الموجود والمفقود من عوامل الثورة في الر بيع العربي
رسلان عامر
باحث سوري
ملخص البحث:
منذ انطلاقتها التي فاجأت العالم، أثارت ثورات الربيع العربي الكثير من الجدل حولها، واختلفت منها المواقف وفيها الآراء، فرأى فيها البعض ثورات مشروعة ومستحقة لشعوب المنطقة العربية للخلاص من الاستبداد والتخلف، وبناء الدولة والمجتمع الإنسانيين الحديثين، فيما اعتبرها سواهم انتفاضات جماهيرية عفوية غاضبة لا ترقى إلى المستويات الثورية التي تستطيع فيها إحداث تغيرات سياسية واجتماعية جذرية في بلدانها، فيما ذهب آخرون إلى أنها مؤامرات خبيثة تستغل ما في المجتمعات العربية من بؤس وتخلف وتعصب للإجهاز على ما تبقى في هذه المجتمعات من عناصر القوة.
في جانب من هذا البحث سيتم النظر في هذه المواقف من خلال تحليل واقع الثورات العربية وما فيه من عوامل موضوعية على صعيد البيئة الاجتماعية التي أنتجت هذه الثورات، وعوامل ذاتية داخلية في بنية وطبيعة هذه الثورات.
وفي الجوانب الأخرى منه وعبر النظر إلى الثورة كعملية تاريخية جدلية موضوعية، وحتمية الحدوث عندما تستوفي شروطها الموضوعية وعواملها الذاتية، وتتكامل الأسباب اللازمة لقيامها، سيسعى البحث لبيان ما امتلكته ثورات الربيع العربي من العناصر الثورية المختلفة موضوعيا وذاتيا، وآثار ذلك على مجريات أحداثها والنتائج التي وصلت إليها أو تسببت بحدوثها حتى الآن، والدروس التي يمكن للثوريين في المنطقة العربية استخلاصها والاستفادة منها للمستقبل.
كما سيسعي أيضا لبيان أن الثورات بما هي عمليات ديناميكية وديالكتيكية، وأنها تنتج من تراكم التناقضات والتوترات الاجتماعية، التي تصل بها إلى الحد الفاصل، الذي تنتقل فيه عند لحظتها الحرجة هذه من الحالة الكمية إلى الحالة الكيفية، وتتحول فيه إلى فعل انقلاب تغييري وناف لما قبله، ما يجعل عودة هذا "الماقبل"المنفي أو"إعادة إنتاجه" أمورا مستحيلة، فهي -أي الثورات- دوما عمليات تغيير، يتكامل فيها رد الفعل النافي على الواقع الفاسد المستنفد لإمكانية البقاء، والفعل الإيجابي البناء الهادف لاستبداله بواقع جديد أفضل قابل للبقاء وصالح للاستمرار والتطور، وتتم عبر صراع أضدادها، الذي قد يقصر أجله أو يطول، وتختلف نتائجه تبعا لظروفه وعوامله، وبالتالي فلا يكون أمام الثورات إلا سبيلان اثنان: إما أن تحدِث التغيير المطلوب، أو تتجّدد وتتواصل إلى أن تحدِث التغيير المطلوب، والثورات العربية ليست استثناء من ذلك، فهي قد قامت لأنها امتلكت من العوامل الثورية ما يكفي لقيامها، لكنها لم تنجح بعد في إحداث التغيير المطلوب منها لأنها لم تمتلك بعد العوامل الكافية لذلك، إلا أن هذا لا يعني إلا أن هذه الثورات ستستمر وتتطور وتستكمل ما ينقصها لتحقيق تلك الغاية، وما لا شك فيه أن هذا الأمر الذي تغنيه التجربة الثورية نفسها، يحتاج وقته الكافي، وهذا تؤكده التجارب الثورية الكبرى في العالم.
فهرس المحتويات:
1- مقدمة
2- توصيف حراكات الربيع العربي.. ثورات أم ماذا؟
3 الربيع العربي بين ظروف الواقع الموضوعية وعوامل الحراك الذاتية
4- ما هو سبب الحضور الثقيل للإسلام السياسي في الربيع العربي؟
5- دور الجيوش العربية في الربيع العربي
6- الربيع العربي بين السلمية والعنف
7- العامل الخارجي ودوره الخطير وملابساته
8- حصيلة الموقف
9- دروس من التجربة
10- خلاصة
1- مقدمة:
في كتابه "قضية الثورة الماركسية" (The Marxist Case for Revolution) الصادر عام 1989 يقول إرنست ماندل(Ernest Mandel):
«الثورات هي حقائق تاريخية عن الحياة. ولدت جميع الدول الكبرى في عالم اليوم تقريبًا من الثورات. سواء أحببنا ذلك أم لا، فقد شهد قرننا ما يشبه ثلاثين ثورة - بعضها انتصر، فيما هزمت أخرى- وليس هناك ما يدل على أننا وصلنا إلى نهاية التجربة الثورية»([1]).
وبالفعل فقد صدق توقع ماندل، واستمرت التجربة الثورية في العالم فقد تواصلت الحراكات الجماهيرية على مدى العقدين التالين في العديد من مناطق العالم، وتنوعت بين الاحتجاجات والانتفاضات والثورات، وحملت بشكل عام تسمية "الثورات السلمية"، إذ أنها اتسمت عموما بسلميتها، وهي بهذا الشكل تميزت عن الثورات السابقة التي كان العنف عموما شكلا مميزا لها، حتى كاد مفهوم الثورة يقترن بالعنف.
ومن الممكن القول، أن التجربة العربية الثورية، المسماة بـ "الربيع العربي"، التي بدأت في تونس مع نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، هي الأميز بين هذه التجارب، فبعد ركود طويل، تحركت الجماهير العربية في أكثر من بلد، واختلف شكل هذه التجارب ونتائجها وفقا للظروف في كل بلد، فمنذ انطلاقته وحتى اليوم، أحدث الربيع العربي الكثير من التغيرات الهامة على الساحة العربية على مستويي الواقع الاجتماعي والوعي الاجتماعي، ورغم أنه إذا ما طبقنا المعيارية النفعية في قياس نتائج حراكات هذا الربيع بحالاتها المختلفة، فسنجد أن هذه الحراكات لم تنتج عمليا الكثير في مجال التغيير الإيجابي العملي على مستوى تحديث وتطوير الدولة والمجتمع في البلدان التي قامت بها، بل حتى كانت لها عواقب كارثية في أكثر من بلد عربي، فهي قد أدت إلى دمار هائل في سورية، وألحقت دمارا كبيرا أيضا باليمن وليبيا والعراق، فيما أعاد النظام المصري إنتاج نفسه وأجهض "ثورة 25 يناير" محوّلا "ثورة 30 يونيو" إلى ثورة مضادة، ولم تحدث تغييرات جذرية في البنية السياسية الاجتماعية في المغرب والأردن، وباستثناء تونس، يمكن القول أن الربيع العربي لم يؤد إلى أية تغيرات بناءة أو إنجازات فعالة في ميدان بناء الدولة العصرية، لكن هذا "القول" لا ينتهي هنا، وما يجب فعليا قوله هو "أن الربيع العربي لم يؤد بعد إلى تغيرات بناءة في ميدان بناء الدولة الحديثة"، فحراكات هذا الربيع وتداعياته ما تزال مستمرة حتى اليوم، وإن كانت وتائرها تختلف بين بلد وآخر، ورغم أن ليبيا واليمن ما تزالان تمران بحالة تخبط وصراع، فعودة النظامين القديمين فيهما أضحت مستحيلة، أما ما يبدو من عودة مستقرة للنظام القديم في مصر، فاستقراها شكلي، وبالنسبة لسوريا، فالحال مشابه، رغم الاختلاف الكبير في التفاصيل، ورغم أنه لا تبدو في الأفق القريب مؤشرات حل وطني ديمقراطي، فواهم من يتوقع أن النظام فيها سيتمكن من إعادة إنتاج نفسه، وأسباب هذه العودات الوهمية سيتم توضيحها في سياق هذا البحث؛ وبالمقابل فقد شهد هذا الربيع موجة جديدة امتدت إلى كل من الجزائر والسودان والعراق ولبنان، ورغم أنها تباينت في درجة وشكل ما حققته من نتائج حتى الآن، فقد تميزت حراكات هذه الموجة الثانية بأنها أكثر سلمية وأقل إسلامية بشكل عام.
وهكذا يمكن القول بثقة أننا أمام عملية تغيير حقيقية..رغم كل عثراتها وسقطاتها، وليس أمام "هبّات" أو "فورات" أو "ردات فعل" شعبية طارئة عابرة كما يعتقد بعض المفكرين والسياسيين، وجلهم من ذوي المفهوم التقليدي المحدود للثورية، الذين بموقفهم هذا لا يختلفون كثيرا عما يتوهمه أتباع الديكتاتوريات، وأنصار نظرية المؤامرة على غرار الصحفي سعيد محمد الذي يرى أن ثورات الربيع العربي هي جزء من المخطط الأمريكي الهادف لإسقاط الحكومات المغضوب عليها من قبل أمريكا، ويقول بمناسبة وفاة المفكر السياسي الأمريكي الشهير جين شارب:
«توفي البروفيسور الأميركي جين شارب العام الماضي عن 90 عاماً في بيته المتواضع في بوسطن بين رفوف الكتب وزهرات الأوركيد التي كان يرعاها. لكن الرجل الذي يوصف بأنه واضع دليل عمل الثورات الملوّنة، يبعث حيّاً بأفكاره الملهمة عن إسقاط الحكومات التي تستهدفها الولايات المتحدة من خلال الأنشطة اللاعنفيّة المنظمة كلما اندلعت "ثورة" جديدة في مكان ما من العالم»([2]).
مع ذلك فلا بد من قراءة تحليلية نقدية جادة لهذه الحراكات لتبيان ما لها وما عليها، وما توفر فيها من عوامل القوة ونقاط الضعف، والإجابة على الأسئلة الحرجة المتعلقة بها، ولاسيما "توصيفها"، والعوامل المختلفة المؤثرة فيها، وأسباب "رجحان قوة الإسلام السياسي فيها" و"عدم نجاحها حتى الآن في تحقيق غاياتها".
2- توصيف حراكات الربيع العربي.. ثورات أم ماذا؟
غلب بشكل عام على الساحة العربية خلال القرن الماضي مفهوم الثورة المرتبطة بالعنف، والذي يمكن إيجازه بكلمات ماو تسي تونغ التي يقول فيها: « الثورة ليست حفلة عشاء، أو كتابة مقال، أو رسم صورة، أو عمل تطريز؛ هي لا يمكن كثيرا صقلها، وجعلها متروية ولطيفة، معتدلة ولبقة، منضبطة وسمحة. الثورة هي تمرد، وهي عمل عنيف تقلب به طبقة ما طبقة أخرى»([3])، وماو محق بكل تأكيد في القسم الأول من كلامه عن الثورة، الذي يلتقي فيه مع ما يقوله ستالين: «لا يمكنك أن تصنع ثورة بقفازات من حرير»([4])، ولكن "العنف" ليسا دائما شرطا لازما من شروط الثورات، وهذا ما أثبته غاندي الذي حرر الهند دون اللجوء إلى العنف، حتى وإن كانت ثورته وطنية وليست طبقية!
ولكن، وبما أن ثقافة اللاعنف هي ثقافة حديثة الحضور إلى الميدان السياسي في واقعنا العربي، وقليلة الحضور فيه بشكل عام، فليس غريبا أن يرفض أولئك الذين يحملون هذا التصور التقليدي العنيف عن الثورة إطلاق تسمية "ثورات" على حراكات الربيع العربي السلمية، ونحن هنا لا نتحدث عن أتباع الديكتاتوريات وأصحاب ذهنية المؤامرة فهؤلاء مواقفهم مفروغ منها، ومن نتحدث عنهم هنا هم مفكرون وسياسيون تقليديون في معظم الحالات، ولديهم بدرجة ما استقلاليتهم الموقفية، ويطلقون غالبا على حراكات الربيع العربي تسميات مثل "انتفاضات" أو "انفجارات" أو "تمردات" وهلم جرى.. وهذه النظرة يمكن إيجازها بكلمات أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي صالح السنوسي:
«لا شك أن التاريخ الإنساني يعج بالصراعات الاجتماعية ومحاولات التغيير التي جرى تصنيف بعضها على أنها ثورات وجرى تصنيف بعضها الآخر على أنها انتفاضات وحركات تغيير، وإذا نظرنا إلى المعايير التي يتم على ضوئها التمييز بين ما يعتبر ثورات وبين ما يوصف بحركات التغيير والانتفاضات، فإننا نجد بعض هذه المعايير غير متوفر في ما عرفت بثورات الربيع العربي.
فلم
تكن ثمرة تخطيط مبيت يعكس جهدا منظما وموجها من قبل قيادات اختارت ظروف ولحظة
تفجير الفعل الثوري لتغيير الواقع الاجتماعي والسياسي وإحلال فكر وأيديولوجيا بديلة تمثل
رؤية ومصالح طبقة اجتماعية جديدة، بل إن البعض لا يرى في ثورات الربيع
العربي نماذج من الثورات الكبرى التي عرفها التاريخ.![]()
فهي ليست مثل الثورة الفرنسية التي سبقها عصر الأنوار وكان بمثابة قطيعة معرفية وثقافية مع ما سبقه، فكانت الثورة السياسية تتويجا لمشروع فلسفي يقوم على ثلاثية العقل والحرية والإرادة في مواجهة اللاهوت الديني والتراتبية الاجتماعية، كما أنها لم تكن كالثورة البلشفية التي قامت تجسيدا للأيديولوجيات الماركسية فسودت طبقة اجتماعية واحدة وألغت بقية الطبقات.
ليس هناك خلاف بشأن حقيقة أن ثورات الربيع العربي لم تقم بها طبقة اجتماعية تحمل مشروعا اقتصاديا واجتماعيا ثقافيا، ولهذا فهي ليست ثورات اجتماعية وثقافية، بل هي في نظرنا انتفاضات تاريخية تحولت إلى ثورات سياسية...»([5]).
في الوقت عينه، نجد أن حراكات الربيع العربي قد حظيت بالاعتراف بها من قبل شخصيات مرموقة دوليا، كالأخصائي الأمريكي الرائد في مجال علم الاجتماع الكلي (Macrosociology) التاريخي وأحد مؤسسي علم الديناميات التاريخية(Cliodynamics)، الدكتور جاك أ. جولدستون (Jack A. Goldstone) الذي يقول:
«تتوافق تونس ومصر وليبيا وسوريا مع معايير الدول التي تحدث فيها الثورات، فقد سيطرت عليها الأنظمة الشخصانية الفاسدة، واستبعاد النخب، وفقدان الولاء العسكري، واستياء السكان بسبب المشاكل المالية والاقتصادية وضغط العوامل الديموغرافية. في كل مكان، اتحد تحالف عريض من القوى المعارضة حول مسألة الظلم: فالفئات الحاكمة التي لا تشبع تسيء معاملة شعوبها التي تعاني: «أنت ترتدي أحدث صيحات الموضة» هتف الحشد في القاهرة، في إشارة إلى مبارك، «ونحن ننام اثني عشر شخصًا في غرفة واحدة!». في تونس ومصر رفض الجيش الدفاع عن النظام، وتم إقصاء الحكام بسرعة من السلطة. في ليبيا وسوريا، وحدات الجيش التي بقيت موالية بسبب القربى القبلية والدينية من النظام دافعت عن السلطة، ولكن لم يكن لديها موارد كبيرة. في ليبيا، سمح تدخل الناتو للمتمردين بهزيمة القذافي في غضون بضعة أشهر. لكن في سوريا، كان التدخل الأجنبي إلى جانب نظام الأسد، والذي سمح له بمواصلة القتال. وبالتالي فإن أسباب هذه الثورات ومساراتها متشابهة مع بعضها البعض، وتتبع الأنماط التي لوحظت في الثورات عبر التاريخ»([6]).
واقعيا يمكن القول أن تسميات "انتفاضات، احتجاجات، تمردات، وما يشبهها..." ليست خاطئة عندما تطلق على حركات الربيع العربي، ولكنها صحيحة جزئيا، إلا أنها مع ذلك أقل منطقيا وقيميا من المستوى الذي تستحق هذه الحراكات أن تسمى به، فهي "ثورات"، هي ثورات حقيقية كما سنبين لاحقا، ولكنها ثورات تتداخل فيها عناصر الثورة مع الانتفاضة والانفجار والتمرد، والقول بهذا التداخل له أسبابه الموضوعية من ناحية، كما أنه له أسبابه المفاهيمية من ناحية ثانية.
من الناحية المفاهيمية لا يمكن وضع حدود فاصلة واضحة بين أنواع الحراكات الجماهيرية، كما أنه لا يمكن قطعا وضع تعريف محدد قاطع للثورة، فالثورات وإن تشابهت في خطوطها العامة، فهي تختلف كثيرا في خصوصياتها وتفاصيلها الخاصة، ولذلك قدم المفكرون وعلماء الاجتماع تعاريف مختلفة للثورات وأشكالها وأسبابها، فعلى سبيل المثال، ورغم أن "الموسوعة الروسية الكبيرة" تعرّف الثورة بأنها " في العلوم الاجتماعية هي تغيير حاد في البنية الاجتماعية أو السياسية، يتم عادة عن طريق العنف" فهي تضيف أن "مشكلة الثورة ومكانتها في التاريخ هي واحدة من أكثر الأمور تعقيدًا وإثارة للجدل في العلوم"([7])؛ أما ويكيبيديا الروسية فتقول: «الثورة هي تحول جذري في أي مجال من مجالات النشاط البشري»، ثم تضيف بأنها تغيير جذري ونوعي وعميق، وقفزة في تقدم المجتمع أو الطبيعة أو المعرفة وأنها تختلف عن التطور الذي يحدث بشكل أبطأ وعن الإصلاح الذي يحدث فيه تغيير جزئي في النظام القائم دون التأثير على أسسه([8]).
وإذا ما عدنا إلى التاريخ، فسنجد أن أرسطو قد تحدث عن شكلين من الثورات، يتميز أولهما بتغيير شامل للدستور، فيما يتميز الآخر فقط بتعديل للدستور([9]).
أما أنواع وأسبابها الثورات فهي الأخرى تختلف من وجهة نظر إلى أخرى، حيث يقسم العالم الأمريكي الحديث في الاجتماع والسياسة والتاريخ تشارلز تيلي (Charles Tilly)([10]) الثورات إلى:
-الاستيلاء على السلطة من الأعلى إلى الأسفل.
-الحرب الأهلية.
-الانقلاب.
-والثورة العظيمة مثل الثورة الفرنسية والثورة الروسية.
بينما يصنّف البروفيسور الأمريكي في السياسة مارك كاتز (Mark N. Katz) الثورات في ستة أشكال هي:
-الثورة الريفية، كثورة الريف المغربي سنة 1921.
-الثورة المدينية، ككومونة باريس 1861.
-الانقلاب، على سبيل المثال مصر1952.
-الثورة من الأعلى، مثل قفزة ماو الكبرى إلى الأمام عام 1958.
-ثورة من الخارج، مثل غزوات الحلفاء لإيطاليا 1944، وألمانيا 1945.
-الثورة بالتنافذ (revolution by osmosis)، كالأسلمة التدريجية لبعض البلدان.
ووفقا له، فهذه الأصناف قد تكون منفصلة أو قد تجتمع في ثورة واحدة، فقد بدأت الثورة الروسية مثلا- عام 1917 بثورة مدينية لإزاحة القيصر وامتدت إلى الأرياف، ثم ختمها الانقلاب البلشفي([11]).
وإذا ما عدنا إلى الويكيبيديا بنسختها الروسية فسنجدها تتحدث عن ثورات اجتماعية وثورات سياسية وثورات تحرر وطني وثورات من الأعلى وثورات مخملية وثورات ملونة وسواها([12])، وتوجز العناصر الضرورية لحدوث الثورات وفقا لجاك غولدستون([13]) بـ:
-مشاكل في اقتصاد أو مالية الدولة ما يؤدي إلى زيادة الاستياء والاضطرابات، ولاسيما عند ضعف القدرة على دفع الرواتب للمسؤولين والعسكريين.
- احتكار السلطة من قبل جماعة عرقية أو مناطقية أو ما شابه، ما يؤدي إلى صراعات نخبوية على السلطة.
- السخط الشعبي العام المؤدي إلى حالة من التعبئة الجماهيرية الثورية.
- الإيديولوجيا التي تتوحد فيها آراء ومطالب عامة الناس والنخب، ويمكنها أن تكون إيديولوجيا وطنية أو قومية أو دينية أو سوا ذلك..
-الظروف الدولية المؤاتية، إذ كثير ما يعتمد نجاح الثورة أو فشلها على دعمها أو دعم خصومها من الخارج.
وكما نرى فمفهوم الثورة هو مفهوم واسع، ولذا فمن الممكن أحيانا اعتبار حركة جماهيرية ما ثورة وفقا لمنظور محدد، فيما لا يمكن اعتبارها كذلك وفقا لمنظور آخر.
مع ذلك فيمكننا بشكل عام القول أن "الثورة هي حراك سلمي أو عنفي سببه التردي الحاد للأوضاع الاجتماعية أو السياسية أو الوطنية أو كل أو بعض ذلك معا، تقوم به الجماهير الشعبية أو النخبة المدعومة من قبل هذه الجماهير لتغيير هذه الأوضاع نحو الأفضل، فتصطدم عادة بالسلطة الحاكمة والقوى الداعمة لها، وهم عادة المستفيدون من هذا التردي والمتسببون به، والمريدون له أن يستمر، وقد يبقى هذا الاصطدام سلميا ويحل بشكل سلمي يتحقق فيه قدر مقبول من التغيير المطلوب، أو يتحول إلى صراع عنيف لا ينتهي غالبا إلا بهزيمة أحد المعسكرين".
بهذا الشكل يمكن القول أن الثورة بخلاف سواها من الحراكات الاجتماعية هي عادة "مشروع تغييري" واسع وعميق، أما الانتفاضة فهي غالبا ردة فعل احتجاجية تعبر عن الغضب والاستياء ورفض الواقع المتردي دون أن تتطور إلى حالة السعي إلى إلغاءه، وكثيرا ما يكون الاحتجاج موجها ضد قضية محددة، وليس ضد الهياكل الاجتماعية السياسية ككل بهدف إحداث تغيير جذري فيها، أما التمرد فهو عادة ما يكون موجها ضد السلطة الحاكمة، ويكون هدفه عادة التخلص من سلطة سيئة واستبدالها بأخرى، أفضل ولكنه بخلاف الثورة لا يمتلك مشروعه البديل المتمثل بتغيير هذا الواقع، الذي يمضي وفقا لبرنامج متكامل يسير به إلى الأفضل في حالات الثورات الناضجة.
فإذا نظرنا إلى حراكات الربيع العربي، فسنجد أنها رغم ما فيها من اختلافات بين بلد وآخر، فهي تشترك بأنها جميعها مساع جادة لتغيير الواقع المتردي ككل والانتقال منه إلى الأفضل، إنها ليس مجرد ردات فعل غاضبة رافضة لهذا الواقع، وليست احتجاجات مرتبطة بمطالب جزئية محددة، ولا هي رغبات خلاص تريد استبدال سلطان ظالم جائر بآخر يتصف بالرحمة والعدل، فهذه الحراكات تريد تغيير الأنظمة السياسية الديكتاتورية الفاسدة البالية، واستبدالها بأنظمة ديمقراطية حديثة صالحة للخروج من الواقع المتردي بكليته والموغل في أزمته إلى واقع آخر يتناسب مع عصره وما فيه من تقدم وتطور شاملين، ولكن هذه الحراكات بقيت مساع تغلب عليها العفوية والشعبوية وعدم وجود رؤى واضحة متبلورة وأهدافا وآليات محددة بدقة للتغيير والتطوير، ولذا فمن الصائب وصف حراكات الربيع العربي بأنها "ثورات شعبوية"، وبسبب شعوبيتها هذه يصبح صعبا في كثير من الأحيان التمييز بينها وبين أشكال الحراك الاجتماعي الأخرى، وهذا هو الجانب الموضوعي من أسباب تداخل تواصيف هذه الحراكات، أما أسباب هذه الشعبوية ونتائجها، فسيتم الحديث عنها في سياق الفقرات التالية.
3- الربيع العربي بين ظروف الواقع الموضوعية وعوامل الحراك الذاتية:
منذ قديم الزمان قال أرسطو: «الفقر هو أبو الثورة والجريمة»([14])، أما ماركس فيقول: «الفقر لا يصنع ثورة، وإنما وعي الفقر هو الذي يصنع الثورة»([15])، فيما يقول وودرو ويلسون (Woodrow Wilson): «لا يمكن أن تكون هناك ظروف مستقرة تؤدي إلى زيادة الإنتاج وخفض تكلفة المعيشة إذا كان العمال ورأس المال خصوما بدلا من أن يكونوا شركاء. لحل هذه المشكلة العظيمة والملحة يجب تطبيق التفكير السليم والرغبة الصادقة في خدمة مصالح الأمة بأسرها، بدلا من مصالح الطبقة. إن إخفاق الدول الأخرى في النظر في هذه المسألة بطريقة فعالة قد أنتج المرارة والغيرة والعداء، التي تغذي التطرف. إن الطريقة الوحيدة لمنع الرجال من التحريض ضد الظلم هي إزالة المظالم، أما عدم الرغبة حتى في مناقشة هذه الأمور، فلا ينتج عنه سوى عدم الرضا وهو يعين العناصر المتطرفة في بلدنا التي تسعى إلى إثارة الاضطرابات من أجل استفزاز الحكومات للشروع في مسار الانتقام والقمع. إن بذرة الثورة هي القمع، ويجب ألا يكون العلاج لهذه الأشياء سلبيا في طبيعته.» ([16])، بينما يقول جلال أمين: «الظلم لا يصنع الثورة، وإنما الإحساس بالظلم والوعي بأسباب الظلم هو الذي يصنع الثورة»([17]).
وإذا ما تأملنا في هذه الأفكار، التي تعكس بدقة حقائق الواقع، ومن أهمها أن الفقر هو أحد أكثر أشكال الظلم وأسباب البؤس حدة وانتشارا، وتتضاعف وطأته عندما يقترن بالقمع، فيمكننا أن نخلص منها مبدئيا إلى نتيجة معممة مفادها أنه للثورة شرطان لازمان هما "وجود الظلم" و"وعي الظلم".. أو"جود البؤس" و"وعي البؤس"، وهذا ما يصنع ما يسمى بـ "الوضع الثوري"، وعن هذا يقول لينين: «الثورة مستحيلة بدون وضع ثوري، وعلاوة على ذلك، ليس كل وضع ثوري يؤدي إلى ثورة»، ويرى لينين أن الوضع الثوري له ثلاثة دلائل رئيسة:
«1- أن يستحيل على الطبقة السائدة الاحتفاظ بسيادتها دون أي تغيير؛ أن تنشب أزمة في "القمة" بشكل أو بآخر، أزمة في سياسة الطبقة السائدة، تسفر عن صدع يتدفق منه استياء الطبقة المضطهدة وغضبها. فلكي تتفجر الثورة، لا يكفي عادة "ألا تريد القاعدة بعد الآن" العيش كما في السابق، بل ينبغي أيضا "ألا تستطيع القمة ذلك".
2-أن يتفاقم بؤس الطبقات المضطهدة ويشتد شقاؤها أكثر من المألوف.
3- أن يتعاظم كثير للأسباب المشار إليها آنفا، نشاط الجماهير التي تستسلم للنهب بهدوء في زمن "السلم"، أما في زمن العاصفة فتدفعها ظروف الأزمة كلها و"القمة" نفسها، على حد سواء، إلى القيام بنشاط تاريخي مستقل.
ودون هذه التغيرات الموضوعية المستقلة، لا عن إرادة هذه الكتل أو الأحزاب أو تلك وحسب، بل عن إرادة هذه الطبقات أو تلك، تستحيل الثورة بوجه عام. ومجموع هذه التغيرات الموضوعية يسمى وضعا ثوريا».
ويضيف لينين:
«الثورة لا تنشأ عن كل وضع ثوري، إنما تنشأ إذا انضم فقط إلى جميع تلك التغيرات الموضوعية آنفا تغيّر ذاتي، وأعني به قدرة الطبقة الثورية على القيام بأعمال ثورية جماهيرية، قوية إلى حد أنها تحطم (أو تصدّع ) الحكم القديم الذي لن "يسقط" أبدا حتى في فترات الأزمات، إن لم "يُعمل على إسقاطه"»([18])، وعن هذا المفهوم يقول "المعجم الفلسفي المختصر" الماركسي في ترجمته العربية: «يتعذر قيام ثورة بدون توفر "الحالة الثورية"، حيث ترفض الجماهير المحكومة العيش وفقا للأنظمة القديمة، في حين لا تستطيع الطبقات الحاكمة "العليا" مثابرة الإدارة بالطرق القديمة، وحيث يطرأ نهوض عارم على فعالية الجماهير الاجتماعية السياسية. ولكن انتقال الحالة الثورية إلى ثورة يتوقف على "العامل الذاتي"، على تمكن الأحزاب السياسية (أو الحزب) من جعل طبقتها مؤهلة للقيام بتحركات ثورية، جماهيرية ومنظمة ونشيطة، ومن النهوض بالشعب لخوض المعركة الحاسمة المكشوفة مع مضطهديه. وعندما تندلع الثورة، فإن عمق التحولات الاجتماعية وأشكال الأنظمة الاجتماعية الجديدة ومواعيد إقامتها تتوقف على مدى تأثير القوى الاجتماعية الأكثر راديكالية وثورية على هذه العملية»([19]).
وهكذا بناء على ما تقدم يمكننا القول أن قيام الثورات مرهون بعوامل موضوعية وعوامل ذاتية، أما العوامل الموضوعية فهي تتمثل في الظروف الواقعية المتردية في المجتمع والدولة، فيما تتمثل الظروف الذاتية بقدرة الجماهير الشعبية على فهم هذا الواقع المتردي وأسباب ترديه ودور السلطة الحاكمة وحلفائها في هذا التردي، وكيفية وسبل تغييره، وقدرتها على تنظيم نفسها بالشكل المناسب للقيام بعملية التغيير هذه.
فإذا نظرنا إلى الواقع العربي الراهن على ضوء ما تقدم، فسنجد بشكل جلي أن الشروط الموضوعية لقيام الثورات متوفرة فيه بما يكفي، ففي كل البلدان العربية تتفشى بشكل عام أشكال حادة ومختلفة من التردي المعيشي المتعدد الصعد، والذي غالبا ما يجتمع فيه الفقر والقمع والتخلف، ويسود فيه الظلم والجور، وتستغـَل فيه الشعوب وتضطهد وتهمش، كما تهدر فيه حقوق الإنسان!
فعلى سبيل المثال، ووفقا لندوة شارك فيها العديد من المعنيين على قناة الميادين، يعاني نحو 40 مليون عربي من الفقر المدقع ونقص التغذية، فيما يعيش أكثر من 100مليون إنسان عربي تحت خط الفقر([20])، كما أن حقوق الإنسان في الميدانين المدني والسياسي ليست قطعا أفضل حالا، فالعالم العربي كان حتى اندلاع ثورات الربيع العربي محكوما بنظم قمعية متسلطة، مرضي عنها غربيا لأنها تضمن مصالح الغرب، وعن هذا يقول كينيث روث (Kenneth Roth)، المدير التنفيذي لـ هيومان رايتس ووتش، في مطلع التقرير العالمي للمنظمة لعام 2012:
«في مناطق أخرى من العالم، انتشرت الديمقراطية، لكن يبدو أن الغرب راض في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بدعم طائفة من المستبدين العرب، طالما هم يدعمون المصالح الغربية ويرعونها.. الغرب ينظر إلى أباطرة ومستبدين العالم العربي وكأنهم ضمانة "الاستقرار"، حتى لا ينزاح الغطاء عن صندوق المطالب الشعبية. العالم يروّج لحقوق الإنسان كقاعدة عامة، لكن العالم العربي هو الاستثناء في نظر العالم».
ويضيف لاحقا:
«إن الربيع العربي لحظة تحول، فرصة تاريخية كي تمسك الشعوب التي عانت من القمع طويلاً بزمام مصيرها في يدها. إلا أنه ليس بالتحول السهل. شعوب المنطقة - مثل شعوب العالم - تستحق مساندة العالم أثناء سعيها للحصول على حقوقها مع بدء هذه الرحلة التي طال انتظارها. لقد حان وقت سقوط "الاستثناء" العربي من قاعدة المطالبة بحقوق الإنسان للجميع»([21]).
ومع أن ثورات الربيع العربي لا يمكن تصنيفها بشكل حازم كثورات طبقية على غرار الثورة البروليتارية التي يركز عليها الفكر الماركسي، فهي ثورات اجتماعية تدخل وتتداخل فيها عوامل اجتماعية وسياسية متعددة، ولا ترتبط حصريا بنمط علاقات إنتاجية سائدة معيّنة، وتقوم بها طبقات محددة مرتبطة بهذا النمط الإنتاجي الطبقي، فهي ليست ثورات برجوازية ضد الإقطاع، ولا ثورا عمالية ضد الرأسمالية، ما يجعل حراكات الربيع العربي من الناحية الطبقية فضفاضة وغير متبلورة إلى حد كبير، إلا أنها تلتقي مع الثورات الطبقية بأنها ثورات مضطـَهدين ضد المضطهـِدين، وثورات مستغـَلين ضد المستغـٍلين، ويجمعها معها بؤسها المعاشي، الذي يسببه الاستغلال وتخلف الإنتاج والقمع والفساد، وهذا الوضع المعيشي الحقوقي المزري في معظم البلدان العربية، نجد أنه يتوافق تماما مع العامل الثاني من عوامل الوضع الثوري التي يتحدث عنها لينين، وهو العامل المتعلق بتفاقم بؤس الطبقات المضطـَهدة، المذكورة آنفا؛ أما العامل الأول المتعلق بأزمة الطبقة الحاكمة، وهي في الحالة العربية طبقة سلطوية أكثر منها اقتصادية، بالمفهوم الاقتصادي الحديث، فهي عموما رغم سلطويتها طبقة هشة مترهلة ومتخلفة يتفشى فيها الفساد بدرجة كبيرة، وهي تواجه عالما معاصرا واسع الانفتاح وسريع التطور، ولا يمكنها أن تبقي شعوبها فيه كالجزر المنعزلة المغلقة، وتمنع عنها تأثيرات التقدم والحضارة الحديثين، كما أن هذه الطبقة المتسلطة ..هي بحد ذاتها عبارة عن خليط غير منسجم من عناصر ذات طبائع مختلفة، تلتقي في مصلحة استغلالية تسلطية هي نفسها ذات طبيعة فاسدة، ويشترك فيها كل من الطغمة السياسية ورجال الدين والزعماء الاجتماعيين الرجعيين والاقتصاديين الطفيليين بشكل رئيس، وهؤلاء كلهم ليس بينهم جامع انتاجي مصلحي كالبرجوازية الحديثة أو طبقي هيوي ومصلحي مشترك كالطبقة الإقطاعية، فهذه الطغمة المتسلطة ليست كالملك التقليدي المدعوم بالأرستقراطية والإقطاع، ولا كالبرجوازية التي تجمعها مصلحة مرتبطة بنمط إنتاج وعلاقات إنتاجية تجعل منها شبكة موحدة، أو وحدة اقتصادية اجتماعية، وهذه روابط متينة وقوية، فيما مصدر القوة الرئيس الذي يحفظ سلطة التحالف السلطوي الهش في الحالة العربية هو عادة الجيش، فتبقى سلطة هذا التحالف السلطاني قائمة وقوية، فقط مادام جيشه قويا ومواليا له، وهذه النقطة الهامة سنتحدث عنها لاحقا في فقرة خاصة؛ أما العامل الثالث-وفق لينين- فقد تحول أثناء الحراك من حالة الكمون إلى حالة الفعل المتنامي، فالجماهير العربية التي كانت تعيش معاناتها بصمت، وتبدو وكأنها مستسلمة لمصيرها البائس، تغير حالها أخيرا، وراحت تلتف حول الطليعة الثورية من جيل الشباب المتمرد على منظومة متخلفة فاسدة قامعة تسلبه حاضره ومستقبله، وهذه الجماهير المنضمة إلى الشباب وصلت أخيرا إلى درجة من وعي سبب معاناتها، المتمثل بهذه المنظومة المتسلطة، وأدركت أنه يحق لها.. بل ويجب عليها أن تتخلص منها، وأنها تستطيع فعل ذلك، وقد وجدت ثورات الربيع العربي في بعضها البعض الرافعة المعنوية والوعيوية والقدوة، فتونس أيقظت وشجعت مصر، وكلتاهما معا عممتا اليقظة والجرأة الثوريتين على الساحة العربية، ومما لا شك فيه، أن ثورة الاتصالات المعاصرة لعبت دورا هاما في هذه العملية، سواء على مستوى التوعية، أو التنظيم أو التشجيع.
لكن ماذا عن العوامل الذاتية؟
هنا لا بد من وقفة متروية، ومتعمقة وحذرة، في التعامل مع هذا السؤال، الذي يمكن الجواب عنه مبدئيا بالإيجاب، فلولا توفر قدر معين من العوامل الذاتية لما أمكن لأية حركة -أو ثورة- من الربيع العربي أن تقوم.
لكن هل كان هذا القدر كافيا لإنتاج عملية تغيير ثوري ناضجة متبلورة متكاملة؟!
واقعيا.. الجواب هنا سيكون بالنفي، فالشعوب العربية التي تحركت في الربيع العربي توفر لديها فعليا قدر كاف من الإحساس بالظلم القائم، والوعي بأسباب هذا الظلم ودور الحاكم المستبد وبطانته وحلفائه الفاسدين فيه، ولكن هذا الوعي لم يكن شاملا ولا عميقا، وبقي وعيا عفويا فأنتج بدوره حراكا عفويا، وبذلك عانى هذا الحراك من نقص خطير على مستواه الذاتي، فلم يمتلك ما يكفي من وضوح أسباب المشكلة وجلاء رؤية الحل ودقة تحديد الهدف وكفاءة تنظيم الجهود الثورية وتوحيد صفوفها للمضي نحو هذا الهدف، ما أدى في المحصلة إلى تشوّش وتسطّح الرؤية، وتبعثر وتشتّت الجهود الثورية أو تسطحها أو توجهها في اتجاهات عقيمة أو هدامة.
بالطبع أسباب كل هذا نجدها في الواقع الموضوعي الذي قامت فيه حركات الربيع العربي نفسه، حيث لعب هذا الواقع دوره الجوهري في إنتاج الحالة الثورية في خطوطها العريضة، ولكنه عاد فانعكس عليها سلبا على مستواها الذاتي، فأفقده العديد من التفاصيل الجوهرية اللازمة لاستكمال العملية الثورية، فالجماهير العربية التي تحركت وقامت ضد حكامها بسبب الجور والفساد السائدين، تمحورت لديها رؤية الخلاص من هذين الجور والفساد على الخلاص من أنظمة التسلط السياسية القائمة، فعدا أنها في تركيزها على هذه النقطة أغفلت أهمية دور ومدى سوء الأوضاع الاقتصادية في بلدانها، فهي أيضا لم تتعدَ ما تقدم بشكل فاعل إلى رؤية تغييرية شاملة لمجمل البنية الاجتماعية السياسية بكل ما فيها من عوامل التخلف والرثاثة والفساد، ولاسيما على مستوى موروثها الثقافي وتقاليدها الاجتماعية ورجعيتها الدينية، وعدا عن ذلك فهذه الجماهير الثائرة عفويا كانت تفتقد إلى القيادة المنظمة التي تعبئها وتوجهها بالشكل المطلوب لإتمام العملية الثورية والوصول إلى الغاية المطلوبة، التي لم تكن هي بحد ذاتها أيضا واضحة، فهذه الجماهير التي كانت تريد نظاما أفضل أو دولة أفضل، كانت تراهما كذلك بخطوطهما الشديدة العمومية، ولم تمتلك أية رؤية دقيقة المعالم لهما، فبقيا في تصوراتها فضفاضين وهلاميين وتأرجحا كثيرا بين الديمقراطية والمدنية والإسلامية وسواها..
وبالطبع هذه الوضعية الفقيرة ذاتيا التي وجدت ثورات الربيع العربي فيها نفسها، هي بشكل رئيس ثمار اشتركت في انتاجها الديكتاتوريات القائمة والموروث التاريخي البالي والتدخلات الأجنبية، فهذه الديكتاتوريات التي تحالفت فيها السلطات السياسية والدينية والاجتماعية التقليدية والقوى الاقتصادية الطفيلية وأصحاب المصالح الانتهازية، وسواها من القوى المستغِلة والمكرِّسة لثقافة التخلف الموروثة منذ انهيار الحضارة العربية الإسلامية.. والمترسخة في مرحلة الاحتلالين العثماني والغربي، منعت-أي الديكتاتوريات وحلفائها- انتشار الثقافة العقلانية العلمية الحديثة، كما منعت معها كل أشكال التعبير الجماهيري الحديث المتمثلة بالتنظيم في أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني، ولم تترك لشعوبها سوى البنى التقليدية المتمثلة بالطائفة والقبيلة والملة، وليس هذا فحسب.. بل رسخت هذه البنى واستغلتها، أما ما تبقى من بني سياسية أو مدنية حديثة، فقد أقصيت إلى الهوامش بفعل القمع والملاحقة من ناحية، وبفعل عدم تمكنها هي نفسها من مواكبة تطورات العالم الحديث المتسارعة، فبقايا الأحزاب السياسية التقليدية مثلا، جلها أحزاب قومية أو يسارية أو دينية، واليساري والقومي فيها ليس بأقل أصولية وسلفية من الإسلامي، ومعظمها يعتمد في تفكيره على أساليب متقادمة، قد تجاوزها إلى حد كبير العالم الحديث، هذا عدا عما كان في هذه الأساليب نفسها عند نشأتها من إيمانية وعاطفية وتقليد اتباعي للعالم المتقدم، وبهذا الشكل فقدت هذه الأحزاب جماهيريتها وأدوارها الجماهيرية .
وهكذا افتقرت حركات الربيع العربي إلى الثقافة والتنظيم الثوريين الكافيين، فلم تنتج حالة ثورية صلبة يمكن مقارنتها مثلا بالثورة الروسية أو الثورة الصينية.. اللتين امتلكتا درجات عالية من ثقافة التغيير المتبلورة وتعبئة التغيير المنظمة، وكانت تقودهما أحزاب طبقية عالية التنظيم، تستند على فلسفة ثورية عالمية حديثة وتقف ورائها طبقات كادحة متماسكة، وهذا ما أمنته التنظيمات الشيوعية المستندة إلى الفكر الماركسي، أو كالثورة الفرنسية التي كانت تقودها طبقة جديدة ناضجة أيضا هي الطبقة البرجوازية التي تستند أيضا على المنجزات الفكرية والعلمية الحديثة لعصر التنوير، وكانت تنتمي إلى حالة نهوض اجتماعي عام في المجتمع الفرنسي دخلها عموما في "عصر النهضة"، وبدوريهما كانت مثلها كل من الثورتين الروسية والصينية تنتميان في بلديهما إلى دينامية تقدم اجتماعي عامة، فيما تركّز ما تمتلكه الشعوب العربية من عوامل التغيير على الإحساس العام بضرورة التغيير والرغبة فيه بشكل عفوي، في محيط تحكمه ديكتاتوريات شرسة وتنشر فيه ثقافة دينية متضخمة متطرفة لديها الكم الكبير من المفرزات التعبيرية المنظمة الناشطة المتمثلة بحركات وتنظيمات الإسلام السياسي.. وتتسلط عليه قوى خارجية إقليمية ودولية خبيثة المطامع وشديدة السطوة وكبيرة القدرة على صنع الحدث أو استغلاله ودفعه في المسارات التي تخدم أغراضها.
4- ما هو سبب الحضور الثقيل للإسلام السياسي في الربيع العربي؟
رغم عفوية الحراكات الجماهيرية في بلدان الربيع العربي، فسرعان ما رجحت كفة الإسلام السياسي فيها، ليصبح بامتياز القوة الأكبر والأكثر تأثيرا فيها، وهذا ليس غريبا على وضع كالوضع الذي تتخبط فيه المنطقة العربية، التي فشلت فيها كل المشاريع المدنية التقدمية كالدولة الوطنية والوحدة القومية والاشتراكية، ولم يكن لليبرالية فيه حضور يذكر، هذا إضافة إلى الهزائم والنكبات والنكسات والخيبات المتكررة والتناحرات العربية العربية، من نكبة الـ 48 إلى هزيمتي الـ 67والـ 82، واحتلال العراق للكويت، واحتلال أمريكا للعراق، وهلم جرى، ويضاف إلى ذلك أيضا وقوع كافة البلدان العربية تحت سيطرة أنظمة متسلطة تجمع بين الاستبداد والفساد والإفقار والتخلف والتبعية للخارج، ما يجعل في المحصلة الدين ملجأ وخلاصا يهرب إليه (المواطن) المحبط من بؤس واقعه الشامل بحثا عن تعويض أو بديل دنيوي أو آخروي، وبنفس الوقت قامت الأنظمة الحاكمة المتسلطة بالتحالف مع المؤسسة الدينية التقليدية، التي تهيمن عليها بدورها الغيبية والسلفية، فمكنت هذه الأنظمة المؤسسات الدينية من نشر وترسيخ خطابها الغيبي اللاعقلاني المتشدد، ومع إفلاس بقية البدائل الثقافية والسياسية التي فشلت في تحقيق مشاريعها الخاصة، والذي ضاعف سوءه وحدته قمع نشاطات هذه البدائل ومطاردتها من قبل الديكتاتوريات الحاكمة، ومع تفشي القمع والقهر والفقر الذي تمارسه هذه الديكتاتوريات، وبوجود قوى دينية رجعية ناشطة ترتكز على موروث تاريخي متردي وتحظى بدعم وتأييد السلطات الحاكمة المتسلطة، انتشرت وهيمنت ثقافة دينية لاعقلانية متشددة، ونما فيها التطرف والتعصب.
وعندما وصلت حالة التردي الاجتماعي إلى نقطتها الحرجة، وانطلقت ثورات الربيع العربي، لم يكن في بلدان هذا الربيع أية قوى مدنية أو سياسية حديثة يمكن لها أن تلعب دور الناظم أو الموجه أو الموحد للجماهير المتحركة، فاستغل الإسلام السياسي غياب الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمعات المدني التي يمكنها أن تلعب هذا الدور، وملأ الفراغ الناجم عن غيابها، ليتبوأ مركز الصدارة والقيادة في حراكات الجماهير ويدفعها وفقا لرؤاه وغاياته، ويسخرها لتحقيق مشروعه المسمى بـ "الحل الإسلامي"، وبما أن الإسلام السياسي التقليدي متشدد أو متطرف ومتسلف ومستبطن للعنف بطبيعته، فقد أدى هذا إلى دفع هذه الحراكات في مسارات وأجندات لا تخدم قطعا جماهيرها ..بل العكس، حيث أدى هذا إلى نمو الحركات والتنظيمات التكفيرية الإرهابية، وإلى صراع الفصائل الإسلامية المسلحة على مكاسب عابرة، كما دفع المنطقة في كثير من الأحيان باتجاه العنف الطائفي، وغدا غطاء للديكتاتوريات الحاكمة لتمارس أقصى درجات العنف ضد جماهيرها الثائرة بذريعة محاربة الإرهاب، التي استخدمتها أيضا القوى الإقليمية والدولية الطامعة لتبرير تدخلاتها المغرضة كما حدث ويحدث في سوريا واليمن وليبيا والعراق وسواها.
5- دور الجيوش العربية في الربيع العربي:
«ليس هناك شك في أن مصير أي ثورة في مرحلة معينة يتم تقريره عن طريق التغير في موقف الجيش، فضد قوة عسكرية كبيرة ومنضبطة ومسلحة تسليحا جيدا ويقودها قادة مهرة، لا يمكن أن تفوز الجماهير الشعبية غير المسلحة أو شبه المسلحة. لكن كل أزمة وطنية عميقة لا يمكنها، بدرجة أو بأخرى، إلا أن تستولي على الجيش».
هذا ما يقوله المفكر والقائد الماركسي الشهير ليف (ليون) تروتسكي في الجزء الأول من كتابه "تاريخ الثورة الروسية" المنشور عام 1930عن دور الجيش في الثورة، ويضيف حول إمكانية انضمام أو انحياز الجيش: «إن انتقال الجيش إلى جانب المتمردين لا يحدث من تلقاء نفسه وليس نتيجة التحريض وحده. الجيش ليس متجانسا، وعناصره المتضادة يوحدها رهاب الانضباط، والجنود الثوريون حتى عشية الساعة الحاسمة لا يعرفون مدى قوتهم وما هو التأثير الذي يمكن أن يحدثوه... إن الجنود الثوريين المتعاطفين والمتذبذبين والمعادين يظلون ملزمين بالانضباط القسري الذي تتركز خيوطه حتى اللحظة الأخيرة في قبضة الضباط»([22]).
أما دكتور جامعة يال المعاصر في علم الاجتماع جان باتيست غالوبن (Jean-Baptiste Gallopin)، فيقول في مقال له بعنوان "الاحتجاج لا يكفي لإسقاط ديكتاتور: يجب أن يتحول الجيش أيضًا" منشور عام 2019: «مهما بدت سلطة زعيم استبدادي فردية، فالطغاة لا يحكمون وحدهم، فعندما تتنكر قوى السلطة لواجبها أو تتمرد، ينهار النظام، أما عندما تبقى على ولائها، فيصمد النظام، والاحتجاجات الجماهيرية وحدها لا تكفي أبدا!».
ويضيف غالوبين عن دور هذا التحول في القوات الحكومية أثناء الثورة التونسية:
«خلال الثورة التونسية، بدأ التمرد الذي أدى في النهاية إلى هروب الرئيس زين العابدين بن علي من السلطة في 14 يناير 2011 في وحدة شرطة النخبة التي تم نشرها بشكل استثنائي لحماية وزارة الداخلية من أكبر مظاهرة حتى ذلك الوقت. عندما سار المتظاهرون إلى القصر الرئاسي، امتد العصيان إلى قوات الأمن الأخرى، واضطر بن علي إلى الفرار بعد ساعات. عندما تحولت الشرطة، سقط النظام.» ([23]).
نعم ذاك ما كان الحال عليه في تونس، وفيه نرى حالة تجسيد مباشر لكلام كل من تروتسكي وغالوبين، الذي نرى تجسيده أيضا في مواقف وسلوكيات الجيوش الأخرى في بلدان الربيع العربي، التي اختلفت عن الحالة التونسية.
فالأنظمة العربية السلطانية التي يستشري فيها الترهل والفساد هي كأية أنظمة استبداد أخرى تعتمد بشكل رئيس على جيشها وأجهزة أمنها لتثبيت حكمها، الذي لا يقوم ولا يستمر إلا بالقوة والعنف، ولذا يصبح موقف الجيش باعتباره القوة الضاربة الرئيسة حاسما في المسار الذي تأخذه الثورة الشعبية والنتيجة التي تصل إليها.
بالطبع.. طبيعة وسياسة النظام الحاكم وسلوك الجيش في أي بلد تقليدي هي أمور مترابطة وهي جدلية العلاقة مع الظروف الاجتماعية والتركيبة الإثنية والطائفية لسكان هذا البلد، وهي أيضا تؤثر وتتأثر بالعوامل والمواقف الخارجية التي يتعرض لها هذا البلد والعلاقات الخارجية القائمة بينه وبين القوى الفاعلة إقليميا ودوليا، وكل هذا ينعكس كعوامل موضوعية على أية ثورة عند قيامها، ويؤثر بقوة على مصيرها، وهذا يفسر الاختلافات الكبيرة في مواقف الجيوش في بلدان الربيع العربي من حراكات هذا الربيع ومساراته ونتائجه.
في تونس مثّل موقف الجيش حالة استثنائية تقريبا في الربيع العربي.. إذ أنه لم يقف ضد الثورة، ولم يحاول ركوب موجتها أو السعي للهيمنة أو الالتفاف والانقلاب عليها، بل تركها تتابع مجراها بشكل سلمي، وهذا ما صنع عملية ثورية تطورية سليمة بناءة، ويمكن إرجاع سبب هذا إلى أن تونس دولة ومجتمعا هي أقرب نسبيا بكثير إلى معايير الدولة الحديثة من سواها من الدول العربية، رغم ما كان في منظومتها السياسية الاجتماعية من فساد عام.. يجعل ذلك القرب نفسه غير كاف قطعا بالمعايير المطلقة.
في مصر لم يحم الجيش نظام مبارك في ثورة 25 يناير2011، ولكنه لم يدع الثورة تقيم نظامها، إذ سرعان ما انقلب هذا الجيش عليها في انقلاب3 يوليو 2013الذي تحول عمليا إلى ثورة مضادة، وهذا عائد إلى كون الجيش المصري منذ ثورة 23 يوليو 1952وحتى اليوم معتاد على أن يلعب الدور الرئيس في السلطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبعد ثورة يناير التي أدت لاحقا إلى استلام الإخوان المسلمين الحكم مؤقتا، كانت سياسات الإخوان الفاشلة خلال فترة حكمهم.. عاملا رئيسا استغله الجيش لاستعادة السلطة في انقلاب مغلف بغلاف ثورة شعبية ضد الحكم الإخواني.
في اليمن حدث شيء مشابه، فالجيش لم يقف مع علي عبد الله صالح ضد الثورة، لكنه قام لاحقا بالتعاون مع بالحوثيين بالتمرد على الحكومة الشرعية لـ عبد ربه منصور هادي.. التي نتجت في محصلة الثورة، ما أدخل اليمن في دوامة حرب أهلية جديدة، كان المرجو من ثورة 2011 أن تخرج اليمن من مسلسلها المتكرر، وبالطبع هذا السلوك من الجيش اليمني لا ينفصل عن الظروف المضطربة في اليمن والانقسامات الحادة طائفيا وقبليا، والتي تشكل دوما عاملا أساسيا تستغله التدخلات الخارجية، وإيران اليوم هي أبرز المتدخلين على الساحة اليمنية.
في ليبيا بقي الجيش على ولائه للقذافي، رغم ما حصل فيه من انشقاقات، وحاول بالقوة قمع المعارضين الثائرين، ما تسبب بعسكرة الثورة، وأدخل البلاد في حرب أهلية، لم تنته مفاعيلها حتى بعد سقوط نظام القذافي؛ شيء مشابه حدث في سورية، حيث بقي الجيش فيها مواليا للنظام الحاكم، واستخدم العنف ضد المعارضين، وقد كان هذا أحد أسباب وقوع البلاد في حرب كارثية، وجعلها مسرحا لصراعات المصالح الإقليمية والدولية.
وحتى اليوم لم تنه بعد المواجهات العسكرية في كل من ليبيا وسوريا واليمن، ولا تبدو نهايتها قريبة، وقد لعبت العوامل الإثنية والطائفية والقبلية والتدخلات الخارجية الخبيثة والرهانات المغامرة لبعض المعارضين أدورا جد هامة في الصراعات العنيفة التي نشبت في هذا البلدان، لكنها تختلف بين بلد وآخر، ففي اليمن كان العاملان الطائفي والقبلي هما الغالبين، أم ليبيا فقد لعب العامل القبلي فيها دورا هاما، بينما اجتمع في سوريا كل من العاملين الطائفي والإثني..وهذا ما ينطبق أيضا على العراق!
ومن المهم أيضا التنويه إلى عامل هام على الساحتين السورية والليبية، وهو "طبيعة النظامين الثورجيين" فيهما، وكلاهما نظامان جاءا نتيجة انقلابين عسكريين، تم تسويقهما على مر عقود كثورات تقدمية، وبذلك نشأت حالة من التماهي غير المباشر بين السلطة الحاكمة والقوى العسكرية في هذين النظامين، وهذا ما كان عليه حال النظام العراقي قبل أن يسقطه الغزو الأمريكي 2003.
لكن بالمقابل.. جاءت الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي في الجزائر والسودان ولبنان والعراق أقل عنفا بكثير، وأقل إسلامية، والعامل الأكثر رئيسية في ذلك هو عدم وقوف الجيش ضد هذه الثورات أو انقلابه عليها، لكن مع ذلك ففي الجزائر والسودان.. الجيش لم يترك المعارضة تحسم الموقف بالكامل، وما زال الجيش في كلتا البلدين يلعب دورا كبيرا في السياسة، أما في العراق ولبنان، حيث الجيش هناك ضعيف.. وثمة مليشيات قوية تنافسه في القوة العسكرية كحزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق، وكلاهما مواليان للنظام القائم في كل من البلدين، فالسجال ما يزال قائما بين النظام والثورة الشعبية.
أما البحرين، فقد تم قمع الثورة فيها بتدخل خارجي قامت به السعودية بالتعاون مع بقية دول الخليج، وهناك لم يتمكن الجيش البحريني من القيام بأي دور حاسم خاص.
لكن إذا ما تأملنا في بلدان الربيع العربي باستثناء لبنان والعراق والبحرين والأردن، فسنجد أن بقية الدول (تونس، مصر، ليبيا، اليمن، سوريا، الجزائر، السودان) كلها كان يحكمها حكام جاؤوا من خلفيات عسكرية، وبقيوا مرتبطين بعلاقة وثقى مع الجيش، ما يعني أن الدولة غير مفصولة عن الجيش والقوى العسكرية في هذه البلدان، التي أصبح فيها فعليا "الجيش جيش النظام" أو "النظام نظام الجيش"، وهذا ما يجعل الجيش فيها عادة يجد نفسه في مواجهة أية معارضة أو ثورة ضد النظام الحاكم، بصفته جزءا رئيسا من هذا النظام، ويقلص بالتالي خيارات العلاقة ويجعلها حرجة بين الجيش وهذه القوى الناهضة ضد النظام الحاكم.
مع ذلك، فقد رأينا على أرض الواقع.. مواقف مختلفة للجيوش العربية، ومن هذه المواقف يتبين لنا ما يلي:
-أنه كلما كان موقف الجيش من الثورة الشعبية أكثر سلمية وحيادية، كانت النتائج أفضل للبلد وللجيش نفسه.
-أن محاولة قمع الثورة الشعبية بالقوة، لا تنجح بإبقاء النظام القديم على حاله، ولكنها تجر البلاد إلى صراع مسلح وخيم النتائج على كل الأطراف المتورطة فيه.
- أن الانقلاب على الثورة -كما في الحالة المصرية- لا يلغي مفاعيل الثورة واستحقاتها، فهو يمنح المنقلبين بعض الوقت لا أكثر، لكنه لا يلغي الأسباب الموضوعية المتردية التي تسببت بقيام هذه الثورة، ولا يلغي المتغيرات الثورية الإيجابية التي أحدثتها هذه الثورة في الوعي الجمعي كوعي الظلم ومشروعية الثورة والثقة بإمكانية التغيير الثوري نحو الأفضل، وما شابه.. وما تزال المؤشرات على الساحة المصرية تؤكد عدم قدرة "نظام السيسي" على الاستقرار كحالة محدّثة من "نظام مبارك"، وهذه المؤشرات تعني أن مصير نظام السيسي لن يختلف عن مصير نظام مبارك إن هو تابع انتهاج سياسة مشابهة له.
6- الربيع العربي بين السلمية والعنف:
فكرة المقاومة السلمية أو اللاعنفية.. قديمة في التاريخ حيث يرد على لسان السيد المسيح: « رد سيفك إلى مكانه. لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون!.» (إنجيل متى 26: 52).
كما يقول بوذا: «لئن كانت البغضاء ردا على البغضاء، إذا كيف ستنتهي البغضاء وإلى أين ستؤدي؟»([24])،
هذه الفكرة التي كانت مرتبطة قديما بالميادين الروحية والأخلاقية، انتقلت في عصرنا الحديث إلى ميدان السياسة، والنضال من أجل الحقوق الإنسانية المختلفة ضد سالبيها، وقد لعب مفكرون وقادة كبار أدوراهم الجوهرية في ذلك منهم: الفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو، والروائي والمفكر الروسي ليف (ليون) تولستوي، والزعيم السياسي والروحي الهندي المهاتما غاندي، والقس والمناضل الأمريكي الأسود مارتن لوثر كينغ، والزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا، والناشطة الأمريكية الأفريقية سوجورنر تروث (Sojourner Truth)، التي ناضلت لإلغاء العبودية في أمريكا، والمصلحة الاجتماعية سوزان أنتوني الأمريكية(Susan Brownell Anthony)، التي طالبت بإعطاء المرأة حق التصويت في الانتخابات، والعديدون سواهم من الرجال والنساء.
ووفقا للباحثة في العلوم السياسية بجامعة هارفارد إيريكا شينوويث (Erica Chenoweth)، "العصيان المدني ليس خيارا أخلاقيا فحسب، بل ثبت أيضا أنه أكثر قوة وفعالية بمراحل من جميع أشكال الاحتجاج الأخرى في تشكيل المشهد السياسي العالمي.
فبعد تحليل مئات الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت على مدى القرن الماضي، خلصت شينوويث إلى أن فرص نجاح الحراك الشعبي السلمي أعلى من فرص نجاح الاحتجاج غير السلمي في تحقيق أهدافه بمقدار الضعف، وأن مشاركة 3.5 في المئة من السكان مشاركة فعالة في الاحتجاجات تضمن حصول تغيير سياسي حقيقي"([25]).
وبالفعل فقد تمكنت حركات المقاومة السلمية من تحقيق العديد من الإنجازات الكبيرة على الساحة الدولية، إذ تمكن غاندي من تحرير الهند من الاستعمار البريطاني، ونجح مانديلا في القضاء على نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، واتخذت في أمريكا العديد من الإجراءات ضد التمييز العنصري، وكان من ثمارها وصول باراك أوباما الإفريقي الأصل إلى كرسي الرئاسة، وقبلها بزمن طويل ألغيت العبودية، وحصلت النساء على حق التصويت، ثم أقرت المساواة التامة بين المرأة والرجل، وبين كافة الأعراق والقوميات، وهكذا دواليك...
أما على الساحة العربية قبل انطلاقة الربيع العربي، فكانت الساحة الفلسطينية هي تقريبا الميدان الوحيد الذي تطرح فيه فكرة المقاومة السلمية، ورغم أنها نجحت فعلا في إطلاق انتفاضتي1987 و 2000 الكبريين، اللتين واجهت فيهما الجماهير الفلسطينية الاحتلال الإسرائيلي فقط بالحجارة، ولفتتا أنظار العالم، وجعلت أولاهما مصطلح "انتفاضة" (Intifada) عالميا، إلا أن فكرة المقاومة السلمية ووجهت عربيا وفلسطينيا بالكثير من التشكيك بجدواها.. بل وأحيانا بصدقيّتها، فيما رأى البعض أنها من أساسها لا تناسب المجتمعات العربية والإسلامية، المعتادة على فكرة الجهاد المسلح (رغم سعة مفهوم الجهاد في الإسلام).
إلا أن الربيع العربي أثبت أنه من الممكن تماما للمقاومة السلمية أن تنجح في هذه المجتمعات ليس بأقل من سواها، والنجاح هنا يعني ليس فقط النجاح بتحقيق الثورات لأهدافها، بل بنفس القدر النجاح في قيامها، حتى وإن لم تفز بتحقيق غايتها؛ وقد تمكنت تونس من تدشين نجاح مزدوج في الأداء والنتيجة، وهذا ما حدث أيضا بدرجة ما في المغرب، وكذلك في مصر، ثم اليمن، وإن انتكست التجربة فيهما لاحقا، وحتى في سوريا بدأ الحراك سلميا، وكان من الممكن له أن يستمر في سلميته، لولا تعنت ممثلي النظام ولجوئهم إلى العنف، ورهانات بعض عناصر المعارضة بدورهم على العنف، والتدخلات الأجنبية التي يخدم مصلحتها هي الأخرى الاستثمار في العنف.
هذا ما حدث في الموجة الأولى من الربيع العربي، واستمر بشكل أكثر سلمية في موجته الثانية التي امتد فيها إلى الجزائر والسودان والعراق ولبنان.
أما العنف الذي تورطت به بعض ثورات الربيع العربي، كما هو الحال في سوريا وليبيا واليمن، فهو لم يكن خيار هذه الثورات، ولكنها دُفعت إليه من قبل أكثر من طرف، ويتحمل الوزر الأكبر في هذا الأنظمة المتسلطة في هذه البلدان التي كانت دوما تراهن على العنف، وينطبق عليها قول جون كينيدي: «إن أولئك الذين يجعلون الثورة السلمية مستحيلة، يجعلون الثورة العنيفة محتومة»([26]).
مع ذلك، فقد برهن الربيع العربي أن "المقامة السلمية" رغم ما واجهته وتواجه من عقبات حتى الآن، يمكنها، بل ويجب عليها، أن تكون خيارا استراتيجيا للشعوب العربية لمواصلة نضالها لتحقيق أهدافها في بناء دولها ومجتمعاتها الإنسانية المتطورة الحديثة.
7- العامل الخارجي ودوره الخطير وملابساته:
ذُكر أعلاه أن الظروف الدولية المؤاتية وفقا للسوسيولوجي الأمريكي جاك غولدستون هي واحد من العوامل الرئيسة التي يعتمد عليها قيام ونجاح الثورة.
وإذا ما نظرنا في تاريخ الثورات، فسنجد الكثير من الأمثلة الواضحة على أهمية العامل الخارجي بالنسبة للثورات:
فانقلاب 1953 في إيران على رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا محمد مصدق، الذي نفذه الجنرال فضل الله زاهدي، تم تدبيره والتخطيط له من قبل المخابرات البريطانية والمخابرات الأمريكية، وهذا ما اعترفت به المخابرات الأمريكية([27])، وقد كان أحد أسباب هذا إقرار قانون تأميم النفط عام 1951م، والذي شمل شركة النفط الأنجلو-إيرانية.
سيناريو مشابه حدث في تشيلي عام 1973، حيث قام الجنرال أوغستو بينوشيه بدعم من الولايات المتحدة بانقلابه الدموي على الرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور ألليندي، فقد كانت الولايات المتحدة تخشى من انتشار الحراك الاشتراكي في أمريكا الجنوبية، وهذا ما كان ليعززه نجاح حكومة اشتراكية في تشيلي([28]).
وبالمقابل لعب الاتحاد السوفيتي بدوره أدوارا مشابهة، حيث قام بالتدخل العسكري المباشر في المجر وقضى على الانتفاضة المجرية عام 1956 بالقوة، ثم كرر الأمر في تشيكوسلوفاكيا عام 1968، وقضى على الحركة الإصلاحية التي كان يقودها ألكسندر دوبتشيك، ثم تدخل أيضا في أفغانستان عام 1979 فأرسل قواته لدعم حكومة حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني ضد الفصائل الجهادية المسلحة المعادية التي كانت تساندها أمريكا.
وهذه بضعة أمثلة فقط على التدخلات الخارجية وأدوارها، وقد كانت عواقبها وخيمة على هذه البلدان، فقد وقعت تشيلي تحت ديكتاتورية بينوشيه قرابة عقد ونصف، فيما عاد الشاه ليحكم إيران بشكل مستبد فاسد، كما حكمت الأنظمة الشمولية البيروقراطية كلا من تشيكوسلوفاكيا والمجر حتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، أما أفغانستان فقد أدخلتها في حرب أهلية، قادت في المحصلة إلى وقوعها تحت سيطرة حركة طالبان الإسلامية المتطرفة.
وهكذا أحبطت هذه التدخلات الثورات والحركات التي كان بمقدورها أن تقود بلدانها إلى ما هو أفضل، وبالمقابل دفعت هذه البلدان إلى ما هو أسوا، فإما وضعتها في أيدي أنظمة مستبدة فاسدة، أو دفعتها إلى صراعات داخلية مخربة.
أما بالنسبة للمنطقة العربية، فهي بدورها تعرضت ومازالت تتعرض لمثل هذه التدخلات الخطيرة، فبعد وقوع الدول العربية تحت الاستعمار المباشر خلال القرنين 18 و19، وما اقترن به من الانقلاب على الثورة العربية الكبرى في المشرق العربي، تابعت التدخلات الأجنبية عملها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي شهدت حراكا قويا للتحرر الوطني عربيا وعالميا، فصنع الاستعمار الغربي القديم إسرائيل، ثم احتضنها ودعمها بشكله الحديث لخدمة مصالحه في المنطقة على حساب مصالح شعوب هذه المنطقة، وعدا عن ذلك، فقد انعكست الحرب الباردة بقوة على الساحة العربية، ووضعت البلدان العربية في حالة تبعية إما لحلف وارسو أو لحلف الأطلسي، في وقت كان فيه كلا من الحلفين المتنافسين بشراسة لا يهتم إلا بولاء الحكام العرب له.. ويدعمهم ويحتضنهم حتى وإن كانوا متسلطين مستبدين، قامعين ومستغلين لشعوبهم، وهذا ما استمر حدوثه حتى بعد نهاية الحرب الباردة، ثم ألقى بظلاله السلبية الكثيفة على مواقف القوى العالمية من ثورات الربيع العربي.
بالطبع كل التدخلات المذكورة أعلاه، دوليا وعربيا، هي تدخلات مرتبطة بالمصالح، وحصريا بالمصالح، وليس هناك بينها أي تدخل لمجرد التدخل، أو تدخل تحركه العواطف أو المبادئ أو ما شابه، والمنطقة العربية لا تستثنى قطعا من ذلك.
أما المصالح فتختلف، فهي قد تكون اقتصادية أو إستراتيجية أو سواها، وقد تكون محلية أو دولية أو قد ترتبط بالعلاقة مع طرف ثالث، وهكذا دواليك..
وفي هذه العلاقات المصطلحية، قد يحدث التدخل ضد نظام أو ضد ثورة إذا كان هذا التدخل يحمي مصلحة موجودة، أو يحقق مصلحة مطلوبة، فمثلا.. يمكن أن يحدث تدخل ضد ثورة إذا كانت هذه الثورة ضد حاكم يضمن بقاؤه مصلحة قوة إقليمية أو دولية ما، فيما تهددها الثورة، ويمكن أيضا أن يحصل العكس! كما أن العلاقة في بعض الحيان مع الأنظمة أو الثورات والمواقف منهما يمكن أيضا أن تكون مرهونا بالمنافسة بين الخصوم، كما كان الحال أثناء الحرب الباردة.
واليوم المواقف الإقليمية والدولية من البلدان العربية، وهي بالطبع تختلف بشدة بين بلد وبلد، بحسب ظروف وخصوصيات هذا البلد، هي مرتبطة بعاملين:
1- المصلحة المحلية التي تربط بشكل مباشر بين النظام الحاكم في البلد والقوة الخارجية.
2- العلاقة بين المتنافسين الخارجيين أنفسهم.
فعلى سبيل المثال يمكن القول أن التدخل الروسي في سوريا، أحد أهم أسبابه هو الخوف الروسي من فقدان نظام صديق لروسيا، واستبداله بنظام ينضم إلى الخندق الأمريكي.
أما عدم دعم المعارضة السورية من قبل أمريكا، فهذا أيضا سببه التخوف من تكرار التجربة الأفغانية، وانتقال السلطة إلى قوة إسلامية متطرفة.
أما حماية أمريكا للحكومات الخليجية، فهو مرتبط بشكل رئيس بالنفط، فمن مصلحة أمريكا والغرب بقاء واستقرار هذه الأنظمة التي تضمن لهم الحصول اليسير على هذا النفط.
وبما أن الأمر كله يرتبط بالمصالح، فمن المهم جدا أن نعي أن العالم المتقدم الذي يعي مصالحه جيدا، ويعرف كيف يحافظ عليها، يدرك أن من مصلحته اليوم التعامل مع نظم ديمقراطية تشبهه، أي نظم "ديمقراطية رأسمالية"، ولكن عندما لا يكون هذا الخيار متوفرا، ويكون على هذا العالم أن يختار بين ديكتاتور موال وآخر معارض أو موال لمنافس، أو حاكم إسلامي متطرف، أو نظام إيديولوجي يساري أو شعبوي متطرف، فهو بكل تأكيد يفضل الديكتاتور الموالي.
واليوم على الساحة العربية، ما يزال هذا العالم الرأسمالي المتقدم يرى بشكل رئيس قوتين رئيستين على الساحة العربية، وهما الديكتاتوريات الحاكمة والبدائل الإسلامية المتطرفة، ولذا فهو يفضل الديكتاتوريات الحاكمة.. طالما أنها موالية، وبالأدق خاضعة، أما القوى الديمقراطية العربية، فهي حتى اليوم -بنظر الغرب- لا يعوّل عليها، ولا يمكن المخاطرة بالرهان عليها، ولذا لا نجد دعما حقيقيا لحراكات الربيع العربي من قبل القوى الدولية، وما نجده إما فتورا نحوها أو عداء صريح لها، وما يعزز هذه المواقف رجحان نفوذ الإسلام السياسي في هذه الحراكات من ناحية، ورسوخ علاقة طويلة الأمد مع الأنظمة المتسلطة تضمن مصالح هذه القوى الدولية من ناحية ثانية، والمنافسة الحادة بين بعض هذه القوى -كأمريكا وروسيا- من ناحية ثالثة.
هذا ما يتعلق بالدول الصناعية الكبرى، مع إضافة عامل آخر بالنسبة لروسيا، التي تخشى انتقال عدوى الإسلام السياسي إلى جنوبها المسلم، وللصين التي لديها مثل هذا التخوف في مقاطعاتها الإسلامية، إضافة إلى كون النظام الصيني نفسه نظاما استبداديا، ما يجعله يخشى بدوره امتداد الجانب الديمقراطي في ثورات الربيع العربي إلى شعبه.
وعن ذلك يقول كينيث روث في التقرير العالمي لهيومان رايتس ووتش 2012: « لقد سمحت الحكومات الغربية بـ "الاستثناء" العربي لأنها كانت تعتقد أن أفضل من يخدم مصالحها في المنطقة هم الحُكام المستبدون، بوعدهم الوهمي بـ "الاستقرار"، وفضلت هذا الاختيار على مسار الحكومات المنتخبة المليئة بالاحتمالات.» ([29]).
أما عن موقف الغرب من الإسلام السياسي فهو يقول في نفس الموقع: «الحكومات الغربية وحلفاؤها لطالما نظروا إلى الإسلام السياسي نظرتين لا نظرة واحدة -إذ تدعم الإسلام السياسي عندما تراه مفيداً لمواجهة عدو مرهوب الجانب (المجاهدين ضد السوفييت، حماس ضد منظمة التحرير الفلسطينية) أو عندما تلتقي مصالحه مع الغرب (السعودية مثالاً). لكن عندما يتحدى الإسلام السياسي الحكومات الصديقة، يصبح حذر الغرب عميقا»([30]).
هي إذا براغماتية الغرب التي تفضل اليوم السلاطين المضمونين على إسلام سياسي يتبنى خطابا وسلوكا متطرفين ومعاديين للغرب عموما، ولاسيما أن هذا "الإسلام السياسي" يصلح أيضا كفزاعة لتخويف الشعوب الغربية من خطر الإرهاب ودفعها للالتفاف حول حكوماتها.. بدلا من التفرغ لمسائلتها ومطالبتها بالكثير من المسائل الحساسة والحرجة التي تتعلق بحقوق هذه الشعوب ومشاكلها المعيشية.
عدا عن تلك المواقف الدولية، ثمة أيضا المواقف الإقليمية، فلدول المنطقة غير العربية أيضا حساباتها، ولكنها قوى من الدرجة الثانية، ومواقفها لا يمكنها أن تتموضع في موضع تضاد تام مع مواقف القوى الدولية، لذا تأتي عادة متناسبة أو متوافقة معها، وموقف تركيا المتأرجح بين أمريكا وروسيا في سوريا هو مثال على ذلك.
ما لا شك فيه أن العامل الخارجي كان له الكثير من الانعكاسات السلبية الشديدة التأثير على حركات الربيع العربي، التي تواجه تحديات جمة وضخمة على ساحاتها الداخلية لأسباب مختلفة، يتداخل فيها الذاتي والموضوعي.
ومع ذلك، فإن حراكا ثوريا ديمقراطيا ناضجا ومتبلورا وواضح الرؤية على الساحة العربية، يستطيع أن يحدث فرقا، وأن يفرض اعتباره واحترامه على القوى الدولية، ويدفعها لتغيير موقفها منه، وليس أمام الثوريين الديمقراطيين في البلدان العربية إلا أن يعتمدوا على أنفسهم لإنتاج ذلك، وأن يستفيدوا من مفاعيل ودروس التجربة التي خاضوها حتى الآن لتطوير حراكهم الثوري.
8- حصيلة الموقف:
مما تقدم يمكننا أن نوجز أن ثورات الربيع العربي التي قامت نتيجة بلوغ الواقع المتردي في بلدانها ذروته الحرجة، وامتلكت ما يكفي من الإحساس والوعي بالظلم القائم في بلدانها لتأسس حالة ثورية.. تمكنت بدورها من أن تتحول إلى فعل ثوري ضد هذا الظلم وعليه ممثلا بأنظمة القمع والفساد المتخلفة المتسلطة المتحكمة في بلدان هذا الربيع وسواها من البلدان العربية الأخرى، التي لم يمتد إليها الحراك الثوري بعد.
لكن هذه الحراكات الثورية افتقرت بشكل كبير إلى القيادة والتنظيم والرؤية الثورية والدعم الخارجي البناء، فجاءت في معظم الأحيان حراكات شعبوية خلاصية فوضوية يسهل انحرافها ونزاعها واستغلالها.
وإذا ما نظرنا إلى هذه الحراكات من منظور جاك غولدستون الذي سبق ذكره مثلا، فسنجد أن هذه الحركات امتلكت ما يكفي من السخط الجماهيري، دون امتلاك الآليات اللازمة الكافية لتحويله إلى حالة من التعبئة الجماهيرية الثورية الحاسمة، وهذا مرتبط بشكل رئيس بغياب التنظيمات السياسة والمدنية الفاعلة، والإيديولوجيا الثورية التي تستطيع تحديد أهداف الثورات وتوحيد صفوف الجماهير.
أما الظروف الدولية، أو العوامل الخارجية، فقد لعبت هي الأخرى أدوراها السلبية الضخمة في العديد من الحالات، وتحولت إلى تدخلات مباشرة في بلدان هذا الربيع.. إما تدفعه في أجنداتها أو تدعم الأنظمة الحاكمة ضده.. أو تستثمر فيه في لعبة محاربة الإرهاب بالشكل الذي يناسبها، وهلم جرى...وبالطبع، لا بد دوما من وعي خطورة التدخلات الخارجية، ولاسيما عندما تتم من قبل دول كبرى، فهذا العامل الخارجي في كثير من الأحيان يستطيع أن يكون فيصلا وحاسما في مآل الأمور.
وبعد ما تقدم، سيكون من المهم جدا علينا الإجابة عن سؤال"ماذا حققت ثورات الربيع العربي من نتائج على أرض الواقع، بعد تسع سنوات من بدابة هذا الربيع؟" ولاسيما أن كثيرين ولأسباب مختلفة يتحدثون عن فشل ذريع أو عائد سلبي لهذا الربيع .. كما يفعل الشاعر المعروف أدونيس -مثلا- الذي يرى أن الربيع العربي حقق الإنجازات التالية:
«أولاً ـ وسّعَت حدود هذا "الربيع" فصار الآن إسلاميّاً أيضاً.
ثانياً ـ كانت الغالبية الكبرى من سكّان العالم العربى فقراء، عاطلين من العمل، أمّيين... إلخ. اليوم صارت أكثر فقراً، وبطالة، وجهلا.
ثالثا ـ كانت الغالبية أكثر ميلاً للكفاح من أجل التقدّم والتحرّر، وهى اليوم، على العكس، أكثر ميلاً للخضوع إلى "عقليّة" التخلّف والتراجع. تركيا المثل الأوّل. السودان مثل آخر.
رابعاً ـ كان العرب أكثر سيطرة على ذواتهم وأدواتهم وثرواتهم، فصاروا اليوم أكثر قرباً إلى ما يناقض هذا كلّه. صارت "ذاتهم" لغيرهم، إذا تكلّمنا بلغة الفارابي: صاروا "أدواتٍ" و"آلات".
خامساً ـ الحضور العربيّ، اليوم فى العالم لا يقوم على التفرُّد العلمى أو التّقنى أو الأخلاقيّ، وإنّما يقوم، بالأحرى، على "الثّروات" والفضاء الاستراتيجيّ، والعدد السكّانيّ.
سادساً ـ أكّدَت "ثورات الربيع العربيّ" أنّها "تهديم ذاتيّ" و"تبعيّة" شبه عمياء. بحيث بدا، تاريخياً، أنّ العالم العربى ليس موجودا على خريطة العالم إلاّ بوصفه "يأكل بعضُه بعضاً" وبوصفه "تابعاً"، وبوصفه هوَساً سلطويّا لا يترك أى مجالٍ حقيقى لحقوق الإنسان الفرد وحرّيّاته. ولا مكانَ فيه إلاّ لهذا الثّنائيّ: الآمِر والمأمور، المالِك والمملوك، السيّد والعبد.
يتمثّل هذا "التّهديم الذّاتيّ" وهذه "التّبَعيّة" فى مصير القضيّة الكبرى والرمز الأكبر: فلسطين. فقد هُمِّشَت هنا، وأُهمِلَت هناك، وأُلغِيَتْ هنالك.
سابعاً ـ أكدت هذه الثورات، على رغم هذا كلِّه، أنّ العالَم العربى خزّان بشرى عظيم للطّاقات الإنسانيّة الفرديّة الخلاّقة فى جميع الميادين. وأنّ هذه الطّاقات تتفوّق على أقرانها، أحياناً، فى مختلف بلدان العالم. لكن لا سبيل لها، لكى تحيا بحرّيّة إلاّ الهجرة: كأنّها، على نحو مفارق، لا "تتعرّب" ما لم "تتغرّب".
والفاجع فى هذا الأمر أنّها ليست معيارا فى التقدّم أو التّخلّف. المعيار سياسيّ- اجتماعيّ- اقتصاديّ، وهو، إذا، فى "المؤسّسات" و"الأنظمة".
والمثال الصارخ على ذلك لبنان وسورية»([31]).
وبالتأكيد ما يقوله شاعرنا الكبير عن حال العالم العربي اليوم هو بكل أسف صحيح، وحاله أصبح عموما أسوا بكثير على صعد مختلفة منذ انطلاقة الربيع العربي، ولكن هذا الحال المزري لم يكن قطعا من صنع "الربيع العربي"، ولا يتحمل الربيع العربي نفسه ذنب زيادته سوءا، فالحال البائس الشديد التردي هو ما كان موجودا قبل انطلاقة الربيع العربي، والأهم من ذلك، أنه هو ما أدى إلى قيام ثورات الربيع العربي وليست هذه الثورات هي التي أنتجت ذلك الحال، وعليه فليس صائبا ولا موضوعيا أي طرح لا يرى الجدلية بين هذه الثورات والواقع الذي حدثت فيه، ولا يرى أن هذه الثورات هي نتائج موضوعية حتمية لذلك الواقع سواء أعجبتنا مجرياتها ومفاعيلها أم لا، وهذه المجاري والمفاعيل هي بدورها مشروطة بهذا الوقائع القائم، وإن كانت هذه الثورات قد جعلت الأمور أسوأ في أكثر من مكان وعلى أكثر من صعيد، فهذا ليس نتيجة سوء أو شر هذه الثورات بحد ذاتها أو طبيعتها، بل بسبب العوامل والظروف الموضوعية السيئة نفسها التي أدت إلى قيامها من ناحية، ثم عادت انعكست على هذه الثورات نفسها سلبا، فأدت إلى سوء النتائج هذا؛ وعدا عما تقدم فشاعرنا بدوره لا يقدم لنا بديلا خلاصيا لهذه الربيع، وكأن قدرنا المفروض كعرب هو أن نبقى تحت نير الديكتاتوريات ونستسلم لها.
إن موقف أدونيس -بالطبع- ليس موقفا فرديا، فمن وقفوا ضد الربيع العربي.. وحمّلوه وزر من تسبب به هو نفسه -كثورات شعبية شعبوية- نفسه عديدون، ودوافعهم وحججهم مختلفة، لكننا في هذا البحث للإجابة عن السؤال الذي طرحناه في مقدمة هذه الفقرة عن النتائج التي حققها الربيع العربي حتى الآن، سنقوم بالاسترشاد بالمعطيات التي يقدمها تقرير "مؤشر الديمقراطية" (Democracy Index) السنوي، الذي يصدر عن "وحدة الاستخبارات الاقتصادية" (Economist Intelligence Unit) في مجموعة الإيكونوميست البريطانية(Economist Group).
حيث يحتوي الجدول الأول مقارنة للمؤشرات الديمقراطية بين عامي 1010 و2019 لدول الربيع العربي وبعض الدول العربية الأخرى.
|
التقييم العام |
التصنيف |
متوسط النقاط |
الترتيب عام2019([32]) |
التصنيف |
متوسط النقاط |
الترتيب عام2010([33]) |
الدولة |
|
↓ |
أنظمة هجينة |
4.36 |
106 |
أنظمة هجينة |
5.82 |
86 |
لبنان |
|
↓ |
أنظمة استبدادية |
3.74 |
118 |
أنظمة هجينة |
4.00 |
111 |
العراق |
|
↑ |
أنظمة استبدادية |
3.93 |
114 |
أنظمة استبدادية |
3.88 |
114 |
الكويت |
|
↑ |
أنظمة هجينة |
5.10 |
96 |
أنظمة استبدادية |
3.79 |
116 |
المغرب |
|
↑ |
أنظمة استبدادية |
3.93 |
114 |
أنظمة استبدادية |
3,74 |
117 |
الأردن |
|
↑ |
أنظمة هجينة |
4.01 |
113 |
أنظمة استبدادية |
3.44 |
125 |
الجزائر |
|
↑ |
أنظمة استبدادية |
3.06 |
137 |
أنظمة استبدادية |
3,07 |
138 |
مصر |
|
↑ |
أنظمة استبدادية |
3.06 |
137 |
أنظمة استبدادية |
2,86 |
143 |
عمان |
|
↑↑ |
ديمقراطية منقوصة |
6.72 |
53 |
أنظمة استبدادية |
2.79 |
144 |
تونس |
|
↓ |
أنظمة استبدادية |
1.95 |
158 |
أنظمة استبدادية |
2.46 |
146 |
اليمن |
|
↑ |
أنظمة استبدادية |
2.76 |
145 |
أنظمة استبدادية |
2.52 |
148 |
الإمارات |
|
↑ |
أنظمة استبدادية |
2.70 |
147 |
أنظمة استبدادية |
2.42 |
151 |
السودان |
|
↓ |
أنظمة استبدادية |
1.43 |
164 |
أنظمة استبدادية |
2.31 |
152 |
سوريا |
|
↑ |
أنظمة استبدادية |
2.02 |
156 |
أنظمة استبدادية |
1.94 |
158 |
ليبيا |
|
↑ |
أنظمة استبدادية |
1.93 |
159 |
أنظمة استبدادية |
1.84 |
160 |
السعودية |
فيما يحتوي الجدول الثاني مقارنة للمؤشرات التفصيلية بين تونس والعراق ولبنان والهند والبرازيل:
|
الدولة |
السنة |
الحريات المدنية |
الثقافة السياسية |
المشاركة السياسية |
أداء الحكومة |
العملية الانتخابية والتعددية |
متوسط النقاط |
|
الهند |
2019 |
6.76 |
5.63 |
6.67 |
6.79 |
8.67 |
6.90 |
|
البرازيل |
2019 |
8.24 |
5.00 |
6.11 |
5.36 |
9.58 |
6.86 |
|
تونس |
2019 |
5.63 |
5.63 |
7.22 |
5.71 |
9.17 |
6.72 |
|
تونس |
2010 |
3.24 |
5.63 |
2.22 |
2.86 |
0.00 |
2.79 |
|
العراق |
2019 |
1.76 |
5.00 |
6.67 |
0.00 |
5.25 |
3.74 |
|
العراق |
2010 |
5.00 |
3.75 |
6.11 |
0.79 |
4.33 |
4.00 |
|
لبنان |
2019 |
4.71 |
5.00 |
6.67 |
1.50 |
3.92 |
4.36 |
|
لبنان |
2010 |
5.59 |
5.00 |
6,67 |
3.93 |
7.92 |
5.82 |
في الجدولين أعلاه، الترتيب هو من بين دولة 167يشملها التقرير، ومتوسط النقاط منسوبا على عشرة، ومن معطيات هذين الجدولين يتبين لنا مدى سوء المؤشرات الديمقراطية في الدول العربية عند اندلاع ثورات الربيع العربي، وسوء هذه المؤشرات يدل على حدة تدهور الأوضاع الاجتماعية والسياسية في هذه البلدان، وهذا كان سببا رئيسا من أسباب اندلاع هذه الثورات، وكما نلاحظ من هذه البيانات، التقدم المميز الوحيد خلال أعوام هذا الربيع قد حققته تونس التي تقدمت من المركز 144بين 167دولة عام 2010 إلى المركز 53 عام 2019 وجاءت فيه مباشرة بعد الهند (51) والبرازيل (52)، وانتقلت فيه من فئة "الأنظمة التسلطية" (Authoritarian Regimes) إلى فئة الديمقراطيات المنقوصة (Flawed Democracy)، متقدمة 10 درجات عن مؤشرها عام 2018 الذي كان 63 و 16 درجة عن مؤشرها عام 2017 الذي كان 69، وقد ارتفع مؤشر نقاطها من 2.79 في الـ 2011 إلى 6.72في الـ 2019، وتقارب في المحصلة والتفاصيل مع الهند والبرازيل.وهذا إنجاز جيد، كما أحرز المغرب تقدما ملحوظا، وانتقل إلى فئة "الأنظمة الهجينة"(Hybrid Regimes)، وكذلك فعلت الجزائر التي أحرزت بدورها بعض التقدم الملحوظ، فيما تقدم السودان بعض الشيء وكذلك الأردن، لكنهما بقيا في عداد الأنظمة التسلطية، وأقل من ذلك تقدمت ليبيا، فيما بقيت مصر تقريبا على حالها؛ لكن بالمقابل تراجعت مؤشرات لبنان بوضوح وتراجع موقعه لكنه بقي في فئة الأنظمة الهجينية، أما العراق فقد تراجعت مؤشراته هو الآخر، وانتقل من فئة الأنظمة الهجينة التي كان يشغل الموقع الأخير فيها عام 2010 إلى فئة الأنظمة التسلطية، كما تراجعت اليمن ذي المؤشرات الشديدة الانخفاض سلفا، وكذلك سوريا التي تراجعت من المركز 152إلى المركز164 وانخفضت مؤشراتها المتدنية أكثر لتدخل في عداد الدول الخمس الأسوأ ديمقراطيا في التصنيف العالمي؛ هذا بالنسبة لدول الربيع العربي، التي جاءت البحرين كنظام استبدادي من بينها في المرتبة 149عام 2019 بمعدل مؤشرات 2.55؛ أما الدول التي لم يصلها مد هذا الربيع كدول الخليج العربي الأخرى، فقد حدث فيها بعض التقدم الطفيف، لكنها بقيت جميعها في عداد الأنظمة الاستبدادية ذات المؤشرات المتدنية.
إذا المميز في تلك المعطيات أنها تبين أن نجاحا حقيقيا حصل في تونس، التي كانت ذات مؤشرات وترتيب على درجة كبيرة من الانخفاض عام 2011، وتمكنت خلال أقل من عقد من أن تصل إلى مستوى دول متقدمة ديمقراطيا كالهند والبرازيل.
لكن في الوقت نفسه تراجع لبنان والعراق.. بشكلين ملحوظين!
وإذا ما قارنا تونس مع هذين البلدين، اللذين يفترض بتجربتيهما الديمقراطيتين أن تكونا أفضل كونهما قد بدأتا قبل تونس بسنوات، ولاسيما لبنان، فسنجد أنه ثمة فارق حوهري بين تونس من جهة ولبنان والعراق من جهة أخرى.
فتونس هي أساسا أكثر نضجا بمعايير الدولة الحديثة على كافة الصعد من كل من لبنان والعراق، وهذا كما سلف الذكر يعود إلى عامل اجتماعي في المجتمع التونسي الخالي تقريبا من الانقسامات الدينية والعرقية.. وإلى عامل سياسي يتمثل في تجربة بورقيبة التي ساهمت بدرجة فعلية في تحديث المجتمع والدولة التونسيين، وقد انعكس هذا أيضا على وضع الجيش التونسي، الذي صار في وضع قريب نسبيا من الجيوش الحديثة.. التي تكون فيها الجيوش جيوش دول وليس جيوش أنظمة أو سلاطين، ولذا كان موقف هذا الجيش من الثورة وفيها إيجابيا بقدر كاف، وقد مكنت كل هذه الأمور تونس من أن تمضي في طريق الدمقرطة بشكل سليم.
أما لبنان والعراق.. فما لديهما من ديمقراطية، وهو ليس بالكثير، هو فعليا نتيجة عملية محاصصة مرتبطة بانقسامات فئوية حادة في المجتمعات، وجاءت هذه المحاصصة في لبنان بعد حرب أهلية عنيفة استمرت حوالي عقد ونصف، ولم يختلف الحال بعدها كثيرا عما كان عليه قبلها، وقد حملت هذه المحاصصة في ثناياها بصمات المصالح وتوازنات القوى المختلفة إقليميا ودوليا، فيما كانت التجربة العراقية فعليا نتيجة للغزو الأمريكي، بعد عقود من الديكتاتورية والعنف تحت حكم صدام حسين وسلفه، وهكذا لم تكن لا التجربة اللبنانية ولا التجربة العراقية سابقا ثمرتي تطور ذاتي في المجتمعين العراقي واللبناني، الذين يعانيان بشدة من انقسامات ديموغرافية يستغلها ذوي المطامع الداخليين والخارجيين بأسوأ الأشكال، وفي المحصلة كانت هاتان التجربتان .. معدّتين في الخارج ومفروضتين من الخارج وفقا لما يناسب المصالح الخارجية، أكثر بكثير منهما مولودتين في الداخل ومتطورتين وفقا لظروفه واحتياجاته وخصوصياته.
وبالنسبة للعراق ولبنان جاءت ثورتاهما في عام 2019 كاستحقاقين حتميين وردّين واجبين على ضحالة تجربيتيهما الديمقراطتيين، وكمحاولتين جد ضرورتين لتصحيح هاتين التجربتين الفقيرتين ووضعهما على طريق النمو السليم.
9- دروس من التجربة:
يقول جورج أورويل: «لن يثوروا حتى يعوا ولن يعوا حتى يثوروا»([34]) .
فالوعي الثوري هو عامل أساسي وضرورة لازمة لقيام الثورة وتحقيق الغاية الثورية، والمعرفة هي بدورها شرط لازم من شروط الوعي، والتجربة هي أحد أهم وأغنى مصادر المعرفة وأكثرها موثوقية، فماذا تقول لنا التجارب الثورية في الربيع العربي؟ وغيره من التحارب الثورية العالمية؟
إن «الثورة ليست هدفا في حد ذاتها» ([35]) و« كانت الثورات، وستظل، حقائق عن الحياة بسبب الطبيعة الهيكلية لعلاقات الإنتاج السائدة وعلاقات السلطة السياسية. ولأن مثل هذه العلاقات هيكلية على وجه التحديد، ولأنها لا "تتلاشى" فحسب- وذلك لأن الطبقات الحاكمة تقاوم الإزالة التدريجية لهذه العلاقات حتى النهاية - تظهر الثورات كوسيلة لتحقيق الإطاحة بهذه العلاقات»([36])، كما يقول أرنست ماندل (Ernest Mandel) الاقتصادي الماركسي البلجيكي مؤسس وقائد الأمانة المتحدة للأممية الرابعة، وهو في قوله هذا يمضي على خطا أساتذته ماركس وإنجلس اللذين يقولان: «الثورة ليست هدفا بحد ذاتها، بل لأنها الوسيلة الضرورية الوحيدة من أجل قلب الطبقة السائدة، بل هي ضرورية كذلك لأنها تتيح للطبقة أن تقلب الطبقة الأخرى، وان تكنس كل عفن النظام القديم الذي يعلق بها وأن تصبح قادرة على تأسيس المجتمع وفق قواعد جديدة»([37]).
فالثورة إذا هي وسيلة، وهي حتمية واقعية تنشأ من ظروف موضوعية متدهورة، ولا يمكن أن تنتهي الثورة ما لم تنته الظروف أو الأسباب الموضوعية التي أدت إلى قيامها، وهذا يعني باختصار "أن الثورات لا تهزم، ولكن أمد انتصارها يختلف، وقد يكون قصير أو طويلا، وكذلك الصعوبات التي تواجهها، وتختلف في كمها وكيفها"، وهذه الحقيقة يؤكدها التاريخ البشري بشكل لا شك فيه، فالثورات هي دوما دليل حتمي وقطعي ونهائي على انتهاء صلاحية الوضع القائم ونظامه السياسي الاجتماعي نهاية لا رجعة فيها، حتى وإن طال أمد الخلاص من هذا الوضع وارتفعت تكلفته.
ليس هناك ثورة تفشل، حتى وإن عجزت عن تحقيق أهدافها المباشرة أو القصيرة الأجل، والفشل في مثل هذه الحالة لا يعدو كونه خسارة جولة ثورية لا أكثر، لأن الثورة جزء حتمي من عملية التغيير التي لا يمكن أن يفلت منها أي نظام فاسد أصبح واجب التغيير بسبب فقدانه كل عوامل صلاحية البقاء، وعدم مناسبته للضرورات الواقعية التاريخية والمجتمعية والمعيشية، وهذا هو اليوم حال الأنظمة العربية الحاكمة ككل، ولن يختلف مصيرها عن مصير سواها من الأنظمة المشابهة في التاريخ العالمي.
لكن ما يجب الانتباه إليه هو أن الانتصار ليس بالضرورة أن يكون حتما وفقا للصورة المتوقعة له عند قيام الثورات، فمثلا نجحت الثورة العمالية الروسية في إقامة نظامها الاشتراكي إلى حين، إلا أن هذا لم يحدث في أوروبا الغربية وأمريكا، فالذي حدث هناك هو أن نضالات العمال لم تصنع نظاما اشتراكيا، ولكنها قطعا لم تذهب سدى، بل نجحت أيضا ولكن بشكل مختلف تماما عن الحالة الروسية، فقد غيرت بشكل جذري شكل برجوازياتها القديم وأرغمتها على التحول إلى شكل مختلف، فيه قدر كاف من الديمقراطية واحترام وضمان حقوق الإنسان ومأسسة وقوننه الدولة بما يتيح له أن يبقى ويستمر، ما دامت هذه العوامل أقوى من التناقضات الداخلية في هذا النظام البرجوازي الجديد.
هذا التغيير الحقيقي في المجتمع الرأسمالي، لم يتحقق بضربة واحدة، ولكنه جاء نتيجة جهود ثورية ونضالية كبيرة ومديدة امتدت على مدى عقود، بل أنها لم تنته حتى اليوم.
وحتى في روسيا نفسها.. لم تنتصر الثورة الاشتراكية بقومة واحدة أو ضربة واحدة، بل كانت ثمرة عملية نضالية طويلة وشاقة ومعقدة هي الأخرى، فعلى سبيل المثال اقتضى الأمر 12 سنة بين ثورة 1905 ضد القياصرة، وثورة 1917، التي أنهت القيصرية.
عربيا، انطلقت قاطرات الثورات، وبالطبع مساراتها تختلف بين بلد وآخر، ونتائجها الآنية أيضا تختلف بشكل كبير بين بلد وآخر، ولكن انطلاقة هذه القاطرات بالرغم من كل الاختلافات في سيروراتها بين مسار وآخر، هي إيذان نهائي بانتهاء صلاحية الأنظمة العربية الفاسدة وقدرة الأوضاع العربية المتدهورة على الاستمرار، وهذه الثورات لن تنتهي إلا بإحداث التغيير الكافي في مجتمعاتها.. بحيث تصل بهذه المجتمعات إلى وضعيات جديدة لإيجابية بما يكفي لكي تصلح للبقاء والاستمرار، وهذا لن يحدث دون حدوث القدر الكافي من التغيير الإيجابي الجذري، وعندها لن تكون هذه الثورات قد انتهت، وإنما تكون قد انتصرت ونجحت في تحقيق أهدافها، أما الأنظمة والأوضاع العربية الراهنة، فهي قطعا لم تعد قابلة للاستمرار، ولا يمكن أن توهب لها معجزة قابلية الاستمرار، وهي التي وصلت إلى مرحلة عدم القابلية هذه..وتوغلت فيها.
إن عقدا من عمر الربيع العربي يوشك أن يكتمل، وفي مسيرة هذا الربيع، هناك تباينات كثيرة وكبيرة، فقد نجحت تونس في تحقيق التغيير السلمي، فيما فشلت مصر وأعاد نظامها إنتاج نفسه (لكن هذا لن يستمر إلا إلى حين كما بينّا آنفا)، أما اليمن وليبيا فقد دخلتا بعد سقوط النظامين القديمين فيها في صراعات داخلية عنيفة وإن اختلفت حدتيهما، فيما تأزم الوضع في سوريا إلى درجة قصوى وتحول إلى صراع مدمر، ولا يبدو أن الحل قريب، أما البحرين فقد أجهض التدخل الخارجي وتنافس القوى المجاورة الثورة فيها.
لكن مسيرة هذه الحركة التغييرية لم ولن تنهي بعد، وهي ما تزال متواصلة، وإذا ما نظرنا إلى التجارب المماثلة في التاريخ الثوري العالمي، فسنجد مثلا أن الثورة الفرنسية، وهي إحدى أعظم ثورات هذا التاريخ، لم تبن فورا الجمهورية الديمقراطية العلمانية الرائدة التي نراها اليوم، فهذه الجمهورية هي الانعطافة المفصلية الخامسة (الجمهورية الخامسة)، في تاريخ تطور الديمقراطية الفرنسية، التي احتاجت إلى أربع ثورات من ثورتها الكبرى عام 1789 إلى ثورتها الرابعة المعروفة بكومونة باريس عام 1871، ولم تبدأ بجني ثمار ديمقراطيتها فعليا إلا بعد هذا التاريخ، إذ أن تلك المرحلة المضطربة بين الثورات عاشت فرنسا معظمها تحت حكم أنظمة استبدادية، حيث أقيمت فيها إمبراطوريتان من قبل نابليون الأول ونابليون الثالث، تخللتهما عودة للملكية لآل بوربون وآل اورليان، لكن هذه المرحلة التي استمرت عقودا وشهدت الكثير من الكر والفر بين القوى الثورية الديمقراطية والقوى الاستبدادية، لم تكن مرحلة عقم ديمقراطي وحقوقي، بل تخللتها أيضا إنجازات عديدة في ميدان الحقوق والحريات والتطوير السياسي، وبذلك يمكن وصفها ككل بأنها مرحلة انتقال أو مخاض ثوري ديمقراطي طويل، تداخلت فيه عوامل داخلية وخارجية، واستمر حتى القرن العشرين، الذي أقرت في مطلعه مجموعة مميزة من القوانين التقدمية المرتبطة بالعلمانية والديمقراطية عام 1905، وكل مهتم بشأن وتاريخ الثورات يعرف أن أثمانا غالية دفعت في العملية الثورية الفرنسية وسواها من الثورات، ومع ذلك فتاريخ التطور الاجتماعي والحقوقي وما يرتبط به من احتجاجات وانتفاضات ما يزال مستمرا في فرنسا حتى أيامنا هذه، فقد شهدت فرنسا انتفاضة بدأها الطلاب في مايو 1968، وشهدت أيضا حركة السترات الصفراء الاحتجاجية، التي بدأت فيها في مايو 2018، وامتدت منها إلى دول أخرى في أوروبا، وما تزال مستمرة حتى اليوم.
لذا فوصف ثورات الربيع العربي بالفشل بسبب عدم نجاحها في بناء دولة ديمقراطية حديثة، أو بسبب الأثمان التي دفعت فيها حتى الآن، وخلال هذا الزمن القصير نسبيا، هو حكم جد متحامل، وبعيد عن الموضوعية والإنصاف، فهذه الثورات ما زالت مستمرة، وعجلات التغيير تدور فيها، وهي تدور بالطبع بسرعات وتكاليف مختلفة، وبالرغم من كل العقبات والعراقيل التي واجهتها هذه الثورات والخيبات التي تعرضت لها والخسائر التي وقعت فيها خلال هذه السنوات، فقد شهد العالم العربي موجة جديدة من الحراكات الجماهيرية الثورية في الجزائر والسودان والعراق ولبنان، ما يعني ثبوت واتساع رقعة عملية التغيير.
وبقراءة موضوعية لمجمل ما يحدث على الساحة العربية يمكننا أن نصل إلى الخلاصات العامة التالية:
- عدا عما أسقطته ثورات الربيع العربي من حكام ديكتاتوريين، فهي أيضا عرت حقيقة الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة، وبينت مدى هشاشتها وقابليتها للإسقاط ..رغم ما يبدو عليها ظاهريا من قوة وسطوة.
- أثبت بالدليل القاطع قدرة الجماهير العربية على التحرك الثوري الحديث بأكثر الأشكال عصرية، أي بالشكل المدني السلمي، وأن العنف الذي انخرطت فيه لاحقا بعض الحراكات لم يكن خيارا، وإنما كان اضطرارا.
- عرّت أيضا حقيقة الإسلام السياسي السلفي، وعدم قابليته القطعية لأن يكون خيارا، وعدم قدرته على تقديم أي حل حقيقي، وعلى أنه فعليا جزء من "المشكلة" وعامل أساسي من عوامل تفاقمها.
- بينت أيضا إفلاس القوى السياسية التقليدية من بقايا القوميين واليساريين وسواهم، وفقدانها القدرة على لعب أي دور جماهيري وتقدمي فعال.
- بينت المواقف الحقيقية للقوى العالمية والإقليمية، وتخارج أو تضاد هذه المصالح مع مصالح الشعوب العربية الوطنية الديمقراطية.
- حتى في البلدان التي ما تزال فيها الديكتاتوريات قائمة، تمكنت الحراكات الجماهيرية، من إخراج المجتمعات من حالة الركود والعقم الاجتماعي، وخلقت متسعا للعمل الاجتماعي والسياسي والمدني، كما أنها أحدثت تغييرا في المفاهيم السائدة، وأدخلت أفكارا ثقافية وسياسية جديدة على الساحتين النخبوية والعامة، ورغم أن هذا ما يزال بعيدا كثيرا عن مستوى النقلة النوعية، لكنه مع ذلك إنجاز جلي وقيم، وبالأخص أنه يشكل مقدمات للخروج العام من حالة الاستنقاع الاجتماعي والثقافي السياسي والمدني السابقة.
تلك هي الإيجابيات التي أثبتتها أو حققتها، أما السلبيات التي كشفتها فأهمها أنها:
- بينت تلك الحراكات مدى ما تعاني منه الساحة العربية من فراغ ثقافي وسياسي ومدني، ومن افتقار لبنى وآليات العمل الجماهيري المنظم، ومدى الحاجة الماسة إلى رؤية ثورية واضحة متبلورة.
- كما بينت أيضا مدى خطورة السلفية الدينية والعوامل الطائفية والعرقية، وحجم قابليتها الكبير للاستغلال من قبل مستغِلين داخليين أو خارجيين، لتشويه أو حرف الحراكات الجماهيرية، ودفعها في مجار لا تخدم إلا المصالح الخبيثة لهؤلاء المستغِلين.
- وبينت أيضا ماهية وأهمية ومدى خطورة أدوار الجيوش العربية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالأنظمة الحاكمة.
- وكذلك بينت أيضا مدى خطورة الدور الهدام للمطامع الخارجية، وقدرته الضارية على استغلال أو إفساد أو إفشال التحركات الجماهيرية والمشاريع الوطنية.
10- خلاصة:
يقول فيدل كاسترو: «الثورة ليست مفروشه بالورود... الثورة هي صراع حتى الموت بين المستقبل والماضي»([38]).
ويقول جاك غولدستون: «من 1789 في فرنسا إلى 2011 في القاهرة، هزت الثورات العالم، وفي سعيهم لتحقيق العدالة الاجتماعية، استولى الثوار على القوة المجتمعة للمَلَكيات والإمبراطوريات والديكتاتوريات. لقد أثاروا في كثير من الأحيان، وإن لم يكن دائمًا، عنفًا كارثيًا، وفازوا أحيانًا بانتصارات خارقة، رغم أنهم عانوا في أحيان أخرى من هزيمة مدمرة»([39]).
هذا الحراك الثوري بدأ في المنطقة العربية مع نهاية عام 2010في تونس، وامتد واتسع واستمر، وحققق إنجازات ومني بخيبيات، وحدثت فيه أغلاط، ونتجت فيه مآس، وكل هذا هو وقائع لا مفر من حدوثها في مثل هذه الحالات الدراماتيكية في المجتمعات.
واليوم ورغم أن النتائج المرجوة لم تتحقق بعد، بل وتبدو أنها ما تزال بعيدة التحقيق في أكثر من بلد، إلا أن عجلة التغيير لم تتوقف، والتجربة الثورية تصبح عموما أكثر خبرة، وتستفيد من أخطائها، فعلى سبيل المثال، لم تبق الحراكات الشعبية عفوية وشعبوية، بل أنتجت العديد من البنى والهياكل السياسية والمدنية والإعلامية المنظمة، التي تستطيع من خلالها تنظيم وتركيز نشاطها، فنشأت أحزاب جديدة وكتل سياسية وتنسيقيات وهيئات ثقافية وهيئات إعلامية وسوى ذلك من أشكال التنظيم والتجمع المدني والسياسي، لكن هذه الأشكال ما تزال بعيدة عن المستوى المطلوب، وما تزال بحاجة إلى الكثير من العمل الكمي والكيفي والتوحيدي، لتتحول إلى قوة مجتمعية ناضجة موحدة.
عدا عن ذلك، أي امتلاك القدر الكافي كما وكيفا من التنظيم السياسي ومنظمات المجتمع المدني، فلا بد من توفر أمر آخر لازم جوهريا لهذا الامتلاك، أو لازم للحراك الجماهيري نفسه على مستواه البنيوي المتمثل بامتلاك البنية المنظمة المطلوبة، وملازم له على المستوى الحركي، بحيث يحدد لهذا الحراك أهدافه بصورة محددة واضحة، وهذا الأمر هو "الثقافة التغييرية"، وهو سابقا لم يكن متوفرا بتاتا كما ينبغي له أن يكون، ففي الوقت الذي تحركت الجماهير العربية للخلاص من الديكتاتوريات الفاسدة، لم يكن لديها التصورات الواضحة عن البديل المطلوب، ولذلك تسطحت وتشتت الرؤى بين الحل الإسلامي والدولة المدنية والديمقراطية الليبرالية، ولم يكن للديمقراطية الاجتماعية أي حضور يذكر في الجدل حول الديمقراطية، فيما بقي حضور العلمانية مغمورا وخجولا.
هذا الجانب الثقافي هو جد جوهري، فهو جوهري جدا كعامل تنظيمي أساسي يجمع ويوحد صفوف الجماهير، كما أنه جوهري تماما كعامل غائي، تتحدد من خلاله الغاية التي تسعى هذه الجماهير إلى تحقيقها.
ورغم أنه خلال سنوات الربيع العربي، أُنتج الكثير من العمل الفكري الحديث والمتنوع، لكن معظمه بقي نخبويا ونظريا، ولم يجد سبيله الكافي بعد ليتحول إلى فعل سياسي واجتماعي منظم، يفتح بدوره أمامه السبيل ليتحول إلى ثقافة جماهيرية عملية.. ومعرفة عامة ممارسة، فبقي بذلك بعيدا عن الواقع المعاش، وهذا يعني أنه ثمة حاجة ماسة وحثيثة جدا لجسر هذه الفجوة، وهي فجوة ضخمة، وجسرها مهمة بالغة الصعوبة.
لكن كلما كان النجاح أكبر على الصعيدين التثقيفي والتنظيمي، أصبحت إمكانيتا الخلاص من الاستبداد والفساد بجوانبهما المتعددة وبناء الدولة والمجتمع الحديثين أكبر وأوثق، وأصبحت القدرة على التغلب على العقبات الداخلية والخارجية أكثر واعدية وواقعية.
وبالتالي فعلى الثوريين الديمقراطيين في البلدان العربية تكثيف وتوحيد جهودهم.. ليس فقط على النشر الإعلامي للثقافة الحديثة والفكر التغييري التطويري، بل لابد من العمل الممنهج لتطوير البنى السياسية والمدنية الحديثة - أي التنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني- على أسس هذين الثقافة والفكر، والعمل على توحيدها في جبهة موحدة، وهذا الأمر الذي لم يكن ممكنا قبل انطلاقة الربيع العربي بسبب وطأة القمع وحدة الاستلاب الناجم عنه، أصبح رغم كبر صعوبته اليوم ممكنا بفضل زعزعزة هذا الربيع لأركان الاستبداد المختلفة إضافة لما أسقطه من مستبدين، ولصدمته القوية لثوابت الذهن العربي، ما أدى إلى تقويض حالة الركود والاستنقاع الاجتماعي وأيقظ المجتمعات العربي من سباتها، وإن لم يجعلها بعد صاحية وواعية بالقدر الكافي.
أما في حال استمرار غياب أدوار التنظيم السياسي والمنظمة المدنية الحديثين، فستبقى العشيرة والطائفة، ومتسلطي العسكر، وطفيليي الاقتصاد، والزعامات الشعبوية..هم أسياد الموقف، فلن تتمكن أية ثورة شعبية من التغلب عليهم، بل سيحدث العكس، وبأساليب خبيثة عديدة.
*
مراجع البحث:
المراجع العربية:
1- جلال الشايب، دفتر الغضب.. يوميات شخص عادي شارك في الثورة، دار نهضة مصر، ط1، القاهرة ، 2013.
2- جلبير الأشقر، الشعب يريد..بحث جذري في الانتفاضة العربية، ترجمة عمر الشافعي، ط1، دار الساقي بيروت، 2013، ص 149-150.
3- المعجم الفلسفي المختصر، ترجمة توفيق سلوم، دار التقدم في موسكو عام 1986، ص 162.
4- كارل ماركس، فريدريك إنجليز، الأيديولوجية الألمانية: مصادر الاشتراكية العلمية، دار الفارابي بيروت لبنان، ط1، 2016.
5- كينيث روث، حان وقت التخلي عن الطغاة والتمسك بحقوق الإنسان: رد الفعل الدولي على الربيع العربي، هيومن رايتس ووتش:
https://www.hrw.org/ar/world-report/2012/country-chapters/259755
6- فيليسيان شالي، موجز تاريخ الأديان، ترجمة حافظ الجمالي، دار طلاس للترجمة والدراسات والنشر، دمشق1991، ط1.
7- جاسم الجبوري، في سبيل ارتقاء الحياة أيها الإنسان، دار خالد اللحياني للنشر والتوزيع، عمان- الأردن، 2016، ط1.
8- خنساء حسن النعيم، أشهر الأقوال والحكم المأثورة، كتب غوغل:
https://books.google.com/books?id=mgxTDwAAQBAJ&printsec=frontcover&hl=ar#v=onepage&q&f=false
المراجع الأجنبية:
1-Голдстоун, Джек. Революции. Очень краткое введение. — М.: Издательство Института Гайдара, 2015
(جاك غولدستون، الثورة، مقدمة قصيرة جدا، الترجمة الروسية، دار نشر معهد أبحاث غايدار، موسكو-روسيا، 2015)
-2Ernest Mandel,The Marxist Case for Revolution Today (1989), Marxists Internet Archive
https://www.marxists.org/archive/mandel/1989/xx/rev-today.htm
-3Большая российская энциклопедия, Революция:
الموسوعة الروسية الكبيرة))
https://bigenc.ru/world_history/text/3502144
-4Л.Д. Троцкий. История русской революции. Том 1:
ليف (ليون) تروتسكي، الثورة الروسية، ج1))
http://www.magister.msk.ru/library/trotsky/trotl007.htm
-5Economist Intelligence unit, Democracy_Index_2010_web:
https://graphics.eiu.com/PDF/Democracy_Index_2010_web.pdf
7-EIU Democracy Index 2019 - World Democracy Report
https://www.eiu.com/topic/democracy-index
https://en.wikipedia.org/wiki/Democracy_Index
8-Woodrow Wilson Quotes — Woodrow Wilson," The seed of revolution is repression":
https://www.woodrowwilson.org/blog/2019/1/21/woodrow-wilson-quotes
9-Jean-Baptiste Gallopin, Protest is not enough to topple a dictator: the army must also turn, Aeon, 31 July, 2019:
https://aeon.co/ideas/protest-is-not-enough-to-topple-a-dictator-the-army-must-also-turn
*
01/02/2020
[1]- Ernest Mandel,The Marxist Case for Revolution Today (1989), Marxists Internet Archive
https://www.marxists.org/archive/mandel/1989/xx/rev-today.htm
[2] -سعيد محمد، كيف تصنع الثورات الملونة، جريدة الأخبار، 6 تشرين الثاني 2019:
https://al-akhbar.com/Literature_Arts/278937
[3]- Goodreads، Quote by Mao Tse-tung “A revolution is not a dinner party, or writing ...”:
https://www.goodreads.com/quotes/141393-a-revolution-is-not-a-dinner-party-or-writing-an
[5] صالح السنوسي، الربيع العربي بين الثورة والانتفاضة، الجزيرة نت، 2013/1/24:
ttps://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2013/1/24/الربيع-العربي-بين-الثورة-والانتفاضة
[6] - جاك غولدستون، الثورة، مقدمة قصيرة جدا، الترجمة الروسية، دار نشر معهد أبحاث غايدار، موسكو-روسيا، 2015، ص 73.
(Голдстоун, Джек. Революции. Очень краткое введение. — М.: Издательство Института Гайдара, 2015)
[7]- الموسوعة الروسية الكبيرة، مدخل "الثورة" (Большая российская энциклопедия, Революция) :
https://bigenc.ru/world_history/text/3502144)
[8]-ويكيبيديا الروسية، مدخل الثورة (Википедия,Революция):
https://ru.wikipedia.org/wiki/Революция
[9] - Wikipedia, Revolution:
https://en.wikipedia.org/wiki/Revolution
[10]- Charles Tilly, ''European Revolutions, 1492-1992, Blackwell Publishing, 1995, ISBN 0-631-19903-9, Google Print, p.16:
https://en.wikipedia.org/wiki/Revolution#cite_note-8
[11] - Mark N Katz, Revolutions and Revolutionary Waves, St Martin's Press, 1997, p4:
[12]- ويكيبيديا الروسية، الثورة:، الفهم السياسي التاريخي (Историко-политологическое_понимание Википедия,Революция,):
https://ru.wikipedia.org/wiki/Революция#Историко-политологическое_понимание
[13] - جاك غولدستون، المرجع السابق\ نقلا عن ويكيبيديا الروسية:
https://ru.wikipedia.org/wiki/Революция#cite_note-_e6b1824d3aa4b8f3-3
Goldstone J. Revolution and Rebellion in the Early Modern World. Berkeley, 1991:
https://ru.wikipedia.org/wiki/Революция#cite_ref-4
[14] - جاسم الجبوري، في سبيل ارتقاء الحياة أيها الإنسان، دار خالد اللحياني لنشر والتوزيع، عمان- الأردن، 2016، ط1، ص 57، كتب غوغل:
https://books.google.com/books?id=5lBTDwAAQBAJ&printsec=frontcover&hl=ar&source=gbs_ge_summary_r&cad=0#v=onepage&q&f=false
[15] - جواد البشتي، الفقر ووعي الفقر..الطاغية ووعي الطاغية، الحوار المتمدن-العدد: 4195 - 2013 / 8 / 25
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=374917&r=0
[16] - Woodrow Wilson Quotes — Woodrow Wilson," The seed of revolution is repression":
https://www.woodrowwilson.org/blog/2019/1/21/woodrow-wilson-quotes
[17]- جلال الشايب، دفتر الغضب يوميات شخص عادي شارك في الثورة، دار نهضة مصر، ط1، القاهرة ، 2013، ص 222.
كتب غوغل:
https://books.google.com/books?id=HknACQAAQBAJ&printsec=frontcover&hl=ar#v=onepage&q&f=false
[18] - جلبير الأشقر، الشعب يريد..بحث جذري في الانتفاضة العربية، ترجمة عمر الشافعي، ط1، دار الساقي بيروت، 2013، ص 149-150.
[19] - المعجم الفلسفي المختصر، ترجمة توفيق سلوم، دار التقدم في موسكو عام 1986، ص 162.
[20] - الفقر في الوطن العربي، قناة الميادين، برنامج ندوة الأسبوع، إعداد لينا زهر الدين، 22 حزيران 2018:
http://www.almayadeen.almayadeen.net/episodes/887847/ندوة-الأسبوع_الفقر-في-الوطن-العربي
[21] -كينيث روث، حان وقت التخلي عن الطغاة والتمسك بحقوق الإنسان: رد الفعل الدولي على الربيع العربي، هيومن رايتس ووتش:
https://www.hrw.org/ar/world-report/2012/country-chapters/259755
[22] - ليف تروتسكي، الثورة ا الروسية، ج1 (Л.Д. Троцкий. История русской революции. Том 1):
[23] -Jean-Baptiste Gallopin, Protest is not enough to topple a dictator: the army must also turn, Aeon, 31 July, 2019:
https://aeon.co/ideas/protest-is-not-enough-to-topple-a-dictator-the-army-must-also-turn
[24] - فيليسيان شالي، موجز تاريخ الأديان، ترجمة حافظ الجمالي، دار طلاس للترجمة والدراسات والنشر، دمشق1991، ط1، ص 302.
[25] - القاعدة الذهبية لضمان نجاح الثورات الشعبية ، BBC News Arabic، 17 مايو/ أيار 2019:
https://www.bbc.com/arabic/vert-fut-48286098
[26] -John F. Kennedy, In a speech at the White House, 1962, Those who make peaceful revolution impossible will make violent revolution inevitable:
https://www.opednews.com/articles/Those-who-make-peaceful-re-by-FAITHCARR-081130-60.html
[27]- The National Security Archive, The George Washington University, The Secret CIA History of the Iran Coup, 1953-:
https://nsarchive2.gwu.edu/NSAEBB/NSAEBB28/
[28] - Gilbert M. Joseph, Greg Grandin, A Century of Revolution Google Books, Pg 270-271:
https://books.google.com/books?id=YJ7ZBGy0wsIC&printsec=frontcover#v=onepage&q&f=false
[29] - كينيث روث، المرجع السابق.
[30] - المرجع السابق.
[31] - اليوم السابع، فى مقال جديد.. أدونيس يواصل مهاجمة الربيع العربى 7\7\2017، نقلا عن مقال بعنوان"مقدّمة لفهرس سياسى آخر" في جريدة الحياة اللندنية:
https://www.youm7.com/story/2017/7/27/فى-مقال-جديد-أدونيس-يواصل-مهاجمة-الربيع-العربى/3342707
[32]- Economist Intelligence unit, Democracy_Index_2010_web:
https://graphics.eiu.com/PDF/Democracy_Index_2010_web.pdf
[33]- EIU Democracy Index 2019 - World Democracy Report
https://www.eiu.com/topic/democracy-index
https://en.wikipedia.org/wiki/Democracy_Index
[34]- Goodreads, Quote by جورج أورويل :
https://www.goodreads.com/quotes/1116541
[35]- سامي البحيري، بمناسبة الثورات العربية أقوال مأثورة عن الثورة، جريدة إيلاف الإلكترونية، 08 أكتوبر 2011:
https://elaph.com/Web/opinion/2011/10/687472.html
[36]- Ernest Mandel,The Marxist Case for Revolution Today (1989), Marxists Internet Archive
https://www.marxists.org/archive/mandel/1989/xx/rev-today.htm
[37] -كارل ماركس، فريدريك إنجليز، الأيديولوجية الألمانية: مصادر الاشتراكية العلمية، دار الفارابي بيروت لبنان، ط1، 2016، كتب غوغل:
https://books.google.com/books?id=drQPDgAAQBAJ&pg=PT59&lpg=PT59&dq=الثورة+ليست+هدفا+في+حد+ذاتها&source=bl&ots=uulz8ZLpwk&sig=ACfU3U1BCdFmogWxVbb61SXzil2vRBlfoA&hl=ar&sa=X&ved=2ahUKEwif4u3U2r7nAhW9SRUIHcakB-kQ6AEwB3oECAcQAQ#v=onepage&q=الثورة ليست هدفا في حد ذاتها&f=false
[38] -خنساء حسن النعيم، أشهر الأقوال والحكم المأثورة، ص26، كتب غوغل:
https://books.google.com/books?id=mgxTDwAAQBAJ&printsec=frontcover&hl=ar#v=onepage&q&f=false
[39]- Goodreads ,Revolutions A Very Short Introduction by Jack A. Goldstone
https://www.goodreads.com/book/show/17841755-revolutions
***
البحث منشور على شبكة "مؤمنونون بلا حدود"
الموجود والمفقود من عوامل الثورة في الربيع العربي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق