مفيدة للعلماء بقدر فائدة علم الطيور للطيور».
ويقول عالم الفيزياء والكونيات الأمريكي الكندي لورنس كراوس: «بالطبع، الفلسفة هي المجال الذي لم يتقدم خلال ألفي عام».
ولا يقتصر الأمر على الفيزيائئين وحدهم، فبدوره يقول عالم البيولوجيا البريطاني الأصل لويس وولبرت: «العلماء طموحون للغاية، وهم تنافسيون جدا، ولو كانوا يعتقدون حقًا أن الفلسفة ستساعدهم ، فسوف يتعلمونها ويستخدمونه، إلا إنهم لا يفعلون ذلك»، كما يقول وولبرت: «الفلاسفة لم يساهموا بشيء. وإذا رجعنا إلى القول بأن الفلاسفة هم من تسببوا في الثورة العلمية وعصر النهضة، فهذا خطأ ببساطة! لم يكن جاليليو فيلسوفًا، لقد كان عالما».
والأمر ليس حديثا، حيث سبق للطبيب الفيزيائي وفيلسوف الطبيعيات الإنكليزي من القرن السادس عشر وليام جيلبرت القول: «قلة من الفلاسفة هم أنفسهم باحثون، أو لديهم معرفة مباشرة بالأشياء؛ معظمهم كسالى وغير مدربين، ولا يضيفون شيئًا إلى المعرفة من خلال كتاباتهم، وهم عميان عن الأشياء التي قد تلقي الضوء على استدلالاتهم».
كما يقول عالِم الفلك والفيزيائي والمهندس الإيطالي الشهير جاليليو جاليليه الذي عاش في القرنين 16 و17: «إذا تم إجراء التجارب آلاف المرات في جميع الفصول وفي كل مكان دون إحداث التأثيرات التي ذكرها فلاسفتكم وشعرائكم ومؤرخوكم، أفلن يعني هذا شيئًا، وهل يجب علينا أن نصدق كلماتهم بدلاً من أعيننا»؟
كما ويقول الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي المعروف رينيه ديكارت من القرن السابع عشر، الملقب بـ "أبي الفلسفة الحديثة": «إن رؤية الفلسفة قد صقلتها أقوى العقول... ولكن مع ذلك لا يوجد فيها شيء واحد غير متنازع عليه، وبالتالي غير مفتوح للشك».
وهذه بالطبع بعض عينات من الآراء الرافضة للفلسفة أو المشككة بها التي يطرحها بعض العلماء، وكما نرى ففي العديد منها يؤخذ على الفلاسفة بشكل عام افتقارهم إلى الأهلية العلمية الموضوعية في المجالات التي يخوضون فيها، فيقومون بذلك بشكل تأملي لا يلتزم بمعايير العلم التخصصي وضوابطه الأكاديمية، فلا يقدمون معارف علمية موثقة، بل وغالبا ما تختلف وحتى تتناقض النتائج التي يتوصلون إليها، بعكس العلم الذي يتقدم في شتى المجالات، ويكتشف ويكشف المزيد من الحقائق المؤكدة.
مع ذلك فلكي نكون موضوعيين ومنصفين، فيجب القول أن هناك علماء آخرين يؤيدون الفلسفة، ومن أشهرهم الفيزيائي الغني عن التعريف آلبرت إنشتاين، الذي قال بهذا الشأن: «إن المعرفة بالخلفية التاريخية والفلسفية تعطي العالِم هذا النوع من الاستقلال عن الأحكام المسبقة لجيله التي يعاني منها معظم العلماء. هذا الاستقلال الذي خلقته البصيرة الفلسفية هو - في رأيي - علامة على التمييز بين مجرد حرفي أو متخصص والباحث الحقيقي عن الحقيقة».
وبدوره يقول العالم جيلبرت ن.لويس الذي عاش في القرنين 19 و20: «إن العالم العادي غير المجهز بعدسات الفلسفة القوية، هو مخلوق قصير النظر، ويهاجم بخفة كل صعوبة على أمل أن تكون الأخيرة».
كما وتجدر الإشارة أيضا أن هناك حالات تأثر فيها العلماء بأفكار الفلاسفة، ومنهم الفيزيائي والكيميائي الدنماركي هانز كريستيان أورستد الذي فتح فتحا علميا جديدا في الفيزياء باكتشافه الترابط بين الكهرباء والمغناطيسية عام 1820، فقد كان أورستد متأثرا بالفيلسوف الألماني فريدريك شيلينغ، الذي عاش في القرنين 18 و19، وكان يعتقد أن الطبيعة كلها موحّدة، ويرى أن "جميع الظواهر مرتبطة بقانون واحد مطلق وضروري، يمكن استنتاجها منه جميعًا".
في دفاعهم عن الفلسفة يرفض الفلاسفة طبعا انتقادات العلماء الموجهة للفلسفة بدعوى أنها لا يمكن أن تكون مصدرا موثوقا للمعرفة أو منهجا مفيدا في ميدانها، فيؤكدون على أن الفلسفة لعبت دورا معرفيا هاما في تاريخ التطور البشري، وأن الفلسفة كانت دوما مرتبطة بالعلم تعطيه وتأخذ منه وتتفاعل معه بشكل جدلي، ويعتمد كلا منهما بشكل متبادل على الآخر، وبهذا الصدد تشير سابرينا إي سميث -مثلا- مركّزة على أهمية الفلسفة إلى أن "التجارب الفكريّة الفلسفيّة لألبرت أينشتاين جعلت مشروع كاسيني مُمكن الحدوث، ومنطق أرسطو هو أساس علم الحاسوب الذي أنتج لنا الحواسيب المحمولة والهواتف الذكيّة، وعمل الفلاسفة في مسألة العقل والجسد مهّد الطريق لنشوء علم النّفس العصبيّ ومن ثم تقنية التصوير الدماغيّ"، وتضيف أن "الفلسفة طالما كانت موجودة بهدوء خلف العمل العلميّ"، وهي ترى أنّ "العلم يفيض بالكثير من المفاهيم الهامّة، والتفسيريّة، والمنهجيّة، والمسائل الأخلاقيّة التي من شأن الفلاسفة الذين يتمتعون بمكانة فريدة التمّكن من معالجتها".
أما الباحث يو. إس. خاتسكفيتش من فرع مينسك البيلاروسي لجامعة چي. ڤي. بليخانوف الاقتصادية الروسية، فيرى أن العلم والفلسفة ميدانان متكاملان، وبرأيه "الفلسفة هي أحد العوامل في تقييم معايير العلمية وإصدار الأحكام والاستنتاجات في توصيف درجة العلمية في ما يتعلق بأية فرضية أو نظرية أو أية معرفة كمنتـَج"، كما ويقول عن علاقة التفاعل والتأثير المتبادل بين العلم والفلسفة: «لطالما شعر العلماء بالحاجة الملحة لفهم فلسفي لموضوع علمهم، خاصة في اللحظات الحرجة من تطوره، لأن الفلسفة تثير السؤال عن مقدمات تفكيرنا في الموضوع نفسها، والعلم الحديث، الذي يقوم بدوره بالعديد من الاكتشافات ويغير الواقع، يجعل الفلاسفة يطرحون أيضًا سؤالًا حول مقدمات الفلسفة ومكانها وهدفها في العالم بطريقة جديدة».
أما الفيلسوف الفرنسي الشهير بول ريكور، الذي يرفض رفضا قاطعا مقولة "موت الفلسفة" في العالم المعاصر، ويؤكد إيمانه بضرورة وإمكانية تجديد دورها في هذا العالم الذي تتفشى فيه العدمية وفقدان القيم الإنسانية، فيرى أن مشكلة الفلسفة الراهنة هي في عدم وجود حوار بينها وبين العلم، حيث يحاور فلاسفة اليوم بعضهم البعض، فيما كان فلاسفة الماضي مؤهلين في علم أو أكثر، حيث كان "أفلاطون "هندسيا" وكان ديكارت "عالم رياضيات" مثلا، ولذا يرى ريكور وجوب أن تحاور الفلسفة اليوم "العلوم الإنسانية"، التي لها نفس الموضوع المشترك مع الفلسفة، وهو الإنسان، بخلاف العلوم الطبيعية التي تبحث في ما هو مغاير للإنسان، وبالتالي فعلى الفلسفة أن تكون دوما في حالة حوار دائم مع العلوم الإنسانية لكي يبقى الإنسان هو هدف هذه العلوم، في الوقت الذي تتعامل هذه العلوم معه كموضوع كما تتعامل العوم الطبيعية مع موضوعها.
وفي الخلاصة، رغم اختلاف المواقف منها، لا يمكن إنكار أن الفلسفة في العالم الراهن تعاني من انكماش كبير، وهي تتعرض إلى هجوم كبير من قبل العديد من العلماء لأنهم يرون أنها فقدت معظم ميادينها التقليدية التي استحوذ عليها العلم ولم يعد لها فيها دور، وهذا ما يعترف به بول ريكور فيقول: "الفلسفة تتعرض للتهديد إلى حد كبير في وجودها المؤسساتي بسبب عدم جدواها فيما يتعلق بالعلوم وحقيقة أن أشكال المعرفة الأخرى لم تعد في حاجة إليها".
فما هو مستقبل الفلسفة؟ وهل ألغى العلم الحديث الحاجة إليها؟
واقعيا.. واقع الحال في العالم المعاصر الحافل بالمشاكل يثبت تماما أن العلم الحديث رغم كل نجاحاته بعيد جدا عن أن يكون وحده كافيا، وأن الإنسان يحتاج إلى الدين والفلسفة والأدب والفن وسواها.
وعليه، فمستقبل الفلسفة مرهون ليس قطعا بمنافستها للعلم، بل بإيجاد المناطق الجديدة المناسبة لها بما يلبي حاجات الإنسان في عالمنا الحديث، والمستقبل هو من سيبين مدى قدرة الفلاسفة على النجاح في ذلك.
***
المقالة منشورة على منصة معنى
آراء العلماء في الفلسفة بين القبول والرفض

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق