ما هو الحب التجاوزي؟
رسلان عامر
عند الحديث عن الحب، فأول ما يتبادر إلى الذهن هو الحب المتبادل بين الرجل والمرأة، والذي غالبا ما يسمى بـ "الحب الرومانسي"، لكن الجميع يعلم أن هذا الحب، بما له وما عليه، هو فقط أحد أنواع الحب أو أشكاله العديدة.
والبحث في مسألة الحب ليس جديدا في تاريخ الفكر الإنساني، ولا يمكن بالضبط وضع تاريخ محدد لبدايته، وهو ما يزال مستمرا حتى اليوم، حيث ما يزال البحث وإعمال الفكر قائمين في تفسير ظاهرة الحب، وفهم أسبابها ودوافعها، والتمييز بين أشكالها.
من أقدم تمييزات الحب نجد تمييز قدماء اليونانيين، الذين ميزوا بشكل عام الأشكال الأربعة التالية من الحب:
-أغابي (Agápē): وتدل على الحب غير الأناني المقدم لجميع الناس، سواء كانوا من أفراد الأسرة أو الغرباء البعيدين، وقد تمت ترجمة Agape لاحقًا إلى اللاتينية بـ "كاريتاس" (Caritas)، وهي أصل الكلمة الإنكليزية المعاصرة "charity" التي تعني"عمل الخير أو الإحسان أو البر".
وفي وقت لاحق طور اللاهوت المسيحي بشكل خاص مفهوم الأغابي وصار يدل فيه على محبة الله للإنسان ومحبة الإنسان لله، ومحبة الإنسان للإنسان القائمة على أساس هذه العلاقة بين الله والإنسان، وهذا النوع من الحب أوضحه اللاهوتي المسيحي الشهير توما الأكويني على أنه "إرادة الخير للآخر".
-أيروس (Eros): ويدل في الغالب على "الشغف والرغبة الجنسيين"، ومنه تحدرت الكلمة اليونانية الحديثة "erotas" التي تعني "الحب الحميمي"، وبهذا الخصوص يقول الكاتب الأسترالي رومان كرزناريك (Roman Krznaric): «لم يفكر اليونانيون دائمًا في الأمر على أنه شيء إيجابي، كما نفعل اليوم. في الواقع، كان يُنظر إلى الأيروس على أنه شكل خطير وناري وغير عقلاني من الحب يمكن أن يسيطر عليك ويملكك، وهو موقف شاركه العديد من المفكرين الروحيين اللاحقين... تضمن الأيروس فقدان السيطرة الذي أخاف الإغريق. وهو أمر غريب، لأن فقدان السيطرة هو بالضبط ما يسعى إليه كثير من الناس الآن في العلاقة. ألا نأمل جميعًا أن نقع في الحب "بجنون"»؟
-فيليا (Philía): وهي تدل على "الاحترام الحنون، والمودة"، وتطلق عادة على العلاقة بين الأنداد، وتتطلب الفضيلة والمساواة، وتعبر عن أشكال مختلفة من الوفاء للأصدقاء والأسرة، والمجتمع، وهي برأي أرسطو في أعماله المعروفة عن الأخلاق حب فاضل نزيه، ويمكن القول أنها تدل على "الحب الإنساني الأخوي"، وقد قدّرها حكماء الإغريق أكثر بكثير من الأيروس.
-ستروغي (Storgē): وتدل بشكل خاص على الحب والحنان والتعاطف الطبيعي الشائع والمتبادل بين الآباء والأبناء، وتستخدم غالبا لوصف العلاقات داخل الأسرة بحيث يمكن القول أنها تدل عموما على "الحب العائلي"، كما يستخدم هذا المصطلح أيضًا عند الإشارة إلى حب المرء لوطنه.
وعدا عن ذلك يضيف بعض الباحثين أيضا:
-فيلاوتيا (Philautia): وتعني "حب الذات ومراعاة السعادة أو المنفعة الخاصتين"، وهذا ما قسّمه اليونانيون إلى إيجابي وسلبي: الأول، اعتبروا أنه النسخة غير الصحية، وهو الحب المهووس بالذات، والآخر هو مفهوم التعاطف مع الذات الذي اعتبره اليونانيون ضرورة إنسانية أساسية.
-كسينيا (Xenia): وهي تدل على "المودة تجاه الضيف" وهذا هو المفهوم اليوناني القديم للضيافة، وللكرم واللطف اللذين يظهران لمن هم قريبون في محيط الشخص الاجتماعي أو للغرباء البعيدين عن منازلهم، وقد تضمنت طقوس الضيافة والتعبير عن العلاقة المتبادلة بين الضيف والمضيف أمورا غير مادية كالحماية والمأوى وبعض الامتيازات والحقوق المحددة، وأمورا أخرى مادية مثل تقديم الهدايا من قبل كل طرف.
-مانيا (Mania): وهي تدل على الحب عندما يتحول إلى هاجس أو وسواس أو حالة من الاستحواذ على صاحبه، فهو هنا يصبح هوسًا، وتعتبر سلوكيات الملاحقة والغيرة الشديدة والعنف في التعامل مع المحبوب كلها أعراضا للهوس.
-لودوس (Ludus): ويطلق على لعبة الحب والسلوك الناجم عن حالة الإعجاب أو المودة بين العشاق الصغار أو العشاق العاديين، ويدخل في نطاقه مثلا المغازلة والمعاكسة في المراحل الأولى من العلاقة؛ وهو "الحب المرح" تبعًا للشاعر الروماني أوفيد.
- براغما (Pragma): يصف عالم الاجتماع الكندي جون ألان لي (John Allen Lee) براغما بأنها حالة الحب الواقعي الناضج في العلاقة الزوجية المستقرة، حيث يظهر كل من الزوجين الصبر والتسامح والتفهم، ويقدم بعض التنازلات للحفاظ على العلاقة وتمكينها من الاستقرار والاستمرار، وبالتالي يمكن القول أن براغما تدل على "الحب العملي". ليس هناك أدلة كثيرة تؤكد أن اليونانيون القدماء استخدموا بأنفسهم هذا المصطلح، الذي شاع استخدامه بعد أن استخدمه لي في السبعينيات الماضية كوصف لأحد أصناف الحب، ولذا يجدر اعتباره تحديثا في الفكر الحديث على مفهوم الحب اليوناني القديم.
هذه التصنيفات ما تزال تؤثر بشكل أو بآخر على التصنيفات المعاصرة، فجون ألان لي مثلا ابتكر نظرية سماها "نظرية عجلة الألوان الحُبـّية" وطرحها عام 1973 في كتابه "ألوان الحب: استكشاف طرق الحب"، واستخدم فيها المصطلحات الإغريقية واللاتينية، وهي تصف عدة أنماط من الحب، حيث يحدد لي ثلاثة أنماط حب أولية وثلاثة ثانوية وتسعة من الدرجة الثالثة، ويصفها بمصطلحات عجلة الألوان التقليدية، وفي هذه النظرية الأنماط الأساسية الثلاثة هي: الأيروس واللودوس والستروڠي، والأنماط الثانوية الثلاثة هي المانيا والبراڠما والأڠابي، أما التسعة الأخرى التي من الدرجة الثالثة، فهي تنتج من تعالقات الأنماط الأولية والثانوية.
أما الكاتب واللاهوتي البريطاني كليف ستيبلز لويس (Clive Staples Lewis) ففي كتابه "المحبات الأربع" المنشور عام 1960، يصنف الحب في أربعة أصناف، ويستند جزئيا على تصنيفات الحب اليونانية الرئيسة الأربعة، وأصناف الحب برأيه هي: المودة (affection) والصداقة (friendship) والعشق (eros) والإحسان (charity).
وبدوره، فقد نشر الروائي والمفكر الفرنسي ستاندال (Stendhal) أفكاره الفلسفية عن الحب في كتاب يحمل نفس العنوان"عن الحب" (De l’amour بالفرنسية) عام 1822، وفيه يصنف الحب في أربعة أنواع هي:
-الحب الجسدي (l'amour- physique): ويدل على النزوع الجنسي الرغبوي البحت.
-الحب المهذب (l'amour-goût))، ويدل على العلاقة الاجتماعية بين الرجل والمرأة المحكومة بالآداب والقيم والمنفصلة عن العاطفة والرغبة.
-الحب الغروري (l'amour-vanité): وهو ذلك النوع من المغامرات الذي يقوم به بعض الرجال اعتقادا منهم أنه يجلب لهم الهيبة والتميز، ويسعون فيه للحصول على الخليلات كسعيهم للحصول على المقتنيات الثمينة.
- والحب العاطفي (Passionate Love)، وهو برأي ستاندال أرفع وأروع أشكال الحب، وفيه يقوم المحب بخلق صورة مثلى للمحبوب، وينسب إليه أرقى وأجمل الصفات.
ومن ناحيته، يصنف عالم النفس الاجتماعي والفيلسوف الألماني- الأمريكي إيريك فروم (Erich Fromm) عضو جمعية "مدرسة فرانكفورت" المؤلفة من فلاسفة وعلماء اجتماع في كتابه "فن الحب" (Art of Loving) المنشور لأول مرة عام 1956 الحب كـ: حب أخوي (brotherly love)، حب والدي (motherly and fatherly love)، حب جنسي (erotic love)، حب للذات (self-love)، وحب لله (love of God).
تلك بعض من التصانيف الحديثة، وكما نرى.. تتنوع بدرجة أو بأخرى مفاهيم وأشكال الحب فيها وتختلف مقارباته، والسعي إلى فهمه ما يزال مستمرا ومتطورا، وهذا التطور نفسه لا يقود فقط إلى فهم مختلف من قبل المحللين والباحثين في هذا الميدان، بل يقود أيضا إلى إنتاج مفاهيم مختلفة للحب نفسه عند المحبين أنفسهم، ذلك أن الحب كظاهرة بكل ما فيها من اختلاف وتنوع هي ظاهرة تفاعلية تكاملية في المجتمع، وهي لا تنفصل عما يطرأ فيه وعليه من تطورات، وينشأ فيه من مدارس فكرية ومذاهب عقائدية، ففي التاريخ الإسلامي مثلا، أدى ظهور وانتشار الإسلام وتطور الثقافة الإسلامية إلى نشوء ظاهرة "العشق الصوفي"، أما تطور المجتمع الغربي الحديث وما حدث فيه من تفشي للثقافة الاستهلاكية حتى في ميدان العلاقة بين الجنسين فقد أدى ذلك إلى تراجع "الحب الرومانسي".
لكن بالمقابل، ففي الثقافة الغربية المعاصرة، التي ما يزال فيه العقل الإنساني الحر يحظى بحضور نشيط، والتي أصبحت شديدة الانفتاح على ثقافات الآخرين وأكثر اكتسابا منها وتفاعلا معها، يزداد اليوم الحديث عن نوع آخر من الحب هو "الحب التجاوزي" أو "الحب المتسامي" أو "الحب المتعالي" أو"الحب الفائق" (Transcendent Love) أو (Transcendental love)، الذي تقول عنه أحد تعريفاته:
«هناك طريقة للحب لا تشبه كثيرًا الطريقة التي نعرّف بها الحب في ثقافتنا الحالية. إنها حقيقة أكثر من كونها شعورا، ولا علاقة لها بالرغبة والتعلق ولا حتى الثقة، ولا يتعلق الأمر بحب الذات، بل يتعلق بالحب الفائق للآخر. عندما نختبر هذا الحب فهو شفاء... إذا لم نختبره من قبل فقد يكون الأمر محيرًا للغاية. نحن نعلّم بعضنا البعض وأنفسنا أن الحب يجب أن يكون مصحوبًا بالرغبة، والتعلق، والتفاني، والتضحية، والتخلي عن الآخرين، والتخلي عن الذات، إنها حالة نقع فيها ونخرج منها. الحب المتسامي هو متعال لأنه يفوق الرغبة، والتعلق، والخسارة، والتفاني، والتضحية، والتخلي، ويتجاوز حالة العلاقة، وهو ببساطة كذلك».
وهو في تعريف آخر:
«الحب المتعالي بالنسبة لي هو حب شامل للعيش، والعناصر الحيوية لدعم بعضنا البعض في مساعينا اليومية. وهو يرفع كل واحد منا في إحسان محبة الأمل والتعاطف القاعدي لنكون إيجابيين في مسيرتنا في الإيمان. لقد اعتنقت مؤخرًا وجهة النظر هذه، وما زال الآخرون يسكنون في السلبية، ولكن جوابي هو أن أبتعد باستمرار عن ذلك بأمل وحيوية!».
وفي تعريف ثالث:
«الحب التجاوزي هو مصطلح يشير إلى تجربة حب أو حب قوية جدًا و/ أو رائعة جدًا بحيث تتجاوز نطاق الخبرة البشرية المعتادة والطبيعية أو الفهم أو التحكم. يوصف هذا الحب أيضًا بكل الكلمات التي تنطبق على "تجاوزي أو متعالي"».
بهذا الخصوص ينبهنا عالم الأنثربولوجيا الأمريكي إيريك غانز (Eric Gans) إلى مسألة هامة ترتبط بالأمور ذات الطابع المتعالي أو التجاوزي، التي يسهل التشكيك بها وشجبها، ولكنه بنفس الوقت يشير إلى نقطة هامة أخرى، وهي أنه بالرغم من كل ذلك، فالتعاطي مع هذه الأمور هو ظاهرة واقعية تتمثل في سلوكيات اجتماعية فعلية كغيرها من السلوكيات، وبنفس الوقت فالتشكيك والشجب هما بدورهما سلوكان أيضا كبقية السلوكيات، ما يجعل من التشكيك والشجب للعلاقات التي يدخل فيها عنصر التعالي مجرد سلوك مقابل سلوك، وهكذا يقول غانز:
«بما أن الحب، مثل أي تجربة متعالية، هو متناقض، فمن السهل التنديد به باعتباره وهمًا. إذا قرأت ما يكفي من العلوم الاجتماعية، تبدأ في التفكير في أن التعالي من أي نوع هو وهم، وأن هناك أشياء فقط وأنواع أكثر تعقيدًا من الأشياء، حتى أن التفكير في الأشياء هو مجرد خلق أنواع جديدة من الأشياء. لا تشرح العلوم الاجتماعية الظواهر المتعالية مثل الدين أو الحب. لكن ليس من الضروري أن تشرحها. إنها مجرد سلوكيات تمت ملاحظتها تجريبياً مثل أي سلوكيات أخرى، تخضع للانتقاء الطبيعي. ورغبتنا في فهم سبب إيماننا بالله، أو سبب وقوعنا في الحب، هي مجرد سلوك آخر، والخطاب الذي يعلن أنه سلوك، لا يزال سلوكًا آخر...».
ليس غريبا أن نجد اختلافات في مقاربة مفهوم "الحب التجاوزي"، فمثل هذا الاختلاف نجده دائما في مقاربات أنواع الحب الأخرى، كما نجده في أية مفاهيم أخرى غير الحب، لكن من بين المقاربات المميزة للحب التجاوزي يمكن الحديث بشكل مميز عن مقاربتي كل من إيكهارت تولي (Eckhart Tolle) وريتشارد كوكرلي (J. Richard Cookerly).
إيكهارت تولي هو معلم روحاني وكاتب ألماني المولد كندي الموطن، وهو مؤلف كتاب "قوة الآن" (The Power of Now) وكتاب "أرض جديدة" (A New Earth) وسواهما، وفي مقاربته لمسألة "الحب التجاوزي"، فهو يضع هذا الحب في حالة مواجهة وتنافي مع "الحب الشخصي" (Personal Love)، ويرى تولي أن خلف الانفصال الظاهري للبشر، الذي يجعلهم يبدون أفرادا شخصيين منفصلين هناك وحدة عميقة متعالية، وهي حالة "تجاوزية" يشكل فيها جميع الناس كلية واحدة غير مجزأة أو منفصلة، وبذلك يصبح كل إنسان كائنا ثنائي البعد، وله بعد نسبي يكون فيه شخصا (Person) وشكلا (form)، وبعد كوني وغير زمني مطلق يكون فيه كائنا "بلا شكل" أو "لاشكليا" (formless).
وهو يجيب عن السؤال «إذا كنا جميعًا واحدًا، فلماذا نشعر بالانجذاب نحو أفراد معينين في تعبير عن "الحب الشخصي"؟» بالقول: «الحب الحقيقي متعالٍ. بدون التعرف على ما في داخلك من اللاشكلي، لا يمكن أن يكون هناك حب متعال حقيقي. إذا كنت لا تستطيع التعرف على ما لا شكل له في نفسك، فلا يمكنك التعرف على نفسك في الآخر. إن الاعتراف بالآخر على أنه نفسك في الجوهر - وليس الشكل - هو الحب الحقيقي. طالما أن العقل المشروط يعمل وأنت متماهي معه تمامًا، فلا يوجد حب حقيقي. قد تكون هناك بدائل، أشياء تسمى "حبا" ولكنها ليست حبًا حقيقيًا. على سبيل المثال، "الوقوع في الحب"... ربما اختبره معظمنا... الانجذاب نحو الآخر هو محاولة لإيجاد الكمال والاكتمال والإخلاص من خلال القطبية المعاكسة، في محاولة للعثور على الوحدة. هذا يكمن في أساس الجاذبية، ويتعلق الأمر بالشكل (form)، لأنك على مستوى الشكل لست كاملاً - أنت نصف الكل، نصف البشرية من الذكور، والنصف الآخر من الإناث تقريبًا».
يرى تولي أن الحب الشخصي هو محاولة عاثرة للخروج من محدودية وانفصال حالة الوجود النسبي المؤطرة في "شكل" إلى حالة "الكلية"، ولكنها لا تتم عادة بالشكل الصحيح، لأن الآخر في مثل هذا الحب يصبح بديلا أو تعويضا عما يسببه الوجود في حالة "الأنا الشخصية" من أحاسيس مستمرة مقلقة ومتوترة من النقص وعدم الرضى وعدم الاكتفاء وما شابه، وفيه يكون الآخر إما قابلا للاستبدال أو عرضة لنزعة التملك والاستحواذ، وفي كلتا الحالتين يُعامل وكأنه غرض أو شي أو أداة، وليس كذات بحد ذاته، ومثل هذا الحب لا يمكنه أن يكون حبا حقيقيا دائما، فالحب الحقيقي هو على العكس من كل ذلك، وهو يتم على أساس وعي أن الآخر ليس كائنا آخرا مختلفا في جوهره، وإنما هو نفس الذات ونفس الجوهر في شكل ظاهري آخر وحسب، وبذلك تصبح العلاقة مع هذا الآخر علاقة تكاملية راسخة مع الذات نفسها، وتزول منها مساعي الاستبدال ونزعات الاستحواذ وأحاسيس الاضطراب والتخبط وفقدان الأمان العاطفي والوجودي.
وبهذا الشكل يصبح الحب التجاوزي عند إيكهارت تولي حالة بديلة للحب الشخصي، ويتم فيها تجاوز حدود الشخصية الفاصلة بين الأنا والآخر إلى حالة الوحدة الكونية الجامعة بينهما كذات واحدة، وعن هذا يقول تولي: «إنه لأمر رائع أن تكون هناك من أجل الآخر كفضاء (space)، وليس كشخص. في هذه اللحظة بالذات، يمكنك إما أن تكون هنا كشخص، أو يمكنك أن تكون هنا كفضاء».
بالنسبة لطبيب النفس الأمريكي وعالم الحب (Loveologist) ومؤلف كتابي "الحب الحقيقي والحب الزائف" و"استعادة الحب" وغيرهما.. ريتشارد كوكرلي (J. Richard Cookerly)، الأمر مختلف.
عن سؤال "ما هو الحب التجاوزي؟" يجيب كوكرلي:
«أولاً، دعونا نتأكد من أننا نفهم الكلمات "تجاوزي" و"متعالي"، كلاهما يعني ببساطة ويشير إلى ما يحدث خارج نطاق التجربة الإنسانية العادية أو الجسدية فحسب، والتي تتجاوز الفهم العادي المعتاد. غالبًا ما يحمل التجاوزي في طياته دلالة على كونه "أعلى"، وأكثر عمقًا، وأعظم، وأعمق، وأوسع، وأكثر روعة وعالمية وصلة كونية، ويمكن أن يشير المتعالي إلى ما يتجاوز فهمنا للمكان والزمان والكون المادي. الكلمات والمفاهيم المرتبطة أحيانًا بالمتعالي هي "ميتافيزيقي، صوفي، يتجاوز الفهم البشري، أعجوبي، فائق الشعور، كوني، متعدد الأبعاد، لانهائي، أبدي، روحي، منتشر في كل مكان، لا يوصف وأثيري". الحب التجاوزي هو مصطلح يشير إلى تجربة حب أو حب قوية جدًا و/ أو رائعة لدرجة أنها تتجاوز نطاق التجربة الإنسانية المعتادة والطبيعية أو الفهم أو التحكم. يوصف هذا الحب أيضًا بكل الكلمات التي تنطبق على "تجاوزي أو متعالي"».
لا يضع ريتشارد كوكرلي الحب التجاوزي في حالة تنافي مع الحب الشخصي كما يفعل إيكهارت تولي، فكوكرلي ينظر إلى الحب التجاوزي كتجربة باطنية متعالية، وهي تتحقق في حالات التعالي الشعوري، التي يكون فيها الشعور جديدا ويصل إلى درجات غير مسبوقة من القوة والتسامي والروعة، ويجعل صاحبه يشعر بسقوط الحواجز والحدود بينه وبين الكون ككل وبانتمائه إلى كلية الوجود، وهذا ما يحدث مثلا في الحالات التي يضحي فيها لإنسان بنفسه من أجل شخص يحبه أو مبدأ يؤمن به، وهذه التجاوزية يمكنها أن تتم في أي ميدان من ميادين الحب كالحب الإنساني العام أو الحب العائلي أو الصداقوي أو الجنسي أو سوى ذلك. لكن كوكرلي يرى أن إمكانية حدوث مثل هذا نادرة، ولا يوجد سبيل مؤكد ومضمون لتحقيقها، وهي يمكن أن تحدث بشكل مفاجئ غير متوقع أو منتظر، إلا انه ثمة إمكانية لزيادة فرصة حدوثها عن طريق ممارسة النشاطات الروحية ودراسة تجارب الآخرين التجاوزية.
وبالمقارنة بين نظرتي تولي وكوكرلي يمكن القول أن تولي يتحدث عن "الحب التجاوزي" كحالة "نوع من الحب قائم بذاته"، وهو يتم كحالة يتم فيها تجاوز الشخصانية، أما كوكرلي فيراه "حالة نوعية أو حالة كيفية أو درجة يمكن أن تتم في جميع ميادين الحب" وهو يحدث كتجربة شخصية دوما، وفي الوقت الذي يضع فيه تولي منهجية للوصول إلى هذه الحالة، فكوكرلي ليس لديه منهجية محددة لذلك، ولا يرى في المنهجيات الموجودة إلا سبلا لتعزيز فرصة الحصول على تجربة حب متعال دون أية مضمونية.
ختاما قد يُطرح سؤال عن أهمية الحديث عن موضوع "الحب التجاوزي" هذا، ولاسيما أن هذا الموضوع ما يزال نادر الطرح في المكتبة العربية!
واقعيا يمكن لهذا الأمر عموما أن يكون مهما للأسباب التالية:
أولا: لغاية معرفية عامة محضة، فهو يسلط بعض الضوء على أحد مجالات الفكر الحديث، وبذلك يكون مفيدا ومهما للراغبين بالمعرفة والاطلاع.
ثانيا: يمكن أن يكون أيضا مفيدا للمهتمين خصيصا بمسألة الحب كمسألة إنسانية شديدة الأهمية، ومعرفة وفهم ما يدور حولها من أسئلة ونقاشات وما يطرأ عليها من تطورات ومستجدات.
ثالثا: يمكن أن يكون مفيدا لمن يسعون إلى تطوير ذواتهم واختبار تجارب إنسانية من نوع أرفع وأعمق، فيكون حافزا مشجعا لهم من ناحية، ويقدم لهم المزيد من المعرفة البناءة في هذا الميدان.
رابعا: يمكن أن يجعل من مروا بتجارب حب غير تقليدية، سواء كانوا فيها محبين أو محبوبين، أكثر قدرة على فهم هذه التجارب والتعامل معها ومع أنفسهم ومع الآخرين الذين تربطهم بهم مثل هذه العلاقة، سواء كانت أحادية الطرف أو متبادلة، بإيجابية أكثر ووعي أكبر.
وخامسا: المعرفة عن هذه الموضوع يمكنها أن توسع وتعمق فهمنا لظاهرة الحب.. وتنمي، سواء من حيث هي معرفة أو من حيث هي فهما أرقى للحب، وعينا الإنساني العام.
*
المقال منشور على مجلة معابر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق