النكوص إلى مفهوم "العزوة"
رسلان عامر
الجماعة هي ظاهرة مقترنة بالتاريخ البشري، وكل عصر ينشئ جماعاته المناسبة له والمختلفة عن سواه، والجماعة العصبوية هي شكل ضارب في القدم، وهو مرتبط بشكل عام بتدني مستوى التطور البشري، وإن كان بحد ذاته خطوة لها أهميتها في تاريخ هذا التطور.
تلك الجماعات كانت له حسناتها وسيئاتها، ولا يستهجن ما كان فيها من سوء لأن إمكانيات تلك الأزمنة لم تكن تسمح بما هو أفضل، لكن استمرارية هذه الجماعات بلعب نفس أدوارها السالفة في عصر الذرة والفضاء يصبح أمرا ليس مثيرا للاستهجان فقط بل وللاشمئزاز!
منذ زمان قديم قال الشاعر دريد ابن الصمة:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشدِ
و"غزية" هي قبيلة الشاعر، التي يعلن في بيته هذا عن ولاءه المطلق لها وسيره الانقيادي معها إلى حيث تشاء، وبذلك يقدم لنا هذا الشاعر مثالا جليا عن حجم الاستلاب الذي تؤدي إليه وطأة الانتماء في الجماعات العصبوية كالقبائل والطوائف وما شابه، ومصطلح "غزية" هذا سنستعيره في مقالنا هذا للدلالة أحيانا على "الجماعات العصبوية" المختلفة كالطائفة والقبيلة والعشيرة والعائلة وهلم جرى...
هذه الجماعات في علاقتها مع أعضائها تقوم بثلاثة وظائف، وهي: الهوية والثقافة والعزوة.
والعُِزوة في اللغة العربية هي القوم الذين ينتسب إليهم المرء ويشدون أزره، ويغيثونه عند حاجتة للمساعدة.
في الهوية تتحدد هوية الشخص عبر صفة الانتماء التي تنشأ من انتمائه إلى جماعته، وعادة ما تكون هذه الصفة التي يكتسبها الفرد من جماعته محورية، وهي التي تحدد صورته في بعدها الجمعي الأساسي الذي يصغر عادة وراءه بعدها الفردي ويصبح ثانويا.
في الثقافة يكتسب الفرد عادة ثقافته من خلال تقاليد وأعراف ومعتقدات وتاريخ وتجربة جماعته، وهذه الثقافة أيضا تتخذ بعدا جمعيا لا يترك إلا هوامش ثانوية للفردية، وبذلك لا تتكون لدى الفرد ثقافة خاصة مميزة له كفرد، فأعضاء الجماعات التقليدية هم عموما "نسخ ثقافية" تكرر بعضها بعضا، ولا فوارق ذات قيمة بينهم.
وفي العزوة تكون جماعة الشخص هي مصدر القوة الذي يجد لديه العضو أو العنصر في هذه الجماعة السند والعون والحماية، وفي النظام الجماعاتي، الذي تكون فيه الجماعات تجمعات بشرية مستقلة، أو منتمية إلى تجمع أكبر، ولكنها تلعب دورا مؤثرا فيه، تكون هذه الجماعات إما مصدر القوة الوحيد أو الرئيس بالنسبة للفرد، أو على الأقل مصدر قوة له دور كبير الأهمية في حياته.
في عالمنا المعاصر، هناك مجتمعات متقدمة تجازوت تماما أو تقريبا حالات العصبوبة والانتظام الجماعاتي، كالمجتمعات الصناعية الليبرالية، وهناك بيئات اجتماعية ما تزال فيها البنى العصبوية الجماعاتية قوية ومؤثرة إلى حد كبير منها مثل معظم البلدان الإفريقية والخليج العربي، وهناك بيئات اجتماعية تقع في مواقع وسط بين هذا وذاك، وهي كثيرة، وفي عدادها تدخل بعض البلدان العربية.
هذه البنى العصبوية التي ما يزال لها حضور قوي في مناطق كثيرة من العالم... تتناسب قوتها طردا مع مأزومية بيئتها، وعلاقتها بهذه المأزومية جدلية، فهي أحد العوامل الفاعلة في تسبيب الأزمات، والأزمات بدورها تنشطها وتعيد تنميتها إن كان نموها قد تراجع، فبقدر ما تكون الأزمات حادة يحدث نكوص اجتماعي من "الاجتماع المجتمعي" إلى "الاجتماع العصبوي" وتزدهر الجماعات العصبوية أو تعاود النمو من جديد، وهذه الأزمات هي -بالطبع- أكثر حدوثا في الكم وحدّة في الكيف في البيئات الاجتماعية المتخلـّفة... التي تكثر مشاكلها، وتكون العصبوية فيها قوية، والقدرة على حل المشاكل ومواجهة الأزمات ضعيفة.
في هذه المقالة سنتحدث بشكل رئيس عن الوظيفة الثالثة للجماعة البشرية التقليدية، أي "العزوة"، التي تكون فيها هذه الجماعة مصدر قوة شديد الفاعلية كما هو الحال في البيئات البدائية، وسنركز على عودة هذه الوظيفة إلى العمل والتأثير في الأزمات الاجتماعية، وبالأخص عندما تكون هذه الأزمات من القوة بحيث تضعف قوة وسيادة الدولة، والأصح واقعيا "شبه الدولة" في البيئات "شبه المجتمعية"، فتستغل البنى الاجتماعية الفئوية هذا الضعف عبر تحررها من دور الدولة المانع أو المقلص لنموها ونشاطها، من ناحية، ومن ناحية ثانية تضع نفسها في موضع البديل للدولة عبر لعبها دور القوة الحامية والداعمة لأفرادها، المفروض أن تلعبه الدولة، وهذه بالطبع حالة نكوص وتقهقر اجتماعيين من مستويي المجتمع والدولة بمفهوميهما الإنسانيين الحديثين إلى مستوى الجماعة التقليدية القديم الأصول، الأقرب إلى شكل القطيع البشري، وهي ردّة إلى الاعتماد على شكل القوة العصبوي أو العزيوي بدلا من شكل قوة الدولة والمجتمع الحديث.
في الحالة الاجتماعية السلمية تكون ضرورة القوة دوما موجودة كشرط لازم لأي عمل أو نشاط فعالين، والقوى تتعدد وتتنوع، وقوة الجماعة هي أحد أشكال القوة التي لا بد منها في مجالات الحياة المختلفة، فالفرد فعليا يتأنسن في وسط اجتماعي، أي ضمن جماعة مؤنسَِنة، وهو بمفرده لا يمكنه أن يحل بنفسه إلا القليل من مسائل ومشاكل حياته وأن يقوم ببعض مقتضيات معيشته، ولذا هناك دوما حاجة محتمة لوجود الآخرين، ولتنظيم الأدوار والعلاقات مع هؤلاء الآخرين، ومن هنا تأتي ضرورة الجماعة، بحيث يمكن القول أنه حتى المجتمع الحديث كله يشكل جماعة كبرى بهذا المفهوم وعلى هذا المستوى.
ذاك بشكل عام، وبشكل خاص.. يجتمع الناس أيضا في جماعات صغرى لتوحيد وتنظيم جهودهم عند التعامل مع قضايا محددة، وما الأحزاب السياسية والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني في المجتمعات الحديثة إلا أشكال من هذه الجماعات.. التي ينتظم الناس فيها من حيث المبدأ ليشكلوا القوة المناسبة لمواجهة التحديات التي تواجههم.
ذاك ما يحدث في الأحوال العادية في المجتمعات الحديثة، وإلى حد ما في ما يسمى "بالمجتمعات التقليدية"، التي تصح عليها تسمية "أشباه مجتمعات" أكثر، وهذه الأحوال يفترض فيها غياب العنف عن الميدان الاجتماعي، أما في حالات الأزمات، التي تكون أكثر تواترا وتوترا وحدة واستعصاء على الحل في أشباه المجتمعات، المأزومة بطبيعتها دائما، فمسببات العنف تزداد، وتصبح الحاجة للقوة أكثر، ومنها النزاع التنافسي أو الدفاع ضد معتدٍ أو متغول أو العدوان المبرمج على الغير، وسوى ذلك، وهنا أيضا تُستخدم الجماعات التقليدية وغير التقليدية كشكل من أشكال القوة اللازمة للقيام بالعنف المطلوب سواء كان تنافسيا أو دفاعيا أو عدوانيا...
هذه المقاربة- التي تنظر إلى الجماعة البشرية من زاوية كونها قوة بشرية ضرورية- قابلة للتعميم وهي تنطبق على حالات الجماعات الاجتماعية الحديثة والتقليدية، فبُعد القوة دائما هو بعد أساسي في الجماعة البشرية سواء اقترن بالنشاط السلمي أو بالعنف، فمثلا ضرورة القبيلة للفرد في البيئات القبلية لا تأتي فقط من عاطفة القربي والإحساس بالانتماء والحاجة إلى هوية، بل ثمة ضرورة أخرى لا تقل عن ذلك أهمية إن هي لم تكن أهم، وهي أن مصدر القوة التي يحتاجها الفرد في هذا النظام الاجتماعي على صعد مختلفة يتمثل في القبيلة، ففي القبيلة -مثلا- يجد الفرد في القبيلة نفسها الحماية والعون والسند، فهي -مثلا- التي تحميه من أذى أو اعتداء القبائل الأخرى وهي التي تساعده على مواجهة أخطار الطبيعة المختلفة، وفي مثل هذا الوضع الاجتماعي يصبح الشخص ملزما بالانتماء إلى قبيلة، ليس فقط من قبيل الحفاظ على العرف السائد ثقافيا وأخلاقيا، بل بسبب الحاجة العملية أو النفعية للقبيلة، أي بسبب دور القبيلة كعزوة أو نصرة أو نجدة، وإذا ما نظرنا في قواميس اللغة العربية القديمة، فسنجد أن مصطلح "قوم" نفسه، هو مصطلح ذو مفهوم "عزيوي" أو "نصروي"، فـ "القوم هم الجماعة من الناس الذين تجمعهم جامعة يقومون لها"، أي أنهم يقومون للذود عن هذه الرابطة وينصرون بعضهم بعضا بناء عليها ومن أجلها.
ما قيل عن دور القبيلة كعزوة أو كقوم بالمعنى القديم لمصلح "قوم" المقترن بثقافة وتقاليد النظام القبلي، هو دور تتماثل فيه مع الجماعات التقليدية الأخرى، ففي أريافنا مثلا، ما يزال حضور "العائلية" قويا حتى اليوم، وهناك ما تزال النظرة إلى الفرد كـ "ابن عائلة" حاضرة، سواء أعجبه ذلك أم لم يعجبه، وحتى إذا كان هو نفسه قد تخطى هذه الثقافة العائلية، فالتقاليد العائلية تبقى مفروضة عليه، وإن كان هو نفسه قد استبدل ارتباطه التقليدي الخاص بالعائلة كعائلة بعلاقة مجتمعية عصرية، فعائلته والعائلات الأخرى عموما ستبقى تعامله "كشخص عائلي تقليدي"، والقضية هنا ليست عرفية فقط -كما سلف الذكر- بل عملية أو نفعية، ما يعني أنه سيبقى بحاجة عائلته، وستتناسب هذه الحاجة طردا مع شدة "عائلية النظام الاجتماعي" أو "المنظومة الاجتماعية" القائمين.
ما تقدم عن القبيلة يمكن سحبه أيضا على "الطائفة"، فإن كانت القبيلة هي جماعة تنشأ على رابطة وحدة الدم أو القربى الجسدية، فالطائفة يمكن وصفها بأنها جماعة تنشأ على رابطة وحدة المعتقد أو القربي الروحية، وبذلك يمكن القول أن القبيلة هي "طائفة جسمانية" والطائفة هي "قبيلة روحوية"، وفي نظام طائفي لا يمكن للفرد عموما إلا أن يكون "طائفيا" كما لا يمكنه إلا أن يكون قبليا في "نظام قبلي"، طبعا هذه الحالة لها خروقاتها وبدائلها المختلفة دوما، الصعلكة -مثلا- كانت خرقا للتقاليد القبلية، والانشقاقات أو الانقلابات المعتقدية هي الأخرى خرق للتقاليد الطائفية، لكن التمدن الاجتماعي المجتمعي هو البديل الأعلى والأوسع والنهائي لهذه الحالات الفئوية، حيث يحل المجتمع والدولة محل القبيلة أو الطائفة وما شابه، ويستبدلان أدوراها بأدوار عصرية أرقى.
تلعب الجماعات أدوارا قد تكون إيجابية أو سلبية بالمعيار الإنساني العام، وقد عرف التاريخ الكثير من الحالات التي كانت الجماعات كالقبائل أو الطوائف فيها تقوم بأدوار تكافلية وتتعاون كأنها أسرة، وهذا جانب إيجابي من جوانب دور الجماعة التقليدية، لكن هذه الجماعات التقليدية يمكنها أيضا أن تمارس العدوان ضد بعضها البعض لأسباب مرتبطة بها كجماعات وبكونها جماعات، كما أنها عادة ما تفرض على الفرد خياراتها قسرا، وهذه بعض الأوجه الخطيرة للجانب السلبي "للجماعاتية"، والنظام الجماعاتي بدوره ككل يفرض "جماعاتيته" على الفرد عنوة، فيعامله ليس بصفته شخصا فردا وذا شخصية خاصة مستقلة، بل كـ "عنصر جماعاتي أو فئوي"، ولا يراه إلا بصفته عضوا من جماعة، ويرغمه على التموضع في هذا الموضع والتقولب في هذا القالب، وهذه الحالة تزاد شدة وخطرا في حالات النكوص الاجتماعي المتلازمة مع الأزمات.
في الأزمات تنتعش وتنشط الفئوية أو الفِرقية لأسباب مختلفة، ومنها بالطبع الحاجة إلى الفرقة كقوة، وفي الأزمات تعيد التقاليد الفرقية توسيع انتشارها، وتضيع بنفس القدر الفردية والشخصية، فلا يعود فلان هو فلان الشخص، بل فلان العنصر أو العضو.. ابن الطائفة أو القبيلة أو العشيرة، وهلم جرى..، وعندما تستفحل الأزمة وتسقط الأمور إلى دركتها الأقصى.. يسود مبدأ "العنف على الهوية"، وينتشر العنف العنصري بشكل مسعور.
في مثل هذه الظروف، حين تصبح الطوائف-مثلا- مصادر قوة أساسية، وتسقط أو تتراجع البدائل الحديثة، وتصبح الطوائف مراكز استقطاب للباحثين عن قوة من ذوي النزعة الطائفية المتعصبين أو من الانتهازيين والمغرضين، وشيئا فشيئا تصبح مراكز جذب اضطراري حتى لأولئك البريئين من كلٍ من الطائفية والانتهازية وليس لديهم عصبيات أو مغارم، فهؤلاء يصبحون بحاجة للطوائف لحماية أنفسهم من الأخطار المختلفة ومنها خطر الطائفة نفسها التي تنمو قدرتها على فرض نفسها على من يُفترض نـَسَبيا انتماءهم لها.. حتى وإن لم يكونوا هم أنفسهم يريدون ذلك أو يعترفون به، وهكذا يجد الشخص اللاطائفي نفسه مضطرا للنكوص إلى الطائفة عندما تنتشر أساليب التعامل الطائفي، ويعامل من قبل طائفته والطوائف الأخرى بصفته "ابن طائفة" وليس كـ "شخص محدد" له فرديته وشخصيته الإنسانيتين الخاصتين المستقلتين، وهذه الرجعة المأزومة سواء كانت خيارا أم اضطرارا ينطبق عليها مثل "إذا لم تكن ذئبا أكلت الذئاب".. ويصبح هنا "إذا لم تكن طائفيا أكلك الطائفيون"، وهذه الحال تنطبق على "العوائل" كما تنطبق على الطوائف، وتنطبق عموما على كل حالات الأنظمة الجماعاتية والبني العصبوية، وهنا يتحول البيت المشهور لدريد ابن الصمة إلى شكل جديد هو:
وما أنا إلا من غزية إن قَوَت قويت وإن تضعف غزية أضعفِ
حيث سيكون كل فرد ملزما أو مرغما على أن يتبع "غزيته"، وأن يعمل لصالحها لكي تلعب هي دور "العزوة" القوية الضرورية بالنسبة له.
في الدولة الحديثة المرتبطة عضويا بالمجتمع الحديث.. لا يعود الإنسان بحاجة إلى أية "عزوة"، فهو محمي اجتماعيا من كافة الأخطار بقوتين أساسيتين كبريين، وهما قوة رقي التنظيم الاجتماعي للمجتمع وقوة عمل الدولة المواطنية الموجهة لخدمة مواطني هذا المجتمع، وهما قوتان متلازمتان متكاملتان.
هذا الارتقاء الاجتماعي لا يحدث كطفرة أو كقفزة، بل هو حصيلة عملية تطور تاريخي شاقة طويلة الأمد، وفيها الكثير من المد والجزر، ولذلك كثيرا ما تجد البيئات الاجتماعية نفسها فيها في مواقع متوسطة، وتكون إمكانيتا التراجع والتقدم فيها ممكنتين، ففي هذه الحالات يمكن وصف هذه البيئات بأنها "أشباه دول ومجتمعات"، وتكون الحكومات فيها متأرجحة بين السلطة السلطانية التقليدية والدولة القيادية الحديثة، ولذا بقدر ما تذهب هذه الدولة "الشِبهيّة" إلى الاستبداد، وهذا ما يقترن عادة بنمو مماثل للفساد، فهي تدفع بيئتها الاجتماعية إلى تأزم ونكوص اجتماعيين مماثلين، وعندما تشتد الأزمة، وتصل إلى حالة الانفجار.. تتسارع وتيرة الانحدار الاجتماعي ويصبح سقوطا، وتصبح الأدوار التي تلعبها البنى العصبوية التقليدية شديدة الكبر والخطر، وتصل إلى درجات الصراع والعنف العنصريين، الطائفيين أو القبليين أو العرقيين وهلم جرى...
هذه الحالة تنطبق على الواقع العربي بشكل عام، وعلى البيئات الاجتماعية الشبيهة، ولذا نجد استعارا للعنف المتعدد الأشكال الذي يدخل فيه كم كبير من العنف العنصري في العديد من البلدان العربية، ومن بينها سوريا، فالبلدان العربية ما تزال تتموضع -وإن اختلفت الدرجات نسبيا- في مواقع شبه الدولة والمجتمع... وتحكمها سلطات متسلطة تجمع بين الاستبداد والفساد السلطويين، ما ينعكس على "المجتمع القائم" ويؤدي إلى فساده ونكوصه كلما أتيحت له الفرص لبعض التقدم، وفي المحصلة يؤدي تراكم ثنائية الفساد والاستبداد إلى استفحال ومن ثم انفجار الأزمة، وإلى مزيد من الانهيار والسقوط الاجتماعيين وعودة الأشكال الجماعاتية في أسوأ أشكالها وأدوارها، وفي هذا العنف المستعر.. يصبح الكل "مغنيا على غزيته"، منهم من يغني تعصبا ومنهم من يغني انتهازا، أو ولاء، أو اضطرارا، أو انسياقا، أو دون وعي لماذا يغني، ولكن ما دامت "غزية" قوية بما يكفي لتستقطب الغناء، فسيغنى لها، ولكن كلها اليوم هي أناشيد شؤم جنائزي، فأناشيد غزية في حيّنا لا تعرف ألحان وبشائر الحياة .
*
المقال منشور على مجلة "صور"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق