هل وصل الإسلام السياسي إلى طريق مسدود؟
رسلان عامر
بعد مضي عقد من الزمن على اندلاع ثورات وانتفاضات الربيع العربي، وما شهدته من حضور كبير.. بل وثقيل للإسلام السياسي فيها، وما تسبب به هذا الحضور من انحرافات وصراعات متشعبة وخطيرة عن المسار المفروض لهذا الحراك، وما منيت به حراكات الإسلام السياسي من هزيمة في معظم مناطق نشاطها، بات الحديث الآن يدور عن الانتقال إلى مرحلة جديدة، وهذه المرحلة يطلق عليها البعض تسمية "ما بعد الإسلام السياسي"، وهي تسمية تقوم على فكرة أن "مرحلة الإسلام السياسي" قد انتهت، وتوحي بأن "الإسلام السياسي" كحراك إسلاموي سياسي منظم نفسه قد انتهى أو يكاد، وكل من التسمية والفكرة التي تربط بها تنتميان بدورهما إلى تصور أوسع وأعم بأن هزيمة الإسلام السياسي هي حدث عربي وإسلامي على مستوى كسب حرب ذات بعد استراتيجي، وليس مجرد ربح معركة من الحجم التكتيكي، وبالتالي يتم النظر إلى هزيمة الإسلام السياسي هذه، وكأنها علامة فارقة أو نقطة تحول جذرية أو حدثا فيصليا في تاريخ المنطقة.. انتقلت فيه من مرحلة إلى مرحلة جد مختلفة انتقالا يمكن اعتباره إنجازا إيجابيا حقيقيا!
فهل هذه هي فعليا حقيقة واقع الأمر على الساحة العربية؟
ما لا شك فيه أن هزيمة الإسلام السياسي، وفشله في تحقيق هدفه في الوصول إلى حالات من الحكم الإسلامي، وفق الفهم الإسلامي السياسي لهذا الحكم، هي حدث هام ومؤثر ويدفع المنطقة في مسار مختلف عن المسار الذي كانت ستُدفع فيه فيما لو انتصر هذا الإسلام السياسي.
لكن يجب عدم التسرع والمبالغة في تقييم النتائج المترتبة حجما وكيفا على هذه الهزيمة التي مني بها الإسلام السياسي، وهذه النتائج يجب رؤيتها في إطار الأسئلة التي تجيب عن الأسئلة عمن هو الذي انتصر على الإسلام السياسي؟ وعن الأسباب التي أدت إلى هذا النصر؟ وعن سبب صعود الإسلام السياسي أصلا؟ ومدى الهزيمة الفعلي التي أصيب بها؟ والمسار المتوقع لتطورات الأمور اللاحقة في البلدان العربية التي شهدت الصراع بشكل خاص والمنطقة العربية كلها بشكل عام.
للإجابة عن هذه الأسئلة يجدر البدء بسؤال سبب صعود الإسلام السياسي، وهذا ما يجب البحث عنه وتحليله في إطار الظروف الاجتماعية بشكلها العام في المنطقة العربية، وهي بالطبع تختلف في الخصوصيات بشكل لا يمكن تجاهله بين دولة ودولة أخرى من هذه الدول، فهناك دول الأوضاعُ الاقتصادية فيها متردية وشديدة التردي فيما هناك دول ميسورة؛ ومن الناحية السياسية، فالاستبداد هو السائد عموما في كل الدول العربية، ولكن هناك فروقات في درجات وأشكال القمع الممارس؛ وهناك دول متجانسة إلى حد ما ديموغرافيا، لكن هناك دول التنوع الديموغرافي فيها كبير عرقيا وطائفيا وقبليا، وهو مترافق بحالة هويوية تقليدية تتسم فيها الهويات بالحدة والتصلب، وهذا ما يشكل خطرا كبيرا على وحدتها وسلامتها تحت وطأة الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتوترة والتدخلات الخارجية المغرضة، التي تختلف بدورها أيضا بين تكتيكاتها من دولة عربية إلى أخرى ومن طرف أجنبي مغرض إلى آخر، وإن كانت هذه الأطراف لديها استراتيجيات ثابتة تقترن بمصالحها الخاصة وترسم سياساتها على أساساتها، ولا تكون فيها الدول العربية وشعوبها إلا مواضيع وأدوات لتحقيق هذه المصالح مهما كانت الأثمان باهظة عليها والانعكاسات خطيرة، وهذا الموقف ليس موقف المغرضين الخارجيين وحدهم، فهو أيضا موقف المغرضين الداخليين من حكام ورجال دين ومعارضين انتهازيين وما شابه، فكل هؤلاء بدورهم لا يتوانون عن إتباع أية وسيلة مهما كانت خبيثة أو وحشية لضمان مصالحهم غير مبالين بمصالح شعوبهم وأوطانهم.
وهكذا نجد أن أكثرية البلدان العربية تجتمع فيها مجموعة كبيرة من العوامل الخطيرة، يدخل فيها الفقر والتدهور المعيشي وتدني مستويات الثقافة والمعرفة والقمع والفساد السياسيين الناتجين عن سياسات الديكتاتوريات السياسية الحاكمة، التي لها دور جسيم أيضا في التسبب بالفقر والجهل، وإفقار المجتمع ثقافيا وسياسيا ومدنيا، وهناك أيضا التعصب الديني الذي يعززه إلى حد كبير الموروث الاجتماعي والثقافي المتدني السوية المستمر من مرحلة تدهور وانحطاط الحضارة العربية الإسلامية، والذي ترسخه وتحافظ عليه مؤسسات دينية ما تزال تحمل ذهنية تلك المرحلة وتتحالف غالبا مع الأنظمة الحاكمة المتسلطة لأسباب مصلحية مشتركة، كما وهناك أيضا القوى الدولية والإقليمية الطامعة القادرة على استغلال كل عوامل التردي الداخلية في المجتمعات العربية والتدخل فيها بأشكال حادة وعنيفة، وهناك كذلك الانتهازيون الداخليون المعارضون لسلاطينهم واللاجئون غالبا إلى هذه القوى الخارجية لتحقيق مآربهم عندما تجد تلك القوى أن هذا يناسب مخططاتها، ويضاف إلى ذلك أيضا الخلافات التقليدية المتواصلة بن الحكام العرب واستعدادهم المتكرر للعمل ضد بعضهم البعض، وللتعامل مع أطراف خارجية وداخلية لهذا الغرض.
وفي حصيلة كل ذلك.. غالبا ما يجد المواطن العربي نفسه فقيرا وجاهلا ومقموعا، ومهيمنا عليه من قبل السلطتين السياسية والدينية ومسخّرا لمصلحتيهما، ومعرّضا بنفس الوقت لتحريضات ومخططات من قبل المعارضين الانتهازيين والمتعصبين الداخليين ومن قبل الحكام العرب الآخرين المتخاصمين أو المختلفين مع حاكمه وكذلك من قبل القوى الأجنبية غير الراضية عن هذا الحاكم لخلافات مصلحية، فيستجيب لهذه التحريضات والمخططات، وتحت وطأة الحرمان والغبن والتحريض الذي يستغل وضعه المعيشي المتدهور وتدينه الشديد وثقافته المتدنِية، يتجند في صفوف الحركات الإسلاموية، التي تبدو له بسبب تدينه العفوي وتفكيره البسيط وضحالة معرفته سبيلا للخلاص الدنيوي والآخروي بسبب مظهرها الإسلامي الجهادي ضد الحكام الذين يسهل عندها إقناعه بأنهم حكام ظلمة كفرة لابد من الثورة عليهم، وما يساعد على ذلك أن سياسات هؤلاء الحكام القمعية والمفسدة نفسها تفقر الساحة من أية قوى سياسية أو مدنية أو ثقافية يمكنها أن تشكل بديلا أو منافسا لحركات الإسلام السياسي أو ضدا لها.
مع ذلك.. وبالرغم من كل ذلك، فلم يتمكن الإسلام السياسي من أن يغدو حركات جماهيرية واسعة، وبقي انتشاره محدودا وسريا غالبا، وهذا عائد بشكل رئيس إلى قوة القمع الذي كانت تمارسه الأنظمة العربية.
لكن الأمر تغير مع اندلاع انتفاضات وثورات الربيع العربي التي جاءت كردود فعل شعبية وشعبوية ثورية خلاصية على الأوضاع المتدهورة في بلدانها والناجمة بشكل رئيس عن طغيان وفساد حكامها، ولم يكن للإسلام السياسي أي دور محرك أو مركزي أو قيادي في هذه الحراكات، ولم يكن في أحسن أحواله أكثر من طرف مشارك نسبيا فيها كأطراف عديدة سواه.
لكن تلك الحراكات الشعبية الشعبوية الطابع لم تجد أية قوى سياسية تقدمية حقيقية قادرة على استيعابها وتنظيم صفوفها وتحركاتها، ولم يكن أمامها إلا قوى الإسلام السياسي التي يعزز قوتها الدعم الخارجي المتنوّع من قبل أطراف دولية أو إقليمية أو عربية، كما ويعززها أيضا عامل التدين وتفشي الأمية المعرفية وغياب البدائل والمنافسين، وهكذا تمكن الإسلام السياسي من الاستحواذ على هذه الحركات، ومن ثم تحويلها إلى نزاعات على السلطة مع الأنظمة العربية المستبدة، وصلت في بعض الأحيان إلى أقصى درجات العنف والتدمير.
مع ذلك فقد خسر الإسلام السياسي هذه المعركة في معظم الساحات العربية، ففي بعضها كما في مصر مثلا تخلى عنه معظم المصريين ممن التفوا حوله سريعا بعد أن أدركوا أنه ليس الخيار الصحيح لتحقيق طموحاتهم، وأنه يسعى فقط لتحقيق أغراضه الخاصة مستغلا الشعب والثورة والدين، كما لعبت أيضا قوة الجيش المصري دورا في ذلك ومحدودية الدعم الخارجي؛ أما في سوريا فقد لعب العامل الديموغرافي الداخلي والتدخلات الخارجية دورين ضخمين، فدفعا انتفاضة الشعب السوري المستحقة مستغلين التركيبة الديموغرافية التعددية في سوريا وطبيعة النظام الحاكم التي يلعب العامل الطائفي فيها دورا شديد الحساسية والتأثير وتحالفات هذا النظام الخارجية مع دول تربطها بأمريكا وحلفائها وأتباعها علاقات متوترة وحولاها إلى صراع كارثي مدمر، شهد انقسامات واصطفافات طائفية وإثنية حادة، ونمت فيه كالفطور السامة الكثير من التنظيمات الإسلاموية المتطرفة والتكفيرية المدعومة من قبل أطراف خارجية متعددة ومختلفة، تتصارع بعنف شديد مع النظام وتتصارع كذلك مع بعضها البعض، وبعد أن أدت فوضى الصراع هذه إلى تفكيك البلاد وتقزيم النظام الحاكم رغم ما كان يحظى به من دعم من قبل إيران وأتباعها، تدخلت روسيا بكل ثقلها، فيما تخلى عن الجماعات المسلحة المعارضة داعيمها في معظم المناطق، وتركت روسيا وحلفائها لتسحقها.
وكما نرى فالحالتان المصرية والسورية شديدتا التباين في معظم صعدهما، وهكذا هو حال كل بلد عربي حدث فيه حراك شعبي واسع ضد السلطة، ولكن المشترك في أغلبية الحالات هو أن الصراع انحصر بشكل رئيس بين النظام الحاكم والإسلام السياسي، ولعبت فيه التدخلات الخارجية دورا كبيرا، وحسم في المحصلة لصالح النظام الحاكم، ولعبت أيضا الحسابات والاصطفافات الخارجية دورا أساسيا في ذلك إضافة إلى العوامل والظروف الداخلية بالطبع، وإلى هشاشة التنظيمات الإسلاموية نفسها، التي لم يكن نموها خلال الحراكات الشعبية إلا نمو طفروي ساعدته الظروف، ولم يستطع صنع حركات قوية التنظيم والتبلور والتعبئة والمنهجية، بقدر ما صنع حركات عنفية هوجاء مترهلة.
وهكذا في محصلة الصراع نجد أن الإسلام السياسي هُزم بشكل عام، ولكنه لم يهزم لصالح بديل وطني تقدمي حقيقي يستطيع أن يقود مرحلة تطورية عصرية حديثة في البلدان العربية تقطع بدورها الطريق على عودة الإسلام السياسي مجددا بما هو منتـَج أزموي مأزوم بحد ذاته، ولكنه هُزم لصالح الأنظمة العربية الفاسدة المستبدة، التي تعود إليها نفسها الأسباب التي أدت إلى حدوث حراكات الربيع العربي والتي مكنت الإسلام السياسي من اختطافها معظمها، وقد لعبت التدخلات الخارجية أدوارا أساسية ضخمة في كل حالات الصراع ساهمت بقوة كبيرة في الحجم الذي بلغه هذا الصراع والشكل الذي اتخذه والنتيجة التي آل إليها.
وبعد هذه الهزيمة المستحقة للإسلام السياسي والنصر غير المستحق للحكام العرب، ورغم أن ثورات وانتفاضات الربيع العربي زعزعت هياكل الديكتاتورية في المنطقة العربية كلها، وليس في في بلدانها وحسب، نجد أنّ هؤلاء الحكام في أكثرية البلدان العربية قد عادوا إلى أساليبهم السابقة ليعيدوا انتاج أنظمتهم المستبدة والفاسدة من جديد بكل ما كان فيها من قمع وفساد وتبعية خارجية، وما ينجم عن ذلك من تدهور اجتماعي على كافة الصعد، ويساعدهم على ذلك فراغ الساحة من أية قوة وطنية تقدمية مانعة لذلك وتوفر الدعم الخارجي الكبير لذلك والمستفيد من ذلك.
هذا يعني أن كل الأسباب التي أدت إلى موجة أو فورة الصعود الكبير للإسلام السياسي في السنوات الأخيرة لم تتغير، وهي إما بقيت أو غدت أسوأ أو هي في طريقها السريع للعودة، وبالتالي فكل الأسباب الجوهرية لعودة الإسلام السياسي ما تزال قائمة، وظاهرة الإسلام السياسي التي هُزمت مؤخرا على مستوى الفعل ما تزال تمتلك كل أسباب قوتها على مستوى الكمون، وهازِمُها نفسه هو السبب الرئيس والأكبر في ضمان قوتها الكمونية وقابليتها للتحول مجددا إلى فعل، ما يعني في المحصلة أن هذا الهازم هو نفسه الناصر الرئيس، والهزيمة لصالحه هي أيضا انتصار للمهزوم!
وهكذا تصبح "مرحلة ما بعد الإسلام السياسي" هي "مرحلة عودة الديكتاتوريات العربية"، وبالتالي عودة انتاج الإسلام السياسي، وعليه فهي "مرحلة ما قبل عودة الإسلام السياسي".
بذلك يبدو الأمر وكأنه دوران هدام في هاوية حلقية، ولا مخرج خلاصي منها إلا بكسرها بواسطة بديل وطني ثوري عصري حقيقي تنتجه الشعوب العربية، وتستبدل بها كلا من الخصمين الكارثين المترابطين بشكل وثيق، المتمثلين بالديكتاتوريات الحاكمة والإسلام السياسي، وهو بديل ما يزال غير واعد على المدى المنظور بعد حتى الآن.
***
المقالة منشورة على صحيفة حفريات
هل وصل الإسلام إلى طريق مسدود؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق