المرأة السورية في دوامة العنف
رسلان عامر
الأزمة الكارثية التي تتعرض لها سوريا منذ قرابة العقد من الزمن طالت كل شرائح وفئات المجتمع بلا استثناء وانعكست عليها جميعا بأشكال وخيمة، والمرأة السورية التي كانت قبل هذه الأزمة تعاني معاناة مزدوجة يرتبط شطرها الأول بالمعاناة العامة لكل المواطنين في بلاد تحكمها سلطة مستبدة، ويترافق استبدادها كالعادة بفساد مماثل يطال كل جوانب الحياة بمفاعيله السيئة التي أوصلت الوضع في البلاد إلى حد الانفجار، فيما يرتبط شطرها الثاني بالموروث الذكوري التاريخي المتجذر، الذي تحميه كل من المعتقدات الدينية والتقاليد العرفية، والذي ساهم الاستبداد والفساد بدورهما في حمايته من التغيير التقدمي عبر عرقلتهما الشديدة لحركة تطور وتقدم المجتمع ككل.
وفي هذه الدراسة سيتم تسليط بعض الضوء على معاناة المرأة السورية وما تتعرض له من عنف خلال الأزمة المستفحلة الراهنة، التي ماتزال حدتها وحجمها يتصاعدان، ولا يبدو أنه ثمة نهاية قريبة لذلك في المدى القريب.
تعرّف الجمعية العامة للأمم المتحدة "العنف ضد النساء" على أنه "أي اعتداء ضد المرأة مبني على أساس الجنس، والذي يتسبب بإحداث إيذاء أو ألم جسدي، جنسي أو نفسي للمرأة، ويشمل أيضاً التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان التعسفي للحريات، سواء حدث في إطار الحياة العامة أو الخاصة"، وينص"إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة" على أن "العنف ضد المرأة هو مظهر من مظاهر علاقات القوة غير المتكافئة تاريخيا بين الرجال والنساء" و"العنف ضد المرأة هو إحدى الآليات الاجتماعية الحاسمة التي تضطر المرأة بموجبها إلى الخضوع بالمقارنة مع الرجل".([1]) .
وتندرج في إطار العنف ضد المرأة أعمال العنف التي يقوم بها "الأفراد" أو "الدول" أو "المنظمات الإجرامية"، ومن أشكال العنف التي يرتكبها الأفراد: الاغتصاب، العنف الأسري، التحرش الجنسي، الاعتداء برش الحمض أو المواد الحارقة، الإكراه الإنجابي، وأد البنات، الإجهاض الانتقائي بسبب الجنس، اختيار الجنس قبل الولادة، الإساءة أثناء الولادة، الإساءة أو الاعتداء في أحداث الشغب؛ ويضاف إلى ذلك الممارسات العرفية أو التقليدية الضارة مثل جرائم الشرف والقتل بسبب المهور، وختان الاناث، واختطاف العروس، والزواج بالإكراه؛ وهناك أنواع من العنف ترتكبها أو تتغاضى عنها الحكومات مثل الاغتصاب أثناء الحروب، والعنف الجنسي والاستعباد الجنسي أثناء النزاعات، والتعقيم الإجباري والإجهاض بالإكراه، والعنف الذي تمارسه الشرطة والموظفون الرسميون مثل الرجم والجلد؛ وكثيرا ما ترتكب شبكات إجرامية منظمة العديد من أشكال العنف ضد المرأة، مثل الإتجار بالبشر والبغاء القسري، وقد شهد التاريخ أنواعا منظمة من العنف ضد المرأة استمرت طويلا مثل محاكمات الساحرات، والاستعباد الجنسي للنساء، وظاهرة نساء المتعة([2]).
1- الفجوة الجنسية في سوريا:
يذكر "برنامج قفزة النساء إلى الأمام" التابع لهيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين على موقعه الإلكتروني البيانات التالية عن " مؤشر الفجوة بين الجنسين 2014" في سوريا، وقد شمل التصنيف 142 بلدا:
في التحصيل العلمي جاءت سوريا في المرتبة 101، في التمكين السياسي جاءت في المرتبة 126، في المشاركة الاقتصادية في المرتبة الأخيرة 142، وفي التصنيف الكلي جاءت في المرتبة 139 من أصل 142.
ووفقا لتقرير الفجوة بين الجنسين العالمي([3]) السنوي الصادر عن "المنتدى الاقتصادي العالمي" (World Economic Forum)([4]) عام 2019 الذي يركز على 4 محاور رئيسة هي المشاركة الاقتصادية، والتحصيل التعليمي، والصحة والاستمرارية، والتمكين السياسي، حلت سوريا في المرتبة 150 من بين 153 دولة شملها التصنيف، وتلاها على التوالي كل من باكستان والعراق واليمن([5]).
2- العنف المسلح:
تسببت الحرب في سوريا في مقتل مئات آلاف الأشخاص وإصابة عدد مماثل بإعاقات دائمة وتشريد الملايين، وقد ذكر "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، في 4 كانون الثاني 2020 أنه وثق منذ اندلاع الحرب في سورية عام 2011 وحتى ذلك التاريخ مقتل 380 ألفا و636 شخصا بينهم أكثر من 115 ألف مدني، موضحاً أن بين القتلى المدنيين نحو 22 ألف طفل وأكثر من 13 ألف امرأة.
أما "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فقد قالت في 25 تشرين الثاني 2019 أنها وثَّقت في تقريرها الصادر بمناسبة "اليوم العالمي للقضاء على العنف ضدّ المرأة" مقتل 28076 امرأة على أيدي الأطراف الرئيسة في النزاع في سوريا بين آذار 2011 وتشرين الثاني 2019، وقد ذكر التقرير أيضا أن 90 امرأة بالغة قد قتلنَ بسبب التعذيب على أيدي تلك الأطراف، وأن 10363 امرأة ما تزلن قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري.
إضافة إلى ذلك فوفقا لتقرير بعنوان "انتهاكات جسيمة لحقوق المرأة في سوريا" نشره "مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان" في أيار 2013، فقد تم القبض على أكثر من 5400 امرأة، بينهن 1200 طالبة جامعية، من الناشطات المعارضات والمدافعات عن حقوق الإنسان خلال الفترة بين آذار 2011 ونيسان 2013 من قبل الحكومة السورية.
وحتى عام 2017 أكّد تقرير للأمم المتحدة وجود 2.8 مليون سوري يعانون من إعاقة جسدية دائمة بسبب الحرب. وذكر التقرير كذلك تعرّض 30 ألف إنسان في سوريا شهرياً لصدمة نفسية جراء الصراع، وفقا لما ذكرته بوابة "أبواب Abwab" الإلكترونية التي تصدر من ألمانيا قبل عامين تقريبا.
طبعا لا يقتصر العنف الحربي على القتل والإعاقة الصحية والاعتقال والتعذيب وحدها، فله انعكاسات خطيرة عديدة أخرى، وسيتم التطرق إليها في الفقرات التالية.
3- العنف الاجتماعي:
كما سلف الذكر، المجتمع السوري ما يزال مجتمعا تتفشى فيه بحدة التقاليد الذكورية القاسية المجحفة بحق المرأة بأشكالها المختلفة، ومنها العنف الأسري وعدم التوريث والطلاق التعسفي وحتى الزواج القسري، وسوى ذلك.
هذه المظاهر تعود إلى موروث اجتماعي تاريخي عميق الجذور، وهي ليست من إنتاج الأزمة الراهنة أو مرحلة الاستبداد والفساد السابقة لهذه لأزمة والتي أنتجت بدورها هذه الأزمة، لكن هذه المرحلة رسخت هذه المظاهر، التي ضخمتها أكثر الأزمة المتفجرة.
حول العنف الأسري في سوريا، بينت دراسة قامت "الهيئة السورية لشؤون الأسرة" بالتعاون مع "صندوق الأمم المتحدة للسكان"، وتم نشرها بمناسبة "اليوم العالمي لمناهضة العنف الأسري ضد المرأة" عام 2010، وشملت 5000 أنثى بعمر 18 سنة فأكثر، أن نسبة كبيرة من النساء المشمولات بالدراسة تتعرضن للصفع أو الضرب أو اللكم، حيث قاربت النسبة النصف وبلغت 45 .1 %([6])([7]).
هذه الظاهرة تزايدت أثناء الأزمة بسبب تراجع دور مؤسسات الدولة المتدني أصلا وبسبب تفاقم ضغوط الحياة المختلفة، وعن زيادتها عام 2018 يقول الدكتور زاهر حجو مدير عام الهيئة العامة للطب الشرعي أنه تمت معاينة 504 حالات عنف منها 31 ذكورا و53 إناثا و420 لنساء فوق الثامنة عشرة([8])، والرقم هنا يدل على عدد الحالات التي تمت معاينتها فقط، أي التي اقتضت المعاينة، لكن معظم الحالات غالبا ما لا تتم معاينتها ولا تنظيم ضبط فيها، وتتلقاها النساء عادة بصمت أو يتم التعامل معها بالتراضي المعهود، الذي نادرا ما يحل المشكلة أو ينصف المرأة المعنّفة أو يحمّل المعتدي المسؤولية أو يحاسبه على عدوانه.
أما مشكلة حرمان المرأة من الميراث في سوريا، فقبل اندلاع الأزمة مثلا كانت الكثيرات من النساء يفضلن السكوت على حرمانهن من حقهن في الميراث كي لا يخسرن أخوتهن بسبب ذلك، فالموروث الذكوري السائد المتحدر من أصل عشائري، لا يقبل بتوريث المرأة، ويعتبر أن ما ترثه سوف يذهب إلى الصهر، أي إلى غريب لا يحق له الإرث، والإرث يجب أن يحصر حصريا في الأبناء الذكور فقط الذين يحافظون على النسب العائلي واسم ودم العائلة.
هذه الظاهرة كانت لها انعكاساتها الاقتصادية والنفسية السيئة على المرأة قبل الأزمة، وقد تغولت في حجمها وحدتها وآثارها أثناء هذه الأزمة مع انتشار حالة الفلتان الأمني والقانوني والتدهور الاقتصادي، وصارت عواقبها على النساء اللاتي يعانين من وطأة التردي الاقتصادي أقسى اقتصاديا ونفسيا، وعن هذا تقول المرشدة النفسية والاجتماعية فاتن السويد أنه لم يكن لحرمان المرأة من الميراث انعكاسات على حياتها الاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل ثمة آثار نفسية مدمرة ممكن أن تعاني منها المرأة جراء حرمانها من الميراث، ومن تداعياته الخطيرة أنه ينشر العداوة والبغضاء بين أفراد الأسرة الواحدة، ويجعل الأنثى أقل ولاءً لأسرتها، فهي تشعر بأنها تشغل المكانة الدنيا بالنسبة لتلك العائلة([9]).
أما زواج القاصرات، فوفقا لليونيسيف كانت نسبته تبلغ 13%، قبل بداية الأزمة في سوريا، وبلغت 15% خلال عام 2012، وارتفعت إلى 35% خلال عام 2015([10])، أما في عام 2019 فقد كشف "برنامج مناهضة العنف في الأمم المتحدة" أن نسبة الزواج المبكر في سوريا خلال السنوات الثمانية الأخيرة ارتفعت إلى 46%([11])، وتعود أسباب ارتفاع معدل زواج القاصرات في سوريا خلال الأزمة بشكل رئيس إلى أسباب اقتصادية، حيث يلجأ الأهل الذين يعانون من وطأة الظروف الاقتصادية المتدهورة إلى تزويج بناتهن القاصرات للتخلص من مصاريف إعالتهن، أو للحصول على بعض الفائدة من مهورهن، ومن الأسباب الرئيسة أيضا الخوف على "شرف البنت" ولاسيما في مناطق النزوح واللجوء، أو الخوف عليها من العنف الجنسي والاغتصاب في المناطق التي تسطر عليها الجماعات المسلحة.
يذكر أن قانون الأحوال الشخصية العام السوري، الذي تم تعديله في 2019، يعاقب بالغرامة من 25 ألف إلى 50 ألف ليرة سورية، كل من يعقد زواج قاصر خارج المحكمة إذا تم عقد الزواج بموافقة الولي([12]).
وعدا عن مشكلة زواج القاصرات، فهناك مشكلة الزواج العرفي خارج المحكمة، فبحسب تصريحات رسمية، فإن نسبته في محافظتي دمشق وريفها وصلت إلى ما يقارب 90% من مجمل حالات الزواج، حيث تبلغ واقعات الزواج في كلتا المحافظتين يوميا 100 حالة وسطياً، يتم تسجيل عشرها فقط تقريبا في المحكمة الشرعية، والآخر يتم حتى بدون أوراق رسمية، وفي تصريحات بهذا الشأن، أكد القاضي الشرعي الأول في دمشق، محمود معراوي، أن عدد معاملات زواج القاصرات دون سن أهلية الزواج "17 سنة للفتاة في سورية"، بلغ أكثر من نصف المعاملات في دمشق وريفها، وحوالي ربع حالات الزواج من القاصرات المعروضة على المحكمة الشرعية كانت بالفعل تفتقد حضور ولي الفتاة، وأكد أن هناك الكثير من الآباء يلجؤون إلى تزويج بناتهم عرفياً أي خارج المحكمة وبعدما تحمل الفتاة فإنها تتقدم بدعوى تثبيت الزواج[13]).
ظاهرة أخرى قد ازدادت حدة أثناء الأزمة السورية هي الطلاق، الذي ارتفعت نسبته أيضا بشكل ملحوظ، فوفقا لموقع "العربي الجديد" ثلث حالات الزواج الجديدة تنتهي بالطلاق في سورية([14])، فيما ذكر "تلفزيزن سوريا" على موقعه الرقمي نقلا عن مدير عام الأحوال المدنية في سورية أحمد رحال أنه تم تسجيل 19 ألف حالة طلاق منذ بداية العام الجاري وحتى مطلع الشهر التاسع المنصرم، وأوضح رحال بأن 13300 حالة طلاق تم تسجيلها خلال النصف الأول من العام الحالي، مقابل 17 ألف حالة من نفس الفترة في عام 2019([15]).
ويرتبط ارتفاع معدل الطلاق خلال الأزمة بالصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها الأسرة السورية أحيانا أو بفقدان الزوج أو بغيابه وعدم معرفة مصيره أو بالخلاف حول الهجرة إلى بلد أجنبي، أو بزواج القاصرات، وهذا أحد أكثر الأسباب شيوعا، حيث يؤكد المحامي خير الدين البصير أن 80 بالمائة من قضايا التفريق التي يتولّاها هي من نصيب زوجات قاصرات، أو ممن تزوجن وهن قاصرات([16]).
4- العنف المعيشي:
تسببت الأزمة الكارثية في سوريا حتى مطلع عام 2020 بمقتل وفقدان 585 ألف شخص وإصابة حوالي مليوني شخص بإصابات مختلفة وإعاقات دائمة، كما تسببت بنزوح وتشريد قرابة 12 مليون مواطن([17])، وتجاوزت نسبة الفقر الـ 85%، وحتى أواسط ربيع 2020 ارتفع سعر السلة الغذائية التي يعتمدها "برنامج الغذاء العالمي" مرجعاً له بنسبة 107 % في كافة أنحاء سوريا خلال عام واحد كما قالت جيسيكا لوسون المتحدثة باسم البرنامج([18])، وقد تجاوزت اليوم نسبة انهيار العملة الوطنية الـ 50 مرة، وهذا يقابله بشكل عام ارتفاع مماثل في معظم الأسعار، وهلم جرى...
في هذه الظروف المتدهورة في كثير من الأحيان وجدت المرأة نفسها سواء كانت متزوجة أو عازبة، راشدة أو قاصرة، ومهما كان عمرها أو مؤهلها المهني، إما مشردة نازحة، أو فاقدة لعملها، أو عاملة، بدخل منهار القيمة، أو مسؤولة وحدها عن نفسها أو حتى عن عائلتها، أو هذا وذاك وذلك معا، وهكذا صارت المرأة في كثير من الأحيان تلعب وحدها دور المعيل لنفسها أو لأسرتها بعد فقدان المعيل، الذي إما قتل أو فقد أو اعتقل أو أصيب أو فقد هو نفسه مصدر دخله، وكثيرا ما صارت ملزمة أن تلعب دور الأب والأم معا، وفي محصلة كل ذلك صارت المرأة مضطرة للعمل وهي لا تمتلك المؤهلات المهنية الكافية لتجد العمل المناسب، أو صارت حتى إذا امتلكت ما يكفي من المؤهلات غير قادرة على إيجاد العمل المناسب بسبب التدهور الاقتصادي وقلة فرص العمل وتدهور الأجور، أو بسبب النزوح والتشرد وما يتسببان به من فوضى واكتظاظ سكاني وفقدان للوثائق والثبوتيات، وهكذا دواليك..
وقد أدى كل ذلك إما لجعل امرأة تعتمد على المساعدات الاقتصادية القليلة التي لا تكتفي لتأمين الحدود الدنيا من الضرورات المعيشية، أو القبول -إن كانت لاجئة- بما يقدم لها في مخيمات وتجمعات اللجوء وهو في معظم الأحيان قليل وغير كاف، أو الانهماك بأعمال مجهدة تستنزف طاقتها وجهدها ووقتها وصحتها لتأمين الحدود الدنيا من ضرورات المعيشة...
وعدا عن معاناتها من ظروف النزوح والتشرد والانهيار الاقتصادي وتدهور ظروف السكن ورداءة الرعاية الصحية والتقشف الحاد وما شابه، فكثيرا ما باتت المرأة سواء كانت قادرة على العمل أم غير قادرة تجد نفسها في هذه الظروف الشديدة البؤس عرضة للاستغلال الاقتصادي والعمل بأجور متدنية، أو عرضة للاستغلال الجنسي الذي تُستغل فيه ظروف فاقتها وعوزها!
5- العنف الجنسي:
للعنف الجنسي أشكال عديدة، يأتي في طليعتها الاغتصاب الذي يمارس بشكل ممنهج أو غير ممنهج أثناء الحروب، ويدخل في عداده أيضا الابتزاز الجنسي والبغاء اللذان ترغم المرأة عليهما لتأمين مصدر للدخل أو تسوية بعض مشاكل المعيشة، كما يدخل فيه الزواج القسري.. وزواج القاصرات، وتدخل فيه أيضا ما تسمى بـ "جرائم الشرف"، وسوى ذلك، والكثير من هذا وبأشكاله المختلفة شهدته الأزمة في سوريا كما تشهده الأزمات المماثلة.
وبهذا الشأن كانت" الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان"، وهي منظمة غير حكومية، قد أصدرت تقريرا في تشرين الثاني 2013 يفيد بأنه منذ بدء الصراع في عام 2011، تعرضت أكثر من 6000 امرأة للاغتصاب، كما تم العثور على عصابات مُتخصصة في بيع النساء، وبالأخص العذارى منهن، وقد أوضحت الشبكة بأن العدد النهائي للضحايا غير معروف لكنه أكبر بكثير من التقديرات الأولية، لاسيما أن العديد من الحالات لم يتم الإبلاغ عنها لأسباب مختلفة، ووفقا لما أعلنته عام 2016 منظمة "لجنة الإنقاذ الدولية" غير الحكومية، فإن السبب الرئيسي الذي دفع بفرار 600.000 امرأة سورية هو خوفهن من الاعتداء الجنسي([19]).
وبدوره نشر "المركز السوري للعدالة والمسائلة" في نيسان عام 2019 تقريرا بعنوان "هل تعرفين ما يحدث هنا؟"، جاء فيه: «استُخدم العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي كشكل من أشكال العقوبة في مرافق الاعتقال الخاضعة لسيطرة الدولة، وارتَكبت القوات الحكومية العنف الجنسي خلال مداهمات المنازل وعند نقاط التفتيش. ونظراً لوقوع هذه الجرائم على مدار عدة سنوات وفي العديد من المواقع، هناك أسباب معقولة للاعتقاد بأن مسؤولين سوريين قد أجازوا رسمياً ارتكاب هذه الأفعال»([20]).
وبالطبع لا تقتصر ممارسة هذا النوع من العنف الوحشي المقزز على طرف واحد من أطراف النزاع في سوريا، وبهذا الصدد قال باولو بينيرو رئيس "لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا"، في إحدى تصريحاته عام 2018: "إنه أمر شنيع للغاية أن تستمر الأعمال الوحشية من الاعتداءات الجنسية والعنف على أساس النوع من معظم أطراف الحرب على مدى سبع سنوات"([21]).
وتحتل داعش مركز الصدارة بين الجماعات المسلحة في ممارسة العنف الجنسي الوحشي بما اقترفته من جرائم سبي وزواج قسري وقتل للأسيرات، وحول ذلك قال المحقق الأممي في قضية استخدام العنف الجنسي كسلاح في سوريا هاني مجلي "فيما يخص الدولة الإسلامية، سجلنا حالات نساء جرى رجمهن بتهمة الزنا وفي مرات كثيرة بسبب الملبس، واحتجاز وضرب نساء بعضهن حوامل بسبب انتهاكات صغيرة، وإجبار بعضهن على فحص إجباري للعذرية"([22]).
أما البغاء، فرغم أنه ممنوع قانونيا في سوريا، فواقع الحال لم يكن كذلك تطبيقيا، وقبل الأزمة كان كثيرا ما يغض النظر عن هذه الممارسة التي كان يرى فيها العديد من الفاسدين أحد عوامل تشجيع (السياحة)، وبعد الأزمة نمت الظاهرة أكثر بسبب الفلتان الأمني وتدهور الاقتصاد، وسوى ذلك من تداعيات ومفاعيل الأزمة.
وبالطبع ليس هناك أية إحصائيات أو دراسات توثق مدى نمو ظاهرة البغاء خلال الأزمة السورية، ولكن وفقا لتقديرات "برنامج الأمم المتحدة المشترك لفيروس نقص المناعة المكتسبة"(UNAIDS) هناك 25,000 من المومسات في البلاد. ومنذ بداية الحرب الأهلية السورية، فرت العديد من النساء من البلاد وتحولن للعمل في الدعارة وذلك لكسب عيشهن خاصة في الأردن وتركيا ثم لبنان([23])، وقد أشارت بعض التقارير الصادرة عام 2015 إلى أن بعض اللاجئات السوريات قد أرغمن على ممارسة البغاء من قبل شبكة تهريب في الفنادق وبيوت الدعارة في كل من لبنان وتركيا ([24]).
أما جرائم الشرف التي ازدادت وتيرتها بشكل واضح خلال الأزمة، ففي لقاء له مع موقع "سناك سوري" في 30 حزيران 2019 قال غسان غرز الدين، أمين سر نقابة محامي السويداء بخصوصها أن «غياب الوعي أحد دوافع انتشار جرائم الشرف، هنا يتساوى القاتل والمقتول ليقع الاثنان تحت مطرقة المجتمع، كضحايا لمنطق المجتمع الظالم»، ويعتبر غرز الدين أن العقوبة مهما كانت كبيرة لن تكون رادعة، ولا كافية، فجريمة القتل العمد عقوبتها الإعدام منذ الأزل، ولم تردع عن القتل، وأن غياب الوعي سيضعنا أمام مفاجئات كبرى.
وفي نفس السياق قالت المحامية مها نعيم، الناشطة في مجال حقوق المرأة بناء على تصريح رسمي من الأمم المتحدة أن سوريا مصنفة الخامسة عالمياً والثالثة عربياً في نسبة جرائم الشرف، وحسب احصائيات وزارة الداخلية عام 2010 فإن عدد جرائم الشرف بلغ 294، وبعام 2014 شكلت جرائم الشرف 60 بالمئة من عدد القضايا الجرمية، وحسب المكتب السوري للإحصاء تتراوح جرائم الشرف بين 200 إلى 300 جريمة في كل عام، وتزداد في الأرياف، ومعظم الضحايا بعد الفحص الشرعي للجثة تبين أنهن كن مازلن عذراوات([25])!
6- العنف المهجري:
أصبجت الهجرة واللجوء إلى بلد أجنبي بالنسبة لأعداد غفيرة من السوريين هي السبيل أو الأمل الوحيد للخلاص من أتون العنف ومسلسل الانهيار المستمرين في بلادهم، ولكنهما كثيرا ما يكونان مغامرة شديدة المخاطر وغير آمنة النتائج، وبالأخص للنساء والأطفال.
حول ذلك يقول عمر كاراسابان، المنسق الإقليمي للمعرفة والتعلم بمكتب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي: »يواجه الأطفال والنساء أوجه ضعف خاصة بهم. ففي سوريا، وكذلك في البلدان المضيفة، تواجه النساء والفتيات، أو يشعرن، عادة بتهديدات العنف القائم على النوع، بما في ذلك العنف المنزلي، والعنف الجنسي، وزيادة حالات الزواج المبكر، والتحرش والعزل، والاستغلال، وممارسة الجنس من أجل البقاء على قيد الحياة. إن ، وتشير مفوضية شؤون اللاجئين إلى أن الحياة في المنفى فرضت على هؤلاء النساء أن يصبحن العائل والراعي الرئيسي، ويعتنين بأنفسهن وبأسرهن بعيدا عن مجتمعاتهن ومصادر الدعم التقليدي لهن. وبالنسبة لأغلبهن، فإن العبء طاغٍ، ويعتمد الكثير منهن على مساعدة خارجية«.([26]).
أما كاثرين بنفولد، صحفيّة جريدة نيويورك تايمز المقيمة في لندن، فتقول عن معاناة اللاجئات السوريات: »الحرب والعنف في بلد المنشأ، استغلال المهربين، البحار المحفوفة بالمخاطر، والترحيب والمستقبل غير المؤكد في قارة أجنبية، ليست سوى بعض المخاطر التي يواجهها عشرات آلاف المهاجرين الذين لا زالوا يشقون طريقهم إلى أوروبا من الشرق الأوسط وخارجه، ولكن في كل خطوة على الطريق، تتضخم المخاطر بالنسبة للنساء«.([27])، فاللاجئة يمكن أن تتعرض للاغتصاب أو الابتزاز الجنسي من قبل شبكات تهريب اللاجئين، وقد تضطر لبيع جسدها لدفع تكاليف عملية التهريب، وقد تتعرض للتحرش في معسكرات أو مآوي اللجوء من قبل اللاجئين الآخرين من الرجال أو حتى من قبل الحراس أو العاملين في هذه التجمعات.
عدا عن ذلك فاللاجئات يعانين من غياب الخصوصية، فحتى في مأوى حالات الطوارئ في برلين مثلا تضطر الكثير من اللاجئات للنوم بملابسهن، ويضطررن لدفع الخزانة -على سبيل المثال- أمام الباب لإغلاق غرفهن ليلا، حيث لا يوجد لا قفل ولا مفتاح للباب([28]).
عدا عن ذلك فهن يعانين غالبا من تدني الخدمات المعيشية والصحية والغذائية والاجتماعية في معظم معسكرات اللجوء، ولاسيما في الدول المجاورة لسوريا، التي يواجد فيها ملايين اللاجئين.
وإذا أفلحت اللاجئة في إيجاد مكان لها خارج المعسكرات فليس من النادر أن تكون عرضة حتى هنا للاستغلال كيد عاملة رخيصة، أو حتى للابتزاز الجنسي.
وفي الدولة الغربية، كثيرا ما تبقى اللاجئة غير قادرة على تحقيق متطلبات الاندماج الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في هذه المجتمعات، فتبقى أسيرة ملجئها مقيدة اقتصاديا واجتماعيا تنتظر في غربتها مستقبلها المجهول.
وكل هذا وسواه يحدث إذا لم تمت هذه اللاجئة على الطريق، إما من أجل الاتجار بـ "قطع جسدها" أو لـ "إخفاء جريمة اغتصابها" أو "نتيجة لغرقها على أحد مراكب الموت الفاقدة لشروط الأمان والسلامة"، أو غير ذلك من الأسباب.
7- العنف النفسي:
تتميز المرأة بأنها ذات طبيعة عاطفية، وفي علم النفس يصنف العقل الأنثوي بأنه "عقل تعاطفي"، ولذلك فالنساء عادة يكنّ أكثر معاناة من النواحي العقلية والنفسية والعصبية من الصدمات والفواجع التي يتعرضن لها، وهي كثيرة كما ونوعا في الصراع السوري، من قتل أو تشويه أو فقدان الأهل والأقارب، إلى التعذيب والعنف الجنسي، إلى الرعب بأنواعه المختلفة الذي تسببه الحرب، إلى فقدان الممتلكات والفقر والنزوح والتشرد، وسوى ذلك.
وبهذا الشأن تقوله باحثة الدراسات العليا في مجال علوم الأعصاب لنا عزام علي عن تجربتها مع اللاجئات السوريين في مخيمات اللجوء اللبنانية([29]): »في أثناء زيارة لإحدى العائلات، التقيت أمًّا عاجزة عن تحريك رِجليها بسبب شلل أصابهما في ما شُخّص بأنه أحد الأعراض السيكوسوماتية لاضطراب ما بعد الصدمة. والأمراض السيكوسوماتية هي اضطرابات جسدية يلعب فيها العامل النفسي دورًا أساسيًا. وأفاد زوجها بأن الأطباء أخبروهما أن حالها يسوء بسبب الضغط النفسي الذي تعاني منه، وأن السبيل الوحيد لمساعدتها على الشفاء هو العلاج النفسي، وفي حالة مُشابهة، ذكرت لي سيدة أخرى كيف أنها تجفل في هلع كلما سمعت صوتًا مزعجًا وتتداعى إلى ذاكرتها جميع الذكريات المرتبطة بفرارها من الحرب، فتجتاح أنفها رائحة البارود والدخان، وتأتي بردود الفعل الجسدية المقترنة بالحدث«. وهذه عينة مما يعانيه قسم ليس بالقليل من اللاجئات السوريات اللاتي فررن من أهوال الحرب في بلادهن.
وبهذا الخصوص يقول عمر كاراسابان: »لا عجب أن الصدمة النفسية تؤثر في عدد كبير من السوريين، سواء كانوا من النازحين قسرا أم لا. وقدرت دراسة أجراها المجلس الاتحادي الألماني للمعالجين النفسيين في 2015، أن نصف اللاجئين السوريين في ألمانيا لديهم مشاكل عقلية، إذ شهد 70% منهم أحداث عنف، وكان 50% منهم ضحايا للعنف. وتفيد السلطات التركية بأن 55 % من اللاجئين السوريين هناك في حاجة لخدمات نفسية وأن نصف الأسر السورية تقريباً يرون أنهم هم أو عائلاتهم في حاجة لمساعدات نفسية .ورغم ذلك، يقدر أنه يتم توفير 5% فقط من العلاج النفسي اللازم للاجئين في كل من الأردن ولبنان وتركيا«.([30]).
وما تقدم قوله عن وضع السوريات والسوريين في مراكز اللجوء والإيواء الخارجية، ينطبق على الأقل أيضا على وضع أمثالهم من مشردي ونازحي الداخل، وهذا يعني أن أعدادا غفيرة من السوريين سيعانون إلى أمد بعيد من مشاكل نفسية حقيقية، ويمكن أن يستمر تأثيرها على الأجيال اللاحقة منهم.
8- خلاصة:
يقول كارل ماركس: "إذا أردت أن تعرف مدى تقدم مجتمع ما، فانظر إلى وضع المرأة فيه"، واليوم تدفع المرأة في مجتمعنا السوري ثمنا باهظا استثنائيا لما كان ومايزال في هذا المجتمع من آفات مستفحلة، وكثير منها أنتجتها أو نمتها أو فاقمتها سياسة الاستبداد والفساد القائمة.
إن وضع مجتمعنا السوري الراهن هو كارثي بكل الأبعاد، وتطال عواقبه الوخيمة كافة الشرائح، وهناك ما تلتقي فيه جميع هذه الشرائح، وهناك بالمقابل خصوصيات خاصة لكل شريحة، وفيما تقدم تم تسليط بعض من الضوء على ما تعانيه المرأة السورية من عنف وشقاء من جراء الأزمة الكارثية الراهنة في سوريا، وهناك أرقام تتحدث عن نفسها، ورغم أنها كما يوضح من توصلوا إليها لا تعكس الحقيقة الكاملة للمشهد المأساوي، إلا أنها تكفي لتوضيح مدى مأساويته، والأكثر مأساوية، أنه لا نهاية تبدو في الأفق المنظور لكل هذا العنف والشقاء، ونار الأزمة ما تزال مشتعلة.. وما تزال تتأجج أكثر في الكثير من الجوانب ملتهمة المزيد والمزيد من الضحايا والقرابين البشرية، الذي يضحى بهم على مذابح المصالح الخبيثة المسعورة لأطراف داخلية وإقليمية ودولية.
*
08/12/2020
[5] - CNN Arabic، المساواة بين الجنسين تحتاج 100 عام لتتحقق.. أين الدول العربية منها؟ 17 كانون الأول 2019.
[6] -د. يوسف بريك & د. محمد أكرم القش، دراسة الهيئة السورية لشؤون الأسرة حول العنف الأسري، مساواة- مركز دراسات المرأة
[7] -دام برس، دراسة لهيئة شؤون الأسرة .. الأولى على صعيد الاستقصاء الوطني حول العنف الأسري ضد المرأة، 25 تشرين الثاني 2010.
[10] - نضال جوجك، زواج القاصرات، أزمة اجتماعية مستدامة، الحركة النسوية السياسية السورية، 29 تموز 2020.
[15] - تلفزيون سوريا، 19 ألف حالة طلاق في سوريا خلال الأشهر الـ 8 الأولى هذا العام، 1 تشرين الأول 2020.
[17] - سوريا بعد 9 سنوات من الحرب 585 ألف ضحية ومليونا جريح، الشرق الأوسط- العدد 15013، بيروت – لندن، يناير 2020.
[27] -كاترين بنهولد، محاولات الهجرة توقع السوريات فريسة الاستغلال الجنسي، ترجمة وتحرير نون وبست، 4 كانون الثاني 2016.
*
البحث منشور على مجلة "صور"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق